تبديد الكآبة باستغلال المساحة

الأربعاء 2017/12/27

لأننا بشر ولأن الحياة ملأى بكل شيء.. فإن ساعاتنا وأيامنا لن تكون متشابهة ولن تكون كلها ملأى بما هو جميل وممتع وبهيج.. بل لأنها حياة فإن هي إلا جمهرة من التناقضات والمتضادات.. فقد تمر الأيام الطوال عادية مكرورة يغلفها الروتين والملل.. وقد تتخللها السعادات العابرات أو التماعات المحبة التي تضفي عليها شيئا من البريق الذي يشبه الندى وهو يرطب جفاف الدقائق الثقال.. فلا يمكن أن تكون لا الأفراح دائمة ولا الأحزان..

ولأنني أصبحت مؤمنة جدا بأن داخل كل منا ثمة معماري حاذق يستطيع بناء حياته وأيامه القادمات ومستقبله على قياس أحلامه وطموحاته.. فقد حسمت أمري بأن أمسك بقلمي وأخطط “سكيتشاتي” الشخصية دائما.. وأن أضفي عليها ما تشاء لي تصوراتي وأحلامي.. وإن هي إلا مسألة وقت حتى تأتي أكُلَها..

ومن أصغر الأشياء يمكن أن يبتدئ التغيير.. ومن أقلها يبتدئ الفرح.. ولأن داخلنا كتلة من تفاصيل دقيقة وتاريخ وحروب وأحداث وكتب.. فإننا من أصغر المساحات حولنا نستطيع أن نبدأ.. دون الحاجة إلى إعادة نبش دواخلنا.. فبيوتنا هي نحن وهي انعكاس لذلك الداخل الذي قد يحتاج إلى مئات من الدراسات لكي نفهمه.. وأصغر المساحات يمكن أن تكون فضاء فارها للحرية.. ومنها نستطيع أن نطهّر أنفسنا من شوائب الوجع والكآبة والضغوط.. لننطلق بعد ذلك في كل يوم ونحن أقوى وأبهى وأخف..

ولنفرض جدلا أننا نعيش في غرفة صغيرة بمفردنا أو مع أخ أو أخت أو زوج أو صديق.. فما الذي يمكن له أن يغير حياتنا في هذه البقعة الصغيرة؟.. تقول الكاتبة مديسون تيلر “يمكن أن يكون بيتك مفعما بالطاقة الحيوية إذا ما صرفت ما يكفي من الوقت لجعله بيتا خاليا من الضغوط”.. فكيف يمكن أن يكون ذلك؟.. تقول الكاتبة “قد نكون مشغولين حدّ ألا نجد ما يكفي من الوقت للعناية ببيتنا.. بيد أن المكان/البيت هو الحديقة التي نغرس فيها بذور الراحة والجمال لتمنحنا عطور وألوان ورودها”.

وفي واقع الحال فإن كل غرس إيجابي إنما يطرح قطافا إيجابيا.. من أول الترتيب والنظافة والعناية بجمال المكان.. وحتى اختيار الفرش والستائر والأثاث واللوحات والإنارة.. مهما كان بسيطا متواضعا.. وبين الحين والحين.. لا بد لنا من إيجاد تغييرات طفيفة أو جوهرية مهما بدا المكان مناسبا رائعا بطريقة تنظيمه وديكوراته.. فكل ذلك إنما يجدد خلايانا ويمنحنا طاقة خلاقة قد لا تخطر لنا على بال.. حتى المكتب والمشغل والمرسم والورشة الخاصة بحرفة ما.. إنما تحتاج إلى ترتيب وتنظيف وإعادة تنظيم بين عمل وآخر وبين مشروع وآخر.. وبين آونة وأخرى.. لأنها إذ ذاك فقط تصبح قادرة على خلق أمواج خاصة تجدد خلايا الإبداع وتحسّن من كفاءة الأداء والمنجز..

وأخيرا.. يحكى أن عجوزا كان يسير مع حفيده.. وكان يروي له قصة عن ذئبين متناحرين في داخله.. أحدهما كان يتسلح بالشر والحقد والقبح والأنانية والحزن والخذلان والضجر واليأس.. وكان الثاني يقارعه بالخير والحب والجمال والعطاء والفرح والنجاح والمتعة والأمل.. وإذ سأل الحفيد جده “ولمن ستكون الغلبة يا جدي؟”.. أجابه العجوز “الغلبة لمن سنغذيه ونطعمه بشكل أفضل!”..

كاتبة عراقية

21