تبون يرهن تحسين العلاقات مع باريس بملف الذاكرة

الرئيس الجزائري يؤكد أن "جودة العلاقات مع فرنسا لن تتأتى دون معالجة ملفات الذاكرة التي لا يمكن التنازل عنها مهما كانت المسوغات".
الأحد 2021/05/09
تبون يسعى إلى تجاوز كل العقبات نحو مستقبل أفضل لبلاده

الجزائر – وضع الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون معالجة ملف التاريخ والذاكرة المشتركة مع فرنسا، في خانة الشرط الأساسي لنوعية العلاقات التي يطمح إليها الطرفان، وهو تحول لافت في خطاب تبون، الذي يظهر لأول مرة منذ انتخابه رئيسا للجزائر أقل حدّة تجاه الفرنسيين، مما يكرس مستوى العلاقات الثنائية الذي نزل إلى سقف الأزمة غير المعلنة.

ويبدو أن الرئيس تبون كان أكثر ليونة تجاه الفرنسيين في ذكرى اليوم الوطني للذاكرة، الذي تقيمه الجزائر أول مرة إحياء لذكرى المجازر الفرنسية في حق الجزائريين العزل العام 1945 في عدد من المدن الجزائرية، والتي سقط فيها آنذاك 45 ألف ضحية بحسب روايات جزائرية.

وكان الناطق الرسمي للحكومة عمار بلحيمر أكثر وضوحا وقوة في ما يتصل بعلاقات بلاده بفرنسا، لما اشترط في تصريح له “الاعتراف والاعتذار” عن الحقبة الاستعمارية مقابل علاقات سوية ومتطورة بين البلدين، وهو ما اعتبر الذكرى المذكورة امتحانا حقيقيا للعلاقات المأزومة بين الطرفين خلال الأشهر الأخيرة.

وأكد الرئيس تبون في الرسالة التي تلاها بالنيابة عنه الأمين العام لوزارة المجاهدين (قدماء المحاربين) العيد ربيقة، أن “جودة العلاقات مع فرنسا لن تتأتى دون معالجة ملفات الذاكرة التي لا يمكن التنازل عنها مهما كانت المسوغات”.

وأضاف “ملفات الذاكرة مع الطرف الفرنسي لا يمكن بأي حال التنازل عنها مهما كانت المسوغات، ولا زالت ورشاتها مفتوحة، على رأسها مواصلة استرجاع جماجم الشهداء، ملف المفقودين، استرجاع الأرشيف، وتعويض ضحايا التفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية، والنظر إلى المستقبل باعتباره الحلقة الأهم في العلاقات بين الأمم، إلا أن أساسه ينبغي أن يكون صلبا خاليا من الشوائب”.

وعبر تبون عن استعداد وتصميم بلاده، لتجاوز كل العقبات نحو مستقبل أفضل وتعزيز شراكة استثنائية لترتقي العلاقات بين البلدين إلى المستوى الاستراتيجي، إذا ما تهيأت الظروف الملائمة لذلك ومعالجة ملفات الذاكرة بجدية وتنقيتها من الرواسب الاستعمارية.

منذ اعتلائه لقصر المرادية في انتخابات الرئاسة التي انتظمت في 12 ديسمبر 2019، أبدى تبون انسجاما وتناغما مع نظيره الفرنسي، وتبادلا مختلف عبارات التعاون والثناء لشخصيهما

وهو ما يلمح إلى عدم اقتناع الجزائر بالخطوات التي قام بها الفرنسيون خلال الأشهر الماضية في هذا السياق، بعد الكشف عن محتوى تقرير المؤرخ والمستشار بنجامين ستورا، حول ما أسماه بـ”تسوية ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا”.

ويرى متابعون لملف العلاقات الفرنسية الجزائرية، أن قيادتي البلدين عادة ما اتخذت من المحطات التاريخية المشتركة مطية لتصفية الحسابات بين الطرفين، وأن عدم الانسجام الظاهر على الجزائر وباريس، بعد تأجيل زيارة رئيس الحكومة الفرنسية للجزائر جان كاستكس، طبيعي جدا أن تظهر تداعياتها في شكل سجالات وتصريحات واستعراض أوراق.

وذهب رئيس جمعية الذاكرة محمد القورصو إلى أن “الذاكرة التاريخية لا يمكن حصرها في أحداث ومجازر الثامن من مايو 1945، وإنما تمتد إلى كل المجازر المعادية للإنسانية المرتكبة في مختلف ربوع الجزائر وفي شتى المحطات، ولذلك فإن أي تسوية يتوجب أن تراعي التاريخ بشكل دقيق”.

ومنذ اعتلائه لقصر المرادية في انتخابات الرئاسة التي انتظمت في 12 ديسمبر 2019، أبدى تبون انسجاما وتناغما مع نظيره الفرنسي، وتبادلا مختلف عبارات التعاون والثناء لشخصيهما، بل بحثا الأعذار لبعضيهما في مواجهة المقاومة الداخلية تجاه المسائل التاريخية.

ووصف إيمانويل ماكرون، نظيره الجزائري بـ”الرجل الشجاع” و”الصديق”، الذي سيقف إلى جانبه إلى غاية استكمال المرحلة الانتقالية التي تعيشها الجزائر، بينما ظهر تبون يبحث عن الأعذار لماكرون، عن عدم تسريعه لوتيرة تسوية ملف الذاكرة، ووصفه بـ”الشاب النزيه والطموح والباحث عن مستقبل بلاده مع الجزائر، وأن دوائر داخلية هي من تقاوم وتعيق مشروعه”.

وجاء تصريح تبون ليكرس حجم الأزمة الدبلوماسية التي تخيم على العلاقات الجزائرية الفرنسية، وخضوعها الكلي لتداعيات ملف التاريخ والذاكرة، ولو أن المعايير تبقى مختلفة بين مراكز السلطة في الجزائر، وتبدو تصريحاته أقل حدة وأكثر حميمية، مما يصدر على سبيل المثال من طرف بلحيمر، الذي ظهر أكثر حدة وعدائية تجاه الفرنسيين في ما يتعلق بملف التاريخ.

ويبدو أن الإجماع داخل مراكز القرار الجزائري حول الموقف النهائي والرسمي للعلاقة مع الفرنسيين غير قائم لحد الآن، إن لم يكن متفاوتا من مؤسسة إلى أخرى، وأن موقف المؤسسة العسكرية هو الذي يحسم مستقبل تلك العلاقات في ظل الثقل الذي تتميز به مقارنة بباقي المؤسسات وتأثيرها في صناعة القرار الجزائري منذ تنحي الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، بعد ضغط احتجاجات الحراك الشعبي في ابريل2019.

2