تبرير الخيانة.. خيانة

الخيانة.. خيانة لا يبررها شيء على وجه الأرض، فمن يبررها بأسباب واهية، هو في قرارة نفسه يتقبلها ويسوغ لها، تعد أحد أيسر خياراته للخروج عن النمطية أو من باب التغيير أو مغامرة عاطفية.
الاثنين 2020/02/03
تبرير ما لا يبرر

كم أتمنى أن أدخل إلى أدمغة رجال خانوا زوجاتهم.. لسؤالهم عن السبب الحقيقي وراء خياناتهم، كم تمنيت لو نفذت إلى أعماقهم بتخف لا يدركونه للوصول إلى حقيقة مشاعرهم التي تقبل القسمة على أكثر من رقم، تلك المشاعر المنشطرة بين جميع الأرقام.

لا أريد أسئلة تقليدية، لأنهم جاهزون بمبررات الخيانة، ويكفي عندي تصور سيناريوهات وسوق حجج تبرر فعلهم، وهذا وحده يصيبني بالغثيان، تبرير الخيانة (كما أظن) خيانة أخرى أكثر وأشد قسوة، فهؤلاء الذين لا يعترفون بالخطأ ولا يسارعون إلى التطهر منه وطلب الغفران من زوجاتهم لا يستحقون حتى عناء الحديث معهم أو عنهم.

الخيانة.. خيانة لا يبررها شيء على وجه الأرض، فمن يبررها بأسباب واهية، هو في قرارة نفسه يتقبلها ويسوغ لها، تعد أحد أيسر خياراته للخروج عن النمطية أو من باب التغيير أو مغامرة عاطفية، وربما يعزو الخائن خيانته إلى صفات في زوجته، فهو عوضا عن الطلاق والانفصال عن الأسرة وهدم الكيان القائم، يخون ليجدد دماء العلاقة التي يتعلل بفتورها!

يا لجبروت الرجل حين يريد فعل ما يروق له.

جارتي اليافعة تزوجت عن حب، قصة تصلح خطا دراميا في رواية غرامية، عانت لموافقة أهلها على الزواج برجل من جنسية أخرى، ربما يحرمها من العيش بين أهلها وأقاربها وهذا ما حدث بالفعل.

حاربت الجميع للموافقة على الزواج، رسمت خططا ووضعت نتائج كارثية محتملة أمام أعين أهلها إذا أصروا على الرفض، كان أخفها وطأة عليهم وأقلها خسارة هو الموافقة على زواجها، حتى لا تنفذ تهديداتها بقطع شرايين يديها أو القفز من فوق الأسوار العالية أو احتساء السم أو العقاقير المنومة لبلوغ الموت الصادم.

اختار الأهل زواجها والاطمئنان عليها من حين إلى آخر كحل بديل، قال لها والدها مرغما: البعد بالسفر أرحم وأهون. لكن تذكري أن هذا خيارك، ووحدك تتحملين جميع نتائجه، سيظل أبناؤك أجانب، يأتون لوطنك بتصاريح خاصة، نراهم بتأشيرة وإذن بالسماح بالسفر أو بالمغادرة، يحتاجون إلى أختام كثيرة ومصروفات باهظة، ضحكت من الموافقة، ولم تدرك أهمية جملة “هذا خيارك، ووحدك تتحملين نتائجه”.

عاشت عامين في سعادة غامرة، بين سفر وترحال ومتعة وإنجابها لطفلة جميلة، لم يدق الشجار باب بيتهم إلا بعدها، حين تبدلت تصرفات زوجها، الشك يحاصر جميع أفعاله، لا تستطيع إغفال تفاصيل مريبة، وحجج واهية يسوقها الزوج مبررا تأخره، سهره بالساعات أمام شاشة الكمبيوتر بلا عمل ولا داع، تهربه الدائم من التنزه معها أو اصطحابها للتسوق، حتى طفلته لم يعد يهتم بها.

كلها تصرفات تقبل أكثر من احتمال، لا توجد حقيقة مؤكدة. لكنها في الوقت ذاته عاجزة عن البوح بمشكلتها، ذلك البوح الذي يذكرها دائما بخطأ اختيارها، تمنعها جملة أبيها، ترن في أذنيها، تثنيها عن الشكوى.   كان تواتر هذه الأفعال تباعا، وكثرة التبريرات والتعليلات لتصرفات كان من الممكن أن تبدو طبيعية لولا الإمعان في التخفي عن عين زوجته، والتنصل من مسؤولياته والأحاديث الهاتفية الهامسة.

في زيارة سريعة لأهلها ألمت بصغيرتها وعكة صحية شديدة، تطلبت العلاج الطبي والرعاية الاستثنائية، الطفلة يشملها نظام تأميني في بلد أبيها الذي هو بلدها بالتبعية، وتعامل في بلد أمها معاملة الأجانب، قررت جارتنا قطع زيارتها بشكل مفاجئ والعودة بابنتها للعلاج قبل موعدها الطبيعي المتفق عليه مع زوجها. فاجأته حتى لا تقتطع من وقت عمله ظنا منها أنها تعمل على راحته وتسعده بمجيئها المبكر، لكنها اكتشفت خيانته بما لا يدع مجالا للشك، تلبس يصعب على ذاكرتها أن تمحو مشهدية اللحظة الصادمة.

طلبت الطلاق حفاظا على ما تبقى لها من كرامة أهدرتها الخيانة، لكنه رفض، ثمة تناقض لفظي في حواره عن رفضه للطلاق والانفصال، في حين يبرر خيانته بمبررات واهية وادعاءات متشابكة، مؤكدا حبه لزوجته وعدم قدرته على البعد.

لولا أنني كنت شاهدة قريبة من أحداث القصة لقلت إن جارتي أضافت لها من التفاصيل ما يشبه الحبكات الدرامية في الأفلام والمسلسلات، لكنها الحقيقة التي شاهدت بعضا منها من زاوية تسمح باطلاع يقيني.

إنه القدر حين ينتصر للمحزونين في إظهار ما خفي عنهم، يبدع في تدبيره.

لا مبرر عندي للخيانة، وكل ما يقال للتبرير لا يقنعني، فعقلي يرفضه سلفا، لكنني في الكثير من المشكلات لا أنصح بهدم البيوت ثأرا لكرامة الزوجة، مع اعترافي الكامل بكونها تستحق، لكنه الكيان الأسري الأولى بالصون والحماية، شريطة اعترافه بخيانته، هذا الاعتراف الذي يعطي مصداقية للحياة القادمة، يمنح صكا للغفران، ويضفي إحساسا بكونها غلطة كبرى يتطهر منها بالصدق في ما هو آت.

21