تبعات كارثية لنقص الرضاعة الطبيعية في باكستان

تسجل باكستان أحد أسوأ معدلات النمو للأطفال في العالم جراء تفشي حالات سوء التغذية، وذلك خصوصا بفعل النقص في الرضاعة الطبيعية من جانب الأمهات اللواتي يعمدن الى تقديم غذاء لمواليدهن الجدد يقوم على الشاي أو الأعشاب أو الحليب المجفف.
الاثنين 2016/11/21
نقص معدلات الرضاعة الطبيعية سبب رئيس لسوء التغذية لدى الأطفال

ديرة مراد جمالي (باكستان) - يعاني 44 بالمئة من الأطفال في باكستان تأخرا في النمو بسبب حالات نقص مزمنة في التغذية خلال السنوات الأولى من حياتهم. وتحذر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من خطورة هذا الوضع إذ أن هذه النسبة هي من بين النسب الأعلى في العالم، وذلك مرده خصوصا إلى تراكم عوامل الخطر في باكستان من بينها سوء التغذية ومشكلات النظافة والنقص في التعليم لدى الأمهات.

وتقول ماه باري بأسف “جميع أطفالي نحيلون بعد الولادة ربما لأن حليبي ليس سليما”. وتقيم هذه الأم الحامل بطفلها الثامن في منطقة خصبة في ولاية بلوشستان (جنوب غرب باكستان)، ومع ذلك، لا يكف أصغر أطفالها عن الصراخ بين ذراعيها بسبب الجوع.

وتوضح ماه باري التي بدأ حملها يظهر عليها بخجل تحت ثوبها الأصفر المطرز الفضفاض “بحسب ثقافتنا المحلية في بلوشستان، نغذي أطفالنا بأعشاب ‘باتري’ المطحونة في المياه أو الحليب، صباحا ومساء”. وتضيف “أطعمته أيضا الشاي والسكر وقمت بإرضاعه طبيعيا مرتين يوميا”، أي اقل بكثير من المعدل الموصى به.

وفي مناطق أخرى في البلاد، يتم تقليديا إطعام الأطفال الرضع بالسمن الحيواني أو العسل أو السكر غير المكرر.

وتقول ماه باري “أعمل طوال النهار لذا لا وقت لدي لإرضاعه”، مبدية قناعة بأن المحاليل التقليدية المقدمة في تغذية الأطفال في باكستان أفضل من حليبها الطبيعي.

وبسبب عدم حصوله على كامل كميات حليب الأم الموصى بها وتناوله مياها ملوثة بالجراثيم، لا يتعدى وزن طفلها البالغ سنتين الخمسة كيلوغرامات وفق ما يظهر الميزان البدائي في مركز للتغذية تابع لمنظمة “أطباء بلا حدود” في منطقة منجو شوري، ما يعني أنه يزن نصف الوزن المثالي للأطفال في سنه.

44 بالمئة من الأطفال في باكستان يعانون تأخرا في النمو بسبب حالات نقص مزمنة

وستترك هذه المشكلات الغذائية التي يواجهها الطفل في هذه السن الحساسة، بلا شك أثرا مدى الحياة على غل مير. وتترتب عن هذا الوضع تبعات دائمة وخطيرة أهمها قصر القامة وعدم اكتمال النمو الدماغي وزيادة خطر الإصابة بالأمراض. ولهذه الأزمة أثر بالغ على مستوى البلاد ككل إذ أنها تؤدي إلى تقليص الأداء الفكري والإنتاجية لدى جزء كبير من السكان.

وتحذر رئيسة منظمة يونيسف في باكستان أنجيلا كيرني من أن هذا الوضع يمثل “أزمة وحالة طارئة كبرى”، لافتة إلى أن نقص معدلات الرضاعة الطبيعية يمثل أحد الأسباب الرئيسة لسوء التغذية لدى الأطفال.

فقط 38 بالمئة من الأطفال يعتمدون حصرا في غذائهم على الرضاعة الطبيعية خلال الأشهر الستة الأولى من حياتهم بحسب توصيات الأمم المتحدة، وذلك بسبب التقاليد والمهمات الصعبة الملقاة على عاتق الأمهات والحملات التسويقية التي ترعاها كبرى الشركات المصنعة للحليب المجفف.

وتتولى رضول، شأنها في ذلك شأن جدات باكستانيات كثيرات، رعاية أحفادها خلال انصراف زوجة ابنها للعمل في المنزل أو الحقول.

وتوضح رضول “الطبيب طلب منا تغذية الطفل بحليب صناعي”، في قرار جاءت نتائجه كارثية على حفيدتها عاقلة لأن المياه في زجاجة الإرضاع غالبا ما تكون غير صالحة للشرب فيما يتم الاكتفاء بملعقة واحدة من الحليب المجفف بسبب النقص في الموارد.

وتؤكد رضول أن حفيدتها لا تتناول كميات كافية من الحليب بسبب الوضع المادي المتردي للعائلة الفقيرة التي لا يقتات أفرادها سوى على الخبز، لكن كما يحصل في حالات كثيرة، قرر أفراد العائلة شراء علب من الحليب المجفف بدل تحسين نوعية الغذاء الذي تتناوله الأم المرضعة.

ويوضح امتياز حسين وهو طبيب متعاقد مع السلطات الصحية في بلوشتان أن “الناس هنا يعتقدون أن الحليب الصناعي وحده قادر على سد حاجات أطفالهم”.

ويقول “يوصى بتقديم هذا النوع من الحليب من جانب أطباء يفتقرون في الكثير من الأحيان للمؤهلات المطلوبة ويتقاضون عمولة من المتاجر التي تبيع هذا الحليب”.

وتشير رئيسة “يونيسف” في باكستان من ناحيتها إلى وجود “مشكلة جهل وعمليات تسويق غير شريفة ومكثفة”، منتقدة انتشار إعلانات لعلامات تجارية للحليب المجفف تظهر أطفالا بصحة جيدة على الرغم من أن القوانين المحلية تمنع نظريا الترويج لمنتجات بديلة عن حليب الأم الطبيعي.

وتؤكد مجموعة “نستله” التي تنتج أحد أهم أنواع الحليب المجفف للأطفال، أنها تحترم القانون “بشكل صارم للغاية”. ويكتفي ممثلوها “بإعطاء معلومات علمية” للمتخصصين في مجال الصحة في ما يتعلق بالحليب المخصص للأطفال الرضع.

وبسبب النقص في الإرشاد، تمتنع أمهات كثيرات عن إرضاع أطفالهن عندما يكونون في أمس الحاجة للحليب الطبيعي أي بعيد الولادة أو في حال المرض.

وتؤكد وزارة الصحة المحلية أنها “تعي المشكلة” القائمة في هذا المجال، وحددت هدفا لها بتقليص معدلات التأخر في النمو إلى 40 بالمئة بحلول سنة 2018، غير أن هذا الموضوع غائب عن إستراتيجيتها لأهداف العقد الحالي.

21