تبرئة رئيس البرلمان العراقي ترتيب سياسي بأدوات قضائية

للفساد في العراق “مؤسسات” تسهر على حمايته بما يؤمّن للنظام القائم مناعة شديدة ضدّ الإصلاح، ويوفر لكبار الفاسدين حصانة ضدّ المحاسبة، إلى درجة أن ساعة واحدة تكفي لإقفال ملف فساد كبير ومتشعّب ومتراكم عبر السنوات.
الخميس 2016/08/11
أنت مدعوم.. إذن لست فاسدا

بغداد - وجه إقفال قضية رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري بسرعة متناهية، مجدّدا الشكوك صوب القضاء العراقي مثيرا الأسئلة حول مدى نزاهته وحياديته واستقلاله عن السلطة السياسية.

واعتبرت أغلب الجهات التي علّقت على العملية، من مراقبين ورجال سياسة عراقيين وأجانب، أنّ البتّ في مثل هذه القضية الكبيرة والمتشعّبة في ظرف أيام، هو بمثابة ترتيب سياسي وحركة سريعة من النظام القائم في البلد لحماية نفسه من تداعيات فضيحة كبرى كانت ستتجاوز الأشخاص المعنيين بها إلى النظام برمته الذي يعاني أصلا تبعات فشله على كل المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، ويشهد صراعات داخلية بين أجنحته زادت من تشويه صورته لدى الرأي العام العراقي.

وفي ظرف زمني وجيز لم يتجاوز الساعة، بعد رفع البرلمان العراقي الحصانة عن رئيسه سليم الجبوري المتهم، صحبة عدد آخر من أعضاء المجلس من قبل وزير الدفاع خالد العبيدي، بالتورط في قضايا فساد وابتزاز، فاجأت السلطة القضائية، الثلاثاء، العراقيين بتبرئة الجبوري وغلق الملف لعدم كفاية الأدلة.

الإهمال يودي بـ12 رضيعا في مستشفى بالعراق
بغداد - أثار هلاك عدد كبير من الرضّع في حريق هائل شبّ فجر الأربعاء بأكبر مستشفى في العراق، موجة غضب عارمة تجاوزت أهالي الضحايا إلى شرائح واسعة من العراقيين لم يتردّدوا في تعاليقهم على الحادثة المؤسفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في ربطها بظاهرة الفساد المستشري في البلاد والذي مسّ مختلف القطاعات ومن ضمنها القطاع الصحّي ليتحوّل بذلك إلى أداة من أدوات القتل المباشر للعراقيين وضرب من ضروب الإرهاب.

وقالت السلطات العراقية إن 12 رضيعا مبتسرا هلكوا في حريق اندلع في الساعات الأولى من صباح الأربعاء في عنبر الولادة بمستشفى اليرموك في بغداد وإنه نجم، على الأرجح، عن تماس كهربائي.

وعلى الفور توجّهت الشكوك باتجاه وجود إهمال وراء الحادثة التي ربطها البعض أيضا بانعدام الصيانة في المستشفى، وعدم وجود وسائل الأمان الضرورية من طفايات حريق وغيرها.

وأظهرت صور نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي المستشفى في حالة من الإهمال والصراصير تخرج من بين شقوق البلاط المكسور وصناديق القمامة تفيض بمحتوياتها والمراحيض قذرة والمرضى يستلقون على نقالات في الفناء.

وكان أعلن منذ سنة 2005 عن رصد ميزانية ضخمة لبناء عدد كبير من المستشفيات ولصيانة مختلف البنى الصحية المتداعية بفعل قدمها وتهالك المعدّات المستخدمة فيها، لكن لم ينفّذ من البرنامج شيء يذكر وظلت المستشفيات العراقية تزداد اكتظاظا بالمرضى وازداد تراجع مستوى الخدمات فيها مع تناقص عدد الأطباء ومختلف الكوادر الصحية بفعل الهجرة المكثفة إلى الخارج هربا من الظروف الأمنية في البلاد.

وأعلن المتحدث الرسمي باسم رئيس البرلمان، الأربعاء، أنّ الجبوري عاد لممارسة مهامه بعد قرار مجلس القضاء الأعلى بحقّه، لافتا إلى أن “الحصانة البرلمانية تعود إلى رئيس البرلمان بمجرد إغلاق القضية”.

وبذلك لا يتجاوز الزمن الفعلي للبت في القضية ككل منذ تفجّرها في الأول من أغسطس الجاري التسعة أيام، وهو زمن غير كاف بكل المقاييس للتحقيق في جريمة عادية ناهيك عن قضية فساد كبرى بحجم التي أثارها الوزير العبيدي.

واعتبر النائب عن جبهة الإصلاح المعارضة بمجلس النواب العراقي، محمد الصيهود، الأربعاء، تبرئة رئيس المجلس سليم الجبوري “قرارا سياسيا مخيبا للآمال لا قرارا قضائيا مهنيا”، قائلا إنّ “مشاجرة بين شخصين تحتاج أربعة أيام لحلها قضائيا فكيف بقضية هزت الشارع العراقي”.

وأضاف الصيهود “كنا نأمل بأن يكون القضاء العراقي أكبر من هذا المستوى، لكن خنوعه للسياسيين والقرارات السياسية يجعل القضاء العراقي في مهب الريح”.

وليست المرّة الأولى التي توجّه فيها أصابع الاتهام إلى القضاء العراقي بعدم الحياد والنزاهة وبالتبعية للسلطة السياسية، وحتى بالتورّط في الفساد وحماية كبار رموزه.

وكانت أبلغ طريقة لاتهام القضاء في العراق، تلك التي اعتمدها متظاهرون عراقيون مطالبون بالإصلاح، برفعهم في أكثر من مظاهرة في شوارع بغداد وعدد من المدن الأخرى صور رئيس السلطة القضائية، مدحت المحمود، مصحوبة بشعارات صريحة تتهمه بالفساد وتطالب بعزله ومحاسبته.

وسبق للمحمود أن أثار موجة من الاتهامات ضدّه بالتواطؤ مع السياسيين وتنفيذ رغبتاهم ومنع فتح ملفات قضائية ضدّهم تتعلق بقضايا مصيرية، وذلك برفضه اعتماد تقرير نيابي بشأن سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش صيف العام 2014، بحجة عدم مهنيته وحياديته.

وكان التقرير يتضمن إشارات إلى مسؤولية رئيس الوزراء السابق نوري المالكي عن سقوط المدينة، وهو الأمر الذي أثار شكوكا في وجود تحالف بين رجال القضاء وكبار زعماء الأحزاب الدينية وقادة الميليشيات المسلّحة يقومون من خلاله بالحفاظ على مناصبهم ومواقعهم وحماية بعضهم بعضا من المحاسبة التي يمكن أن تطولهم على خلفية مطالبات شعبية بذلك.

وتأتي “لملمة” فضيحة الجبوري بهذه السرعة لتؤكّد مجدّدا حصانة النظام القائم في العراق ضدّ الإصلاح وامتلاكه أدوات ترقى إلى مستوى مؤسسات ضخمة لمقاومته والتصدّي له من خلال منع فتح ملفات الفساد التي تثقل كاهل الدولة العراقية وتكاد تفضي إلى فشلها وانهيارها، وحماية كبار الفاسدين في حال تفجّرت أي قضية على غرار ما جرى في قضية العبيدي والجبوري.

3