تباين وجهات النظر حول الأزمة الليبية يزيد تعميقها

الخميس 2015/02/19
تنظيم «داعش» ماض في تحدي المجتمع الدولي باستعراض قوته في شوارع ليبيا غداة إعدام المواطنين المصريين

تونس ـ الجدل الذي انجرّ عن العملية الإرهابية الأخيرة التي أعدم خلالها 21 مصريا (قبطيا) على أيدي فرع تنظيم “داعش” في ليبيا، وما عقبها من ضربة جوية نفذتها مقاتلات مصرية طالت أهدافا قيل إنها تابعة للتنظيم على الأراضي الليبية، ودعوة وجهها الرئيس المصري إلى المجتمع الدولي من أجل توسيع نطاق الحرب على الإرهاب لتشمل ليبيا، أثار موجة من التصريحات الرسمية وغير الرسمية التي صدرت عن العديد من الأطراف الدولية، بين مرحّب بهذه الدعوة من بوابة توقي الخطر الإرهابي، ورافض لها من بوابة التعويل على الحل السياسي الذي يبدو صعبا على المدى القريب.

مواصلة للتفاعل مع التداعيات التي خلّفتها الضربة الجوية المصرية التي طالت أهدافا قيل إنها تابعة لتنظيم “داعش” على الأراضي الليبية، على خلفية إعدام هذا الأخير 21 مصريا (قبطيا)، مؤخرا، ومع الدعوة التي وجّهتها مصر للقوى الغربية بضرورة توسيع نطاق الحرب على الإرهاب التي تخوضها هذه القوى في كلّ من العراق وسوريا لتشمل ليبيا، انعقد مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، أمس الأربعاء، لمناقشة تنامي نفوذ “داعش” وإمكانية التدخل العسكري لكبح جماحه في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري، قد توجه إلى نيويورك للحصول على دعم من أعضاء مجلس الأمن للتدخل العسكري في ليبيا ضد “داعش”، على إثر تنفيذ مقاتلات تابعة للجيش المصري ضربات جوية، صباح الاثنين الماضي، ضدّ أهداف قيل إنها تابعة لتنظيم “داعش” بليبيا، ردا على إعدام 21 مسيحيًّا مصريّا مختطفا ذبحا، كما أظهر تسجيل مصور بثه التنظيم على موقع “يوتيوب”، أكدت رئاسة أركان الجيش الليبي المنبثق عن البرلمان المنعقد في طبرق، أنّها “تمّت بتنسيق مسبق معه”.

وقد أثارت الضربة المصرية وما تبعها من دعوة إلى القوى الدولية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، الكثير من الجدل في الأوساط السياسية والدبلوماسية الدولية، بين من يراها خطوة نحو دعوة جادّة يجب الإصغاء إليها والعمل وفقها من أجل الحد من تمدد هذا الخطر المتنامي والقضاء عليه، ومن يرى أنّ التخلي عن الــحل السياسي للأزمة الليبية والتسريع بالتدخل العسكري، يعدّ مــغامــرة من شأنها أن تسفر عن عواقب وتداعيات غير محسوبة، ربما تعصف بأمن المـنطقة عـموما.

ويرى مراقبون أنّ أصحاب الموقف الثاني هم ذاتهم من سارعوا بالأمس القريب إلى التدخل عسكريا دون حساب العواقب من أجل الإطاحة بنظام معمر القذافي خلال ثورة فبراير التي تمرّ ذكراها هذه السنة تزامنا مع واقع أليم وحال لم يتخل الليبيون الذين ثاروا توقا للحرية والكرامة سنة 2011، أنها ستكون حالهم بعد أربع سنوات من الثورة.

مازن الشريف: أي تدخل عسكري سيجعل من ليبيا أرض جهاد يتدفق إليها الجهاديون


تداعيات الحل العسكري


يرى خبراء أن التدخل العسكري الدولي في ليبيا الذي دعت إليه مصر، سيكون تنفيذه شديد التعقيد وقد يؤدي إلى تفاقم الفوضى السائدة في هذا البلد الذي تسيطر عليه الميليشيات والجماعات المسلحة.

ويعتبر المجتمع الدولي أنّ الخطر الحقيقي في ليبيا هو تنامي قوة تنظيم “الدولة الإسلامية”، أكثر من الفوضى الناجمة عن الصراع بين الميليشيات المسلحة بكل مشاربها من أجل السيطرة على الحكم. لذلك فإنّ أي تدخل سيستهدف أولا مجموعات المقاتلين الجهاديين، وهي أهداف تصعب إصابتها لأنها متحركة وقادرة على الاختباء وسط السكان كما هي الحال في سوريا والعراق.

وتتنقّل المجموعات الجهادية في مناطق البلاد المترامية الخارجة تماما عن السيطرة بما في ذلك الحدود البرية والبحرية. وتسعى أيضا إلى الانتشار في المناطق التي تسيطر عليها ميليشيا “فجر ليبيا” (المحسوب على الإخوان المسلمين).

وتشهد ليبيا منذ أشهر صراعا داميا بين ميليشيات “فجر ليبيا” وقوات اللواء خليفة حفتر، الذي يقول إنّه يحارب “الإرهاب” بدعم من حكومة طبرق المعترف بها من قبل المجتمع الدولي. لكن حفتر يلقى صعوبة في تشديد قبضته على الشرق الليبي وخاصّة بنغازي، ثاني كبرى مدن البلاد، حيث ما زال يواجه مقاومة من طرف المجموعات الإسلامية ومن بينها جماعة “أنصار الشريعة”، التي تعتبرها الأمم المتحدة تنظيما إرهابيا.

ورأى لويس مارتينيز، من مركز الدراسات والأبحاث الدولية، “أنّ التدخل العسكري سيشكل دعما لإستراتيجية حفتر على حساب فجر ليبيا”، لكنّه غير محمود العواقب.

ويعتبر الخبراء أنه أمر في غاية الصعوبة بالنسبة إلى تحالف دولي أن يحدد أهدافا لقصفها جوا من دون الاستناد إلى عمل استخباراتي معمق جدّا بسبب كثرة الفصائل الجهادية الموجودة في ليبيا والتي التي لا تتقاسم نفس الأيديولوجيا مع تنظيم “الدولة الإسلامية” أو “أنصار الشريعة”.

أمّا بالنسبة إلى التدخل البري فإن مازن الشريف، الخبير في مسائل الإرهاب يقول عنه “إنه يتطلب تعبئة عشرات الآلاف من الجنود ولكن رغم ذلك تبقى فرص نجاحه ضئيلة، والحالة الأفغانية خير مثال على ذلك”، محذرا من “أنّ أي تدخّل عسكري سيجعل من ليبيا أرض جهاد يتدفّق إليها الجهاديون من بلدان المغرب العربي وأفريقيا وربما أيضا من سوريا والعراق، حيث يحتل تنظيم الدولة الإسلامية أجزاء واسعة من أراضيهما”.

وقال مارتينيز “إن اقتصرت العملية على مجرد القصف الجوي، فلن يكون من شأنها سوى الدفع بالسكان إلى التشدّد، خاصة بسبب ما يمكن أن تتسبب فيه عملية كهذه من أضرار جانبية وسقوط ضحايا في صفوف المدنيين”.

الخطر الحقيقي في ليبيا هو تنامي قوة تنظيم «الدولة الإسلامية» أكثر من الفوضى الناجمة عن الصراع بين الميليشيات المسلحة

واعتبر أنّه ينبغي استخلاص العبر من العملية العسكرية الدولية التي طالت ليبيا التي أطلقتها كلّ من باريس ولندن ثمّ قادها حلف شمال الأطلسي، وانتهت بعد مقتل معمر القذافي في أكتوبر 2011، لافتا إلى “أنّ هذه الدول التي تقرر التدخل، غالبا لا تملك أيّ سياسة جدية تواكب المرحلة ما بعد العسكرية كما كانت الحال في 2011، حيث أنها أثبتت قدرتها على قصف القذافي لكنها عجزت عن مساعدة الليبيين على إنجاح المرحلة الانتقالية”.

لذلك يؤكد مارتينيز على “أن الحل للأزمة الليبية يجب أن يكون سياسيا وليس عسكريا”، مضيفا، “أنّ الحل السياسي سيكون على الأرجح طويل المدى، لكنه السبيل الوحيد كي يصبح هذا البلد في نهاية المطاف دولة آمنة لها حكومة تمثيلية”. ويوافقه مازن الشريف في هذا التوجه، حيث يقول “إنّ المرحلة الأولى التي يجب القيام بها في إطار إيجاد حلّ سياسي، تتمثل في السعي إلى التقريب بين الفصائل المتنازعة وبناء جيش ليبي وطني، من ثمّة يُمكن للغرب أن يساعد هذا الجيش لتمكينه من مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية”.

لكنّ عددا من المراقبين يرون أنّ هذه المهمة تبدو هائلة وصعبة للغاية في بلد شاسع مثل ليبيا ليست له وحدة تاريخية، وهو الشيء الذي حال إلى حدّ الآن دون نجاح المساعي التي يقوم بها رئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، برناردينو ليون، منذ أشهر من أجل إيجاد أرضية وفاق سياسي لتشكيل حكومة وحدة وطنية.


عودة الحديث عن حل سياسي

تزامنا مع هذه الدعوة المصرية لتدخل عسكري دولي في ليبيا، شددت أطراف دولية أخرى على ضرورة البحث عن حل سياسي على رأسها إيطاليا والدول الأوروبية والولايات المتحدة، في ظلّ تمسّك الطرف الجزائري بموقفه الرافض لأيّ تدخل عسكري في جارته الشرقية، وإعلان تونس كذلك عن تمسكها بالحل السياسي كسبيل وحيد لحل الأزمة في ليبيا.

وعلى الرغم من أنّ إيطاليا كانت قد حذّرت، أمس الأربعاء، من وجود مخاطر واضحة لاندماج الفرع الليبي لتنظيم “الدولة الإسلامية” ومجموعات مسلحة أخرى في البلاد مع بعضها البعض، إلاّ أنّها أكّدت في المقابل، على لسان وزير خارجيتها، باولو جنتيلوني، “أنّ الحل الوحيد لهذه الأزمة هو الحلّ السياسي”، الذي أضاف أنّ “تدهور الوضع هناك يتطلب حلا سريعا من جانب المجموعة الدولية المطالبة بمضاعفة جهودها قبل أن يفوت الأوان”، مشيرا إلــى أنّ “إيطاليا لا تــرغب لا بمغامرات ولا بحملات صليبية”.

خبراء: الحل للأزمة الليبية يجب أن يكون سياسيا وليس عسكريا

وقال جينتيلوني “نحن أمام بلد أراضيه شاسعة ومؤسساته متداعية، وهذا يترك عواقب قد تكون خطيرة ليس فقط علينا وإنما أيضا على استقرار واستمرار العمليات الانتقالية في الدول الأفريقية المجاورة لليبيا”.

وكانت إيطاليا قد شددت، رفقة حكومات الدول الأوروبية الكبرى وكذلك الولايات المتحدة، على ضرورة إيجاد “حل سياسي” في ليبيا، ودعت إلى تشكيل حكومة وطنية أبدت استعدادها لدعمها. حيث اعتبرت كلّ من الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وأسبانيا، في بيان مشترك صدر الثلاثاء في روما، “أنّ تشكيل حكومة وحدة وطنية، يعتبر الأمل الأفضل بالنسبة إلى الليبيين”. ولفت البيان إلى أنّ برنارندينو ليون، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، سيدعو الفرقاء الليبيين، خلال الأيام المقبلة، إلى سلسلة من الاجتماعات بهدف التوصل إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، مؤكدا أنّ “أولئك الذين لن يشاركوا في عملية المصالحة هذه، سيتمّ استبعادهم من الحل السياسي في ليبيا”.

وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، أعلن بدوره، بعد يوم من تنفيذ الغارات الجوية المصرية، أنّ الجزائر متمسكة بمطلبها المتعلّق باحترام سيادة ليبيا وتعزيز مؤسساتها، مُدينا في الوقت ذاته، كافة أشكال الإرهاب التي تستهدف المدنيين.

وأوضح أنّ بلاده ترفض من ناحية المبدأ أيّ تدخل أجنبي سياسي أو عسكري في ليبيا، وتدافع عن هذا الخيار، وتسعى إلى إقناع المجتمع الدولي بذلك، وتعتبر أن أيّ تدخل عسكري من شأنه أن يوجد مبررات للمجموعات المتطرفة، مشيرا إلى أنّ “التّطورات الخطيرة في ليبيا، خاصة بعد العملية الإرهابية التي قام بها تنظيم داعش بحق رعايا مصريين أبرياء، تحثّ الجميع على بذل جهود كبيرة من أجل تشجيع الليبيين على الحوار”.

تونس، أعلنت عن موقفها، أمس الأربعاء، على لسان رئيس حكومتها الحبيب الصيد، الذي قال “إنّ بلاده تعارض أيّ خطوة نحو تدخل عسكري في ليبيا، وأنها تؤيد إيجاد حل سياسي للأزمة بين الأطراف المتصارعة، مشدّدا على أنّ “تونس تقف على نفس المسافة من كل الأطراف الليبية”، مشيرا إلى أن حكومته اتخذت كافة الاحتياطات للتصدي إلى أيّ خطر يمكن أن تشكله عناصر تنظيم “داعش” في ليبيا.

7