تبخر أحلام الانفتاح التجاري التونسي على السوق الأفريقية

رفض البرلمان انضمام تونس إلى منطقة التبادل التجاري الحر الأفريقية يؤكد أن المشرعين ليسوا على دراية بحجم الخسارة الاقتصادية لبلد يعاني ويلات الأزمات المالية المتراكمة.
السبت 2020/03/07
تجارة محاصرة بين الصراعات السياسية

بفضل السياسيين ذوي الأفكار العقيمة، التي لا تنجب حلولا مستدامة ومبتكرة لبناء الاقتصاد، تبخرت أحلام تونس للانفتاح التجاري على السوق الأفريقية لتقصي نفسها بذلك عن محيطها القاري، الذي سعت إليه طيلة ماراثون من المفاوضات الشاقة العام الماضي مع أعضاء الاتحاد الأفريقي لتأسيس سوق تجارية مشتركة على أرض الواقع.

إحباط البرلمان في جلسة عامة هذا الأسبوع خطّة انضمام البلاد إلى اتفاقية منطقة التبادل التجاري الحر الأفريقية شكل صدمة خصوصا وأن الجميع كان يترقب خطوة الانفتاح على قارة يضم سوقها أكثر من 1.2 مليار نسمة، لتحفيز النموّ رغم تباطؤ الاقتصاد العالمي بسبب الحروب التجارية وفوبيا فايروس كورونا المستجدّ.

البرلمان، الذي تسيطر عليه حركة النهضة الإسلامية بتحالف مع أحزاب أخرى تلتقي معها فقط ضمن مصالح وحسابات ضيقة، رفض المصادقة على مشروع القانون بعد الفشل في الحصول على عدد الأصوات المطلوبة لتمريره. وهذا يؤكد مرة أخرى أن أغلب المشرعين ليسوا على دراية بحجم هذه الخسارة الاقتصادية لبلد يعاني من ويلات الأزمات المتراكمة.

لم تكن تونس تعوّل على تعزيز صادراتها، التي لا تزال ضعيفة رغم المحاولات لتنشيطها خلال السنوات الأخيرة فحسب، بل لديها رؤية اعتمدتها منذ أن بدأت في تحريك دبلوماسيتها الاقتصادية منذ 2014، لبلوغ أعلى درجات التكامل الاقتصادي مع أفريقيا.

الآن، ستبدأ التساؤلات تقفز بين التونسيين للبحث عن أسباب رفض نواب الشعب المصادقة على اتفاق مهمّ كهذا، والذي يفترض أنه يستكمل مسار الدبلوماسية الاقتصادية، التي نجحت فيها تونس أثناء فترة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، حين انضمت إلى اتفاقية طريق الحرير والحزام الجديد الصيني وإلى السوق المشتركة لدول شرق أفريقيا (كوميسا).

لقد دخلت اتفاقية التبادل التجاري الحر حيز النفاذ في مايو الماضي بعد أن صادقت عليها جميع حكومات أفريقيا، وكانت تونس من أول دول القارة، التي صادقت عليها وذلك في مارس 2018، غير أن استكمال خطوات الانضمام الرسمي تطلب موافقة البرلمان، وهو ما لم يحصل.

يعود قرار إنشاء هذه المنطقة إلى يونيو 2015 عندما وقعت 26 دولة في شرم الشيخ المصرية على البنود الأولى للاتفاقية لمواجهة التحديات الاقتصادية، وبموجبها ستضم منطقة التجارة الحرة 3 تكتلات اقتصادية قائمة وهي كوميسا ومجموعة شرق أفريقيا ومجموعة تنمية أفريقيا الجنوبية.

إن فتح الحدود التجارية مع أفريقيا خطوة لإحداث اختراق في سياسة المبادلات التجارية مع دول القارة البالغ عددها 54 بلدا عبر منطقة التبادل التجاري الحر إذ كان يفترض أن تكون لها آثار إيجابية لإنعاش الاقتصاد المنهك في ظل حكومة جديدة تسعى إلى تكوين حزام سياسي قوي يدعمها لاستكمال تنفيذ برنامج إصلاح متفق عليه مع صندوق النقد الدولي.

من المؤكد أن أكثر ما يشغل حكومة إلياس الفخفاخ حاليا بعد قرار البرلمان هو كيفية كبح العجز التجاري المتفاقم، الذي يتجاوز سنويا حاجز الملياري دولار في ظل حجم تجارة ضعيف مع القارة لا يتجاوز سنويا 5 في المئة من حجم المبادلات التجارية، بينما تبلغ أكثر من 50 في المئة مع دول أوروبا.

منطقة التبادل الحر الأفريقية تركز بالأساس على إزالة كافة الحواجز الجمركية بين الدول عبر تحرير حركة البضائع مع منح الحكومات هامشا لتطبيق سياساتها الاقتصادية، التي تتماشى مع ظروف كل بلد. ومن الواضح أن تونس أضاعت هذه الفرصة الثمينة.

تشير بنود الاتفاقية إلى أنه على الدول الموقعة تحرير 90 في المئة من الحركة التجارية أما النسبة المتبقية فهي ستكون بالتوافق بين الحكومات الأفريقية على قواعد المنشأ. ويتوقع أن تسهم المنطقة في رفع نسبة المبادلات بين كافة الدول إلى نحو 52 في المئة، مع التركيز بشكل أكبر على الصادرات الزراعية والصناعية.

كما تهدف المنطقة إلى مضاعفة قيمة المبادلات التجارية داخل القارة لتبلغ معدلا سنويا في حدود 35 مليار دولار بحلول العام 2021. ويؤكد الاتحاد الأفريقي أن المنطقة بإمكانها إيجاد سوق قارية ضخمة، بناتج محلي إجمالي يصل إلى حوالي 3 تريليون دولار سنويا، لكن الفرصة أمام تونس ضاعت وإلى الأبد.

ومع طي صفحة هذه القضية، التي يبدو أنها ستكون مثار جدل في الفترة المقبلة، يتبادر إلى الأذهان الآن مآل عدة اتفاقيات أخرى تنتظر البت فيها، مثل مشروع اتفاقية التبادل التجاري الحرّ الشامل والمعمّق (أليكا) مع الاتحاد الأوروبي، والتي قد تكون منفذا محتملا لتونس رغم سلبياتها على القطاعات الاستراتيجية.

وخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، تصاعدت الانتقادات حول تجاهل السلطات للتحذيرات المتعلقة بتداعيات إبرام الاتفاقية، في ظل تفاقم مخاوف من تداعيات خطيرة على الاقتصاد التونسي الذي لم يحدد بعد بوصلة الخروج من عنق الأزمة.

يبدو أن أهم تحدّ سيواجه الحكومة في حال تم توقيع اتفاقية أليكا يتمثل في عدم قدرة تونس على تعزيز موقعها كشريك حقيقي مع أوروبا، التي لا ترى مصالح مباشرة مع جارتها في جنوب المتوسط، لكنها تبحث عن دعم المنطقة للتأثير الاقتصادي فقط.

10