تبعات التدخل العسكري الروسي في سوريا

الأربعاء 2015/10/07

كل المعطيات على الساحة السورية، بعد استنجاد النظام هناك بالجيش الروسي لحمايته من داعش وأخواتها، يشير إلى تغيّر المفاهيم المتعلقة بالمواقف السياسية وحتى المبدئية الخاصة بسياسة المحاور، فما كان محل انتقاد من قوى فاعلة بالأمس القريب، تحوّل اليوم إلى عمل مبرّر ومقبول، وبذلك تجد الدول العربية نفسها متفرقة أو مجتمعة أمام واقع جديد له طابع دولي، وهو في ذلك متناقض مع المصالح الوطنية والقومية.

لقد دُوّلت الأزمة السورية ليست فقط على مستوى التدخلات لجهة دعم السلطة أو المعارضة، وإنما بدرجة أكبر حيث تصادم المصالح بين الدول، والحقيقة الماثلة أمامنا اليوم، هي تدخل عسكري مباشر في سوريا من القوى الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا)، ومن بعض دول حلف الناتو (فرنسا وتركيا، وقريبا بريطانيا) ومن دول الجوار (إسرائيل وحزب الله اللبناني)، ومن الدول المتحالفة مع النظام (إيران)، إضافة إلى وجود داعش والمعارضة المسلّحة الإسلامية وغير الإسلامية، وما تحمله من تدخل أممي من خلال العناصر التي جاءت من دول كثيرة.

وكل هذه التدخلات سواء كانت بطلب من النظام الحاكم، أو لدعم المعارضة، أو لمحاربة الإرهاب، تؤكد على أن الحرب في سوريا ستكون طويلة الأمد، ويلوح في الأفق أن الحرب على داعش وإن بدت ضرورة، تمثل مدخلا للبقاء في سوريا من كل الأطراف حتى لو تم القضاء على الجماعات المتطرفة وهو أمر بات في حكم المستحيل، لأن الإرهاب أصبح مرضا مزمنا لم تستطع الدول القوية التخلص منه، فما بالك بالدول الضعيفة.

لنتأمل المشهد في سوريا اليوم، وقد أدّى إلى إفراغ البلاد من أهلها، حيث تقوم الحرب بين أطراف كثيرة، والنظام السوري يعدُّ من خلال الرهان على قواته البرية هو الطرف الأقوى، وهو ما يعتقده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هذا المشهد لا يشي بحل يمثل التزاما أخلاقيا من دول العالم بما في ذلك الأمم المتحدة، إذ من غير المعقول أن تساهم الكثير من دول العالم في قتل الشعب السوري بحجة محاربة رئيسه بشار الأسد أو المطالبة برحيله، أو من خلال محاربة الإرهاب ممثلا في داعش، الأمر الذي يشي باستمرار الأزمة لحسابات دوليّة.

واضح الآن وبعد التدخل العسكري الروسي، أن إبعاد الأسد بالقوة لم يعد مُمْكِناً، وأنه سيكون له دور في المرحلة الانتقالية بما يخدم مصالح حلفائه، بغض النظر عن شرعيته من عدمها، بل إن بقاءه في السلطة لصالح الدول المعارضة لوجوده لأنه يساعدها على أمرين؛ الأول، حصر الجماعات الإرهابية في منطقة محددة هي سوريا، يسهل عليها متابعتها أمنيا، والأمر الثاني، التقليل من فرص الإرهابيين في نقل جرائهم إلى الدول الغربية، والدليل تراجعها إلى الحد الأدنى في الوقت الذي زادت فيه في سوريا والعراق وليبيا بشكل مخيف.

غير أن مسألة رحيل الأسد لم تعد مهمة مقارنة مع تبعات التدخلات الخارجية في سوريا اليوم، خاصة الوجود العسكري الروسي، ذلك لأن مختلف القوى الدولية جاءت لتبقى ويصعب رحيلها، وهذا يعني أن سوريا إذا تمكنت من الانتصار على الإرهاب ستجد نفسها أسيرة للقوى الخارجية، حتى أن بعض الخبراء الإستراتجيين يرى أنها ستكون منطقة للصراع الأميركي الروسي، على غرار ما حدث في ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، لكن التقسيم هنا لن يكون بين معسكريْن، وإنما بين مجموعات كثيرة محمية بقواعد عسكرية روسية في البداية، ثم أميركية في وقت لاحق، ويبدو أن هذا رهان النظام الحكم، وأيضا أمنية الفصائل المعارضة بمختلف انتماءاتها ومشاربها، والدعم الأميركي لما يسمى بالمعارضة المعتدلة يدخل ضمن هذه الرؤية.

من ناحية أخرى، فإن تدويل الأزمة السورية يحول دون إيجاد حل لها ينهي الصراع من أجل الوصول إلى الحكم، وكل الأطروحات بما فيها الروسية التي تروّج لمسألة الحفاظ على الدولة السورية، غير قابلة للتطبيق على الواقع، لأن الحل الدولي لصالح السلم لم ينضج بعد، وقد يكون على السوريين الانتظار خمس سنوات أخرى أو أكثر حتى تضع الحرب أوزارها بعد فشل كل القوى في تحقيق نصر حاسم، وهذا سينتهي بالأطراف المتصارعة إلى مواصلة الحرب من أجل إثبات وجودها، وهنا لابد من نصرة أحد الأطراف على حساب باقي الأطراف، وهو ما تقوم به روسيا من خلال تدخلها العسكري.

لاشك أن قوى كثيرة تأمل في حل سلمي للأزمة السورية، لكن المعطيات الراهنة تشير إلى استمرار الحرب وعلى نطاق واسع، والوجود الروسي أصبح مثله مثل التحالف الدولي لمحاربة داعش جزءا من المشكلة، فهل وجود القوى الكبرى على الأرض السورية قد يؤدي إلى تصادم محتمل بين حلف الناتو والولايات المتحدة، وبين القوات الروسية؟

الإجابة ستكون جاهزة بعد الدعم الدولي المنتظر للمعارضة المعتدلة، ومحاولة توحيدها في جبهة واحدة، وإلى غاية حدوث ذلك تبدو سوريا أبعد عن الحل السياسي، وستكون ضحية لحرب دولية واسعة النطاق، القائمون بها وعليها جاءوا ليبقوا لسنوات وليس لأيام. سوريا تدخل مرحلة جديدة تتمثل في الحماية الدولية للشرعية وللشعب وللوحدة الترابية من أطراف كثيرة. والتدخل العسكري لحماية النظام أو المعارضة من أي طرف كان فيه مهلك سوريا ومقتلها.

كاتب وصحفي جزائري

9