تبعية المالكي للنظام الإيراني

الأربعاء 2014/05/07

لابد من الإقرار أولا بأن المالكي قد جاء مُصادفة إلى سُدة الحكم وأن بعض التوازنات الغامضة هي التي أتاحت القبول به دون عناصر أخرى محددة في حزب الدعوة الإسلامية من الذين لا ينحدرون من أبوين عراقيين بالولادة. ومع ذلك فقد شغل هذا البعض مناصب وزارية كان الأحرى بالمالكي أن يسندها إلى عراقيين خُلّص.

ولو تركنا مختلطي النسب جانبا وركّزنا على شخصية المالكي السياسية لوجدناها شخصية لا تصلح لقيادة العراق في الظروف الطبيعية، فكيف سيكون الأمر في الأوقات الاستثنائية التي يحتاج فيها العراق إلى قائد وطني حكيم لا تستطيع الطائفية أو المناطقية أو العصبية الحزبية الهوجاء أن تجد طريقها إلى تلافيف عقله الذي يُفترض أن يكون معبأ بالوطنية وحُب الوطن. فالمالكي من الناحية العملية قد صرّح بعد تسلّمه الولاية الأولى بأنه لا يُحب مهنته كـ”رئيس للوزراء”، ولو أتيح له أن يعمل في مهنة أخرى لاختار التدريس باعتبار أنه كان مُعلما في مدرسة ابتدائية في إحدى قرى طويريج التابعة لمحافظة بابل، لكنه ترك التعليم وغادر إلى إيران في أواخر السبعينات ليلتحق بالعمل المعارض للنظام السابق.

ما يكشف ازدواجية المالكي هو تعلّقه بالسلطة وتشبثه الغريب بها إلى درجة أثارت أصدقاءه واستفزتهم قبل أن تثير خصومه الذين لا يرونه كفؤا لهذا المنصب، لأن العمل في الأحزاب الطائفية المنغلقة والمتحجرة لا يصنع قادة وطنيين يحبون وطنهم ويضحون من أجله، وإنما يخلق “قُوادا” مشوّهين، ومسوخا مقززين يتفننون في إغاظة الناس واستفزازهم، بل وترويعهم كما فعل المالكي في ولايتيه العقيمتين اللتين أذاق فيهما العراقيين العذاب، والدليل أن شيعة العراق قد تضرروا أكثر من سنته وبقية أطيافه القومية والدينية والمذهبية، مستثنين طبعا الحلقة الضيقة التي تحيط به من الأقرباء والأصهار والمؤازرين ووعاظ السلاطين الذين يقفون حائلا بين الحاكم والمحكوم، ويؤلبونه على هذه القومية أو تلك الفئة أو ذاك الحزب المنبثق من قلب العراق وروحه ومعاناته الحقيقية.

لم يكتشف المالكي دكتاتوريته ومنهجه الشمولي في الحكم خلال السنوات الأولى من حكمه المشؤوم، ولا يريد أن يكتشف بعد الأيام الأخيرة من انتهاء ولايته الثانية بأنه حاكم دكتاتوري مستبد. والأنكى من ذلك أنه يستقوي بإيران التي فرضته على العراقيين بالقوة الناعمة والاشتراطات التي تدخل ضمن لعبة الكبار لتزيح بوقاحة نادرة زعيم الكتلة “العراقية” إياد علاوي الذي ملأ الدنيا هو الآخر صراخا وتشكيا، لكن الساسة الكبار صمّوا آذانهم وتركوا المالكي يسرح ويمرح في المنطقة الخضراء مفتتا حتى التحالف الوطني الشيعي، حيث خرج الصدريون “الأحرار”، وتلتهم كتلة “المواطن”، فيما تشظت “العراقية” إلى ثلاث مجموعات صغيرة لا تستطيع أن تقف على أقدامها وسط هذا المدّ الطائفي الذي كرّسه المالكي الذي لم يجد حرجا في أن يغري العديد من أعضاء هذه الكتل بالمناصب والأموال والعقود المليونية التي حولت بعض الحفاة إلى أصحاب ملايين في بضعة أشهر.

ما من أزمة تحدث في العراق إلاّ وشدّ المالكي رحاله إلى إيران وكأنه طفل في السياسة لم يبلغ سن الفطام كي يستعين بالعقليات الإيرانية التي لا تنظر إلا إلى مصالحها القومية والطائفية، عسى أن يجد في فتات تأملاتهم السياسية الفائضة عن الحاجة حلا للأزمات العراقية التي تفنن في استيلادها حتى بدت سنوات ولايتيه المشؤومتين وكأنها سلسلة من الأزمات المتواصلة التي لا تنتهي عند حد معين.

يستغرب بعض المحللين سبب تبعية المالكي العمياء لإيران، علما بأن حزبه الذي انشقّ إلى ثلاثة أقسام وتوزع في خاتمة المطاف بين طهران ودمشق ولندن، لا يؤمن بنظرية ولاية الفقيه، ولا يفضّل مثل هذه التبعية التي لا يحبذّها غالبية العراقيين، فلماذا يندفع المالكي بكل هذا الحماس صوب الأحضان الإيرانية التي لا ترى فيه أكثر من تابع تستقبله متى أرادت، وترفض استقباله حينما تنزعج من حضوره الثقيل، وربما تتعجب في سرّها وتفتش طويلا في أسباب هذه الخنوع الذي يصل إلى تجريد نفسه من ربطة العنق التي يرتديها كي لا يثير حفيظة المرشد الإيراني.

يتشبث المالكي الآن بالسلطة، ومعه أسماء أخرى كثيرة نهبت من المال العام وارتكبت عديد الجرائم بحق الشعب العراقي، غير أن هذا التشبث لن يفضي إلى ولاية ثالثة حتى لو نطح برأسه العنيد أقرب جدار صلب، لأن لعبة “الكتلة الأكبر” التي أبعدَ فيها إياد علاوي، الفائز بانتخابات 2010، ستجد طريقها إلى التنفيذ خارج إطار “التحالف الشيعي” الذي استغله المالكي شخصيا للبقاء على كرسي السلطة، لكن تحالف اليوم سيأخذ طابعا وطنيا يضم كتلا عديدة شيعية وسنية وكردية، وهو مفتوح أمام كل المكونات العراقية النبيلة التي قررت إزاحة الدكتاتور الصغير قبل أن يستفحل ويصبح مرضا عضالا يصعب استئصاله، والزيارات العلنية والسرية إلى طهران لن تنفعه هذه المرة، فإيران لها مشاكلها الكبيرة التي تبدأ بالمفاعلات النووية وتنتهي بالحصار المفروض على الإيرانيين البسطاء، ولا وقت للمرشدين الإسلاميين في طهران أن يسدوا بنصائحهم إلى شخص لا يعرف من اللعبة السياسية حتى أبجديتها، فكيف يتسنى له أن يعيد ترميم الأيقونة الفسيفسائية الثمينة التي حطّمها بنفسه ونفى كل مرمميها إلى أصقاع بعيدة لا يمكن لها أن تلتقي مع المالكي الذي لا يحب مهنته، ولا يحب شعبه، ولا يريد للعراق الجريح أن يقف على قدميه متناسيا أن شعب الرافدين يمهل ولا يهمل، وأن حسابَ الطائفيين سيكون عسيرا.


كاتب عراقي

9