تتبغدد علينا

اليوم لم يعد يحقّ لبغداد أن تتبغدد، بعد أن تمت الاستعاضة عن مقومات الفخر بتوفر شروط التراجع، فتأسلمت الرؤوس والعقول والشوارع والملابس، وربما أن تأسلمها ناتج عن أيرنة أو أمركة.
الثلاثاء 2018/09/11
بغداد تتأسلم بسبب الأرينة والأمركة

كنتُ مولعا بالصيغ الصرفية والخرائط. الصيغ الصرفية لاقتفاء أصول الكلمات، والخرائط لمعاينة وقع الأحداث على الأمكنة. في سنوات دراستي الثانوية شاعت كثيرا كلمة “البلقنة”، إشارة إلى مشاريع التجزئة القائمة على استغلال القوميات الصغيرة التي تؤدي إلى نشوء دول جديدة على حساب منطقة كانت موحدة في الماضي. فعدتُ أبحث عن صيغتها الصرفية، التي قيل لي وقتها إنها “فعلنة”. بدا لي في الاشتقاق ضرب من الاصطناع.

تذكرتُ أن تونس بعد الاستقلال مباشرة دشنت مسارا من التونسة، وكان يقصد بها أن الإدارة التونسية مثلا أصبحت تونسية، ولم تعد تابعة للاستعمار الفرنسي، وإن حافظت على اللغة والقوانين والتشريعات، ولا يهم في ذلك إن تردت.

كنت أذهب بتلك الصيغ الصرفية إلى الخرائط باحثا عن أثرها أو صداها، البلقنة سادت شرق أوروبا، ثم جاءت “الأفغنة” التي طالت الرؤوس والملابس والذهنيات، وغادرت آسيا الوسطى إلى شتى أرجاء العالم العربي الإسلامي، بفعل صراخ الدعاة ودروس الكاسيت وجهد المخابرات، فاحتاج الأمر أيضا إلى الخرائط لاستجلاء الاشتقاق والصيغ الصرفية وشتى أشكال التردي.

في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كان أهلنا في المشرق العربي، في الجزيرة العربية ومصر والشام مثلا، يضربون مثلا عن الزهو والاعتداد، ويقول إن “فلانا يتبغدد علينا”.

وفعل تبغدد مذكور في معاجم اللغة العربية، ويعني الانتساب لبغداد أو الزهو والفخر، وكان المثل، وقتذاك، يشير إلى واقع أن بغداد كان يضرب بها المثل في العلم والثقافة والثراء وجمال الشوارع والساحات. والمثل المذكور هاجر بما يضمره من معان إلى أغنية كاظم الساهر “تتبغدد علينا”.

اليوم لم يعد يحقّ لبغداد أن تتبغدد، بعد أن تمت الاستعاضة عن مقومات الفخر بتوفر شروط التراجع، فتأسلمت الرؤوس والعقول والشوارع والملابس، وربما أن تأسلمها ناتج عن أيرنة أو أمركة، وكلها في الاشتقاقات الصرفية اللعينة: “فعلنة” بكل ما تخفيه من اصطناع أو فرض واقع حال.

لم يتوقف الأمر على بغداد والبلقان وأفغانستان، بل ربما يمتدّ لاحقا إلى أن يتحول لبنان إلى مثال للتردي يسمى مجازا لبننة، أو ليبيا أو إلى غيرها من الخرائط الجاهزة لتقبل تلك الصيغة الصرفية.

مازلتُ مغرما بالصيغ الصرفية وتتبع الخرائط، ولكن التوجس يكون دائما من تلك الصيغ المركبة المفتعلة، التي تعبث بالفعل المجرد وتزيد له حروفا أو وقائع تبعثر الأثر والخرائط. لن يتوقف الأمر عند البلقنة والأفغنة، بل أصبحنا ننتج صيغنا الصرفية السيئة ثم نتحسر على أثرها على واقعنا والخرائط. لم تعد بغداد تتبغدد، وأصبحت التونسة تعني الحال الهجين بين العربية والفرنسية، وتعني “خبط عشواء” في السياسة والإدارة والاقتصاد.

24