تبشير وتكفير: تعايش سلمي ملغوم في جنوب مصر

المنيا مركز البعثات التبشيرية ومنشأ قادة الجماعة الإسلامية، ومسلمون وأقباط يجمعهم المكان وتفرقهم الأعراف والخطب المتشددة.
الجمعة 2019/02/08
مسلمون وأقباط يجمعهم المكان وتفرقهم الأعراف والخطب المتشددة

تمثل محافظة المنيا في جنوب مصر ظاهرة جديرة بالاهتمام والوقوف عندها لكل من يبحث في أسباب التشدد والتطرف، في مصر، وربما في مجتمعات فيها مناطق شبيهة بهذه المدينة المصرية، التي يحاصرها تشدد متعدد الأبعاد: قبلي ومجتمعي وديني: مسيحي وإسلامي. يلتقي هذا المثلث مع أزمات أخرى مثل انتشار البطالة والأمية والفقر وغياب الاهتمام الحكومي، ليقدم تركيبة خاصة يعد تحليلها بعمق أولى خطوات محاربة التطرف وديباجة الخطاب الديني المتجدد.

المنيا (جنوب مصر) – يتلاحم المسلمون والمسيحيون في كل المحافظات المصرية المختلفة، وقلّما تقع حوادث احتقان طائفي أو تثار قضايا لها علاقة بالديانة، إلا في محافظة المنيا الواقعة جنوب مصر. في هذه المحافظة أصبح الشجار والخلاف الإسلامي المسيحي عادة، بين مجموعات صغيرة أو عائلات وربما سكان قرى بأكملها.

ومؤخرا، قضت محكمة الجنايات بالمنيا بإحالة أوراق أمين شرطة متهم بقتل مسيحي ونجله أمام كنيسة بمدينة المنيا إلى المفتي لأخذ رأيه الشرعي في إعدامه. ومع كل حادثة طائفية تقع في المنيا تثار تساؤلات مبهمة، يعجز أكثر المراقبين والمحللين وخبراء الأمن عن الإجابة عليها: لماذا المنيا تحديدا؟

يرتبط السؤال دائما بتكرار وقائع الاحتقان في قرى ومناطق بعينها، ولأسباب تبدو متقاربة إلى حد بعيد. هناك تجد أكثر المبررات بلا قيمة، تبدأ المعارك على شيء بسيط، ثم تشتعل الأوضاع في لحظات وقد تستمر أياما ويأخذ الجميع هدنة مؤقتة.

ويصعب، بل يستحيل توصيف المشهد، والبحث عن مبرراته وحلوله، دون النزول إلى أرض التطرف في المنيا، والتحدث مع السكان، لفك طلاسم هذه العلاقة المعقدة للغاية بين المسلمين والأقباط، خاصة في القرى والنجوع الواقعة على أطراف المدن، والتي ربما مرت عليها سنوات دون أن يقوم مسؤول حكومي أو رجل دين معتدل أو كاميرا تلفزيونية بزيارتها للاقتراب من مشكلاتها الحقيقية.

يمكن بسهولة اكتشاف أسباب التطرف والاحتقان الطائفي بمجرد الوصول إلى القرى الصغيرة، لأن الزائر يصطدم مبكرا بحالة العزلة التي يعيش فيها المسلمون والأقباط، فهم لا يتجاورون إلى حد التلاحم والانخراط مثل سكان باقي المحافظات، لأن لكل منهم منطقة أو بمعنى أدق قرية قد لا يدخلها أصحاب الديانات الأخرى.

عندما تمطر السماء يجوب الأطفال دروب قراهم وهم يرددون "مطريها حجارة حجارة على بيوت النصارى" و"مطريها فل وياسمين على بيوت المسلمين"، وكأن هناك خطة لتشكيل وعي الناس منذ الصغر، حتى وإن كان بأغنية

ويلمح الزائر للمحافظة عند الانتقال بين قراها البسيطة أن واجهاتها تنضح بالتحدي، فالتنافس على إظهار الهوية تعلن عنه لوحات كبيرة تعلق على جدران البيوت الريفية الفقيرة المبنية بالطوب اللين، منها ما يحمل آيات قرآنية وأُخرى تتصدرها رسومات صلبان متعددة الأحجام.

لا يقتصر الأمر على الشكل الخارجي، فالتحدي قد يظهر عندما تمطر السماء ويجوب الصغار دروبها الضيقة، ويرددون بعفوية “مطريها حجارة حجارة على بيوت النصارى” و”مطريها فل وياسمين على بيوت المسلمين”، وكأن هناك خطة لتشكيل وعي الناس منذ الصغر، حتى وإن كان بأغنية.

يتقاسم المسلمون والأقباط أسماء بعض القرى، لكن يصعب عليهم تقاسم الحياة المشتركة، كأن يعيش المسيحيون في قرية منشأة منبال، وعلى بعد العشرات من الأمتار يقطن المسلمون في قرية منبال. وتصنّف البعض من قرى محافظة المنيا؛ هذه للمسلمين وتلك للمسيحيين. دير البرشا جنوب المنيا قرية قبطية، تقابلها في الجنوب ذاته قرية برشا للمسلمين.

وليس المقصود إثارة فتنة، لكن كشف جوانب من الصورة التي تبدو أحيانا عصية على الفهم لدى الكثير من المصريين، فما بالنا بمن يعيشون خارجها؟

قرى نائية

أقباط المنيا يفضلون العيش والاستقرار بالقرى والنجوع
أقباط المنيا يفضلون العيش والاستقرار بالقرى والنجوع

يميل أقباط المنيا إلى العيش والاستقرار بالقرى والنجوع، بعكس أكثر المسيحيين في محافظات مصرية أخرى، حيث يفضلون حياة المدينة بحكم التواجد الأمني المكثف ووجود الكنائس بشكل لافت، وارتباطهم بوظائف مدنية أو مشروعات ومهن تحتم عليهم أن تكون منازلهم داخل المدن أو على أطرافها، ونادرا ما يتعرض هؤلاء لمضايقات في الحياة الشخصية أو في الصلوات.

والميزة الأهم في أن يعيش القبطي بالمدينة أنه يتعامل بشكل يومي مع أناس لديهم نسبة معقولة من الوعي والثقافة وحرية العقيدة، أي أنه يتلاحم وينخرط وسط بيئة منفتحة إلى حد بعيد، ويبتعد فيها الناس عن رسم علاقاتهم مع بعضهم البعض وفق الديانة.

ويتفق أكثر السكان على أن شرارة الاحتقان الطائفي تبدأ من القرى، وكل الأحداث تبدو بوادرها متشابهة، فأقباط قرية بعينها يبحثون عن مكان للعبادة، لأنهم يعيشون بعيدا عن الكنيسة الأم في المدينة، فيقومون بتحويل منزل إلى كنيسة صغيرة، وفجأة تنتفض مجموعة من المسلمين المتشددين بذريعة أن المكان غير مخصص للعبادة، ثم يتحول الأمر إلى معركة بين الطرفين يسقط فيها ضحايا ومصابون.

التشدد الإسلامي

عرفت المنيا الإرهاب والطائفية الظاهرة في ثمانينات القرن الماضي، عندما تصاعد إرهاب الجماعة الإسلامية في المنيا (كانت مسقط رأس أكثر قادة الجماعة). ورغم أن الجماعة الإسلامية تفككت، ظلت أفكارها باقية في عقول الكثير من سكان المناطق النائية، وهؤلاء يقطنون القرى والنجوع ويمتهنون الزراعة والحرف البسيطة، أي يجاورون قرى الأقباط.

ووفق التفاصيل التي رصدتها “العرب” خلال زيارة المنيا، فإن الاحتقان الطائفي بسبب مكان صلاة الأقباط يحتل المرتبة الأولى، ويحل الصراع العائلي الممتد والأحداث الهامشية الأخرى مثل العلاقات العاطفية والخلافات التجارية في مرتبة متدنية، ونادرا ما يحدث ذلك، كما أنه من الصعب للغاية أن تقع حوادث طائفية في المدن.

ويغذي ذلك ارتفاع منسوب الجهل والأميّة والفقر وتدني مستوى المعيشة، فضلا عن إصرار المؤسسات الدينية على إنهاء الأزمات الطائفية بشكل تصالحي بعيدا عن محاسبة المخطئين بسلطة القانون، حتى عندما تقوم أجهزة الأمن باعتقال متهمين، يتم الضغط من جانب قيادات أزهرية وكنسية على العائلتين للقبول بالصلح، ويفلت المتورطون في القضية دون عقاب.

التنافس على إظهار الهوية تعلن عنه لوحات كبيرة تعلق على جدران البيوت الريفية الفقيرة المبنية بالطوب اللين، منها ما يحمل آيات قرآنية وأُخرى تتصدرها رسومات صلبان متعددة 

تنتشر الأمية والفقر وغياب الوعي الثقافي والديني في الكثير من المحافظات التي تحتضن مسلمين وأقباطا، لكن تظل المنيا حالة خاصة، فكل هذه العوامل مجرد مسببات، بينما تظل التركيبة الاجتماعية لسكان القرى على قائمة الأسباب التي تكدر صفو المجتمع هناك.

والفرق بين أكثر مناطق المنيا ومحافظات أخرى في صعيد مصر، ارتدت ثوب المدنية والتحضر مثل (الأقصر وأسوان) وبها نسبة كبيرة من الأقباط، أن الدين هو من يحدد علاقة الناس ببعضهم أو يرسم نمط حياتهم وعلاقاتهم بالآخرين، ما صعب مهمة المجتمع في التخلي عن عادات وتقاليد وموروثات حياتية كانت ولا تزال جماعات الإسلام السياسي أكثر المستفيدين منها.

وفي هذا المجتمع، قد تجد البعض لا يدخلون المسجد، لكنهم تربوا على معاداة الأقباط، حيث شرب أجدادهم هذا الفكر من الجماعات المتشددة التي انتشرت في المنيا.

أزمة المجتمع المنياوي، الذي يعيش في مناطق بعيدة عن المدينة، أنه مازال يعيش في كنف الفكر المتشدد بطقوسه التي فرضتها تنظيماته، فهناك مدارس لا تقبل مسيحيين والعكس. وهناك من يعتبر الآخر دخيلا على المنطقة التي يعيش فيها، والأكثر أن تجد معلمين في مدارس حكومية يعتنقون نفس الأفكار.

ويقول ملاك توماس، وهو أحد أبناء قرية بني مزار، لـ”العرب”، “نحن نبدو متحابين في الظاهر، لكن في الحقيقة المسلم والمسيحي كلاهما صندوق أسود للآخر، فهما يجهلان كل شيء عن بعضهما، والحاصل حالة من التعايش السلمي الملغوم”.

المنيا كانت الهدف الأول للبعثات التبشيرية الإنجيلية
المنيا كانت الهدف الأول للبعثات التبشيرية الإنجيلية

ويضيف “المشكلة أن البعض يشجع ظاهرة التفسخ الديمغرافي الذي تشهده قرى المنيا، ظنا منهم أنهم يساهمون في شعور الأقلية القبطية بالأمان فضلا عن ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، لكن الأمر أصبح كارثيا على الجميع“.

أزمة هذا الواقع، وفق كلام مينا بطرس، الباحث القبطي مع “العرب”، أنه صنع عزلة اختيارية مهدت الطريق لما يمكن اعتباره “أحد أنماط الانتقام الجماعي”، حيث لا يمانع أتباع أي ديانة من استهداف آخرين، بسبب قناعة المتشددين من هنا أو هناك بمسؤولية جميع من بالمنطقة عن فعل منسوب لشخص واحد أو أكثر، وضرورة الانتفاض حفاظا على الهيبة والشرف والكرامة والانتصار للدين.

 واللافت أن هناك من يعتبر ذلك أمرا دخيلا على المجتمع المنياوي، فمحمد السكري، وهو باحث سياسي ومؤرخ، من قرية أطسا، المعروفة بالتكتل الإنجيلي، يقول إن الطائفية في محافظته لا تتعدى جيلين، والفقر والمرض والأمية والبطالة كلها من الأسباب التي تمثل مرتعا للفكر المُتشدد لكنها أسباب تقليدية وظاهرية تخفي في باطنها عوامل أخرى.

وروى، في حديثه مع “العرب”، أنه في طفولته سمع من جده أن الأغلبية في القرية كانوا أميين والشخص الوحيد الذي كان يعرف صياغة وفنون كتابة العقود، رجل قبطي، وفي الوقت الذي لم توجد فيه أي مدارس كان جده يذهب في الصغر ليتعلم القراءة والكتابة في دور العبادة المسيحية، كما كانت العلاقة بين العائلة وجارها النجار القبطي مليئة بالود والاحترام والتسامح.

خلاف أرثوذكسي-بروتستانتي

لا تقف أسباب الاحتقان عند التركيبة الديمغرافية، فهناك أزمات بين الطوائف المسيحية ذاتها، فثمة خلافات تجعل الوجود الأرثوذكسي في القرى ذات الأغلبية الإنجيلية غير مرغوب فيه، حيث يعيش الطرفان أجواء المشاحنات ذاتها، مما يجعل من خلافاتهما منفذا سهلا للجماعات المتشددة من المسلمين والمسيحيين.

ويدرك المتابع للملف القبطي أن المنيا كانت الهدف الأول للبعثات التبشيرية الإنجيلية، ما كان سببا لتمركز أعداد كبيرة من الطائفة الإنجيلية والمذاهب التابعة لها بالمحافظة على امتداد قراها، الأمر الذي تسبب مرات عديدة في احتقان (مسيحي-مسيحي) واتهامات متبادلة بين الطرفين بالتبشير والتكفير.

 ويصف رجال الدين (الإكليروس) الأرثوذكس ومنهم الأنبا الراحل بيشوي وغيره من سلفيي الكنيسة وحماة الإيمان وحراس العقيدة، أنفسهم بأنهم أصحاب “الإيمان المستقيم” أما ما عداهم من الكنائس غير التقليدية، مثل الإنجيلية، وأتباعها من وجهة نظرهم فهم “مهرطقون”.

وتطلق القيادات الأرثوذكسية بين الحين والآخر تحذيرات لأتباعهم بعدم الاختلاط بالبروتستانت أو الذهاب لمؤتمراتهم أو فعاليات مهرجانات لهم، لقناعاتهم بأن تعاليم الكنيسة الإنجيلية وأفكارها الانفتاحية تقبل عليها قطاعات شبابية كبيرة، وأن الهدف هو “التبشير الإنجيلي” وجذب أتباع جدد.

وتشهد على هذا الصراع وقائع كثيرة في الخفاء والعلن، أكثرها زخما ما حدث عام 2016 بعد وفاة عروسين بروتستانتيين في ليلة زفافهما خنقا بالغاز، ورفض كاهن الكنيسة الأرثوذكسية الصلاة عليهما لأنهما إنجيليان.

المسلم والمسيحي كلاهما صندوق أسود للآخر
المسلم والمسيحي كلاهما صندوق أسود للآخر

وفِي النصف الأول من يناير الماضي، نشبت أزمة في قرية منشية الزعفرانة واعترض مواطنون مسلمون بالقرية وحاصروا مكانا تعتبره مطرانية المنيا دور عبادة للأرثوذكس، وقتها أصدر مجمع الكنيسة الإنجيلية بالمنيا بيانا يؤكد أنه لا يوجد في القرية منذ 100 عام سوى الكنيسة الإنجيلية، وهم يصلون فيها بحرية تامة ويتمتعون بعلاقات طيبة مع المحافظة وجيرانهم، الأمر الذي اعتبره الأرثوذكس كرها دفينا يكنه الإنجيليون لهم بسبب عدم نجاح مخططهم التبشيري.

ومثلما تحدث بين الأقباط والمسلمين خلافات على بناء دور العبادة المسيحية، يتكرر الخلاف بين طائفتي الأرثوذكس والإنجيليين في المنيا، ويصل الأمر لساحات المحاكم، فهناك قضية يجري النظر فيها أمام القضاء بين الطائفتين بسبب هدم مبنى، قال الإنجيليون إنه كنيسة تابعة لهم، بينما أكد الأنبا مكاريوس أسقف المنيا أنه قاعة مناسبات تخص طائفته الأرثوذكسية.

ما يجعل من المنيا بؤرة للتوتر الديني بشكل متكرر أن المتطرفين هنا وهناك (مسلمين ومسيحيين) تكون لهم الغلبة في الرأي وتوجيه الناس، فمثلا، هناك أئمة مساجد متطرفون يلتف حولهم الناس الأميون، وفي المقابل تجد أسقف المنيا نفسه يحرض الأقباط للقصاص من المعتدين ويرى أن الحكومة متخاذلة عن حمايتهم.

ويرى الكثير من السياسيين أن “هذه الأجواء المشحونة تعكس الإخفاق في تصويب مناخ الكراهية وتقديم معالجات جذرية فكرية ناجحة، لأنها تركت الفكر القديم وأسباب إعادة إنتاجه، وكانت النتيجة نسيجا اجتماعيا مترهلا يتشعب داخله الفكر التكفيري، في غياب حاضنة ثقافية وسياسية ودينية وسطية”.

ويكشف مسؤول أمني سابق عن الملف الطائفي في المنيا، لـ”العرب”، أن التوترات الدينية في المنيا هي نتيجة إخفاق الأنظمة السابقة في التعامل مع الملف برمته واقتصار المعالجات على التدخلات الأمنية فقط، رغم أن جميع أشكال العلاقات في هذه المحافظة يشوبها التوتر، فالأقباط الأرثوذكس يتم اختزالهم في “الأسقف”، والطوائف الإنجيلية لها مصالحها ومشاريعها التي تدافع عنها والجماعات المتشددة ومعهم المؤمنون بهم يعتبرون الأقباط خصوما وأعداء، والكل يدور في حلقة مفرغة. وبالتالي ولا يجد رجل الأمن في محافظة يشوبها التوتر الدائم مثل المنيا، إلا أن يتعامل بطريقة التوازنات وعقلية الخروج بأقل الخسائر، لا بعقلية رجل الدولة الذي يطالب بتفعيل القانون وفرضه بالقوة.

13