تتر المسلسل بوابة لنجاح العمل الفني أو فشله

الشارة الغنائية للأعمال الدرامية العربية ما بين الإضافة الفنية والإسقاط العشوائي.
الاثنين 2021/04/05
ناصيف زيتون غنى «مجبور» و«أزمة ثقة» لمسلسل «الهيبة»

يعتبر عنوان الكتاب أو غلافه محددا لفكرة القارئ الأولية عنه، وينطبق الأمر مع المولعين بالدراما العربية إذ أنهم ينتظرون قبل انطلاق كل موسم رمضاني تترات المسلسلات التي يعتزمون مُتابعتها، علّها تمنحهم لمحة عن أحداث العمل. فتأتي تلك التترات موفقة حينا وعاكسة لأجواء المسلسل ومحتواه، وأحيانا أخرى تكون دون معنى أو هدف.

يعدّ تتر المسلسل سواء كان مقطوعة موسيقية، أو أغنية بوابة نجاح العمل الدرامي من عدمه، وهو الذي يفترض أن يعكس محتوى العمل ويمهّد الطريق لطاقمه من أجل تحقيق متابعة قياسية لمنجزهم الفني لدى جماهيرهم المتعطّشة لكل ما هو جديد ومختلف، فيتنافس القائمون على الدراما العربية في ما بينهم لاختيار الأفضل على مستوى الكلمات والألحان وخاصة المُطربين والمطربات.

والمطربون هنا هم حجر الزاوية في هذا الباب، على اعتبار أن الذائقة العربية لم تستسغ بعد، تترات المقدّمات الموسيقية التي يصطلح عليها بـ”الصامتة” وما هي بصامتة قطعا، فهي معبّرة بقياس اللحن والنوت التي يمكن أن يُبدعها موسيقار استثنائي كما هو الحال مع الملحن المصري الراحل عمار الشريعي الذي قدّم واحدا من أروع مقدّمات المسلسلات الملحمية، والمتمثلة في مسلسل “رأفت الهجان” الذي طبعت موسيقاه وجدان أجيال من المصريين والعرب.

ولأننا شعوب “قواّلة” بالأساس، تنتصر للكلمة أولا وأخيرا، على خلفية أن “الشعر هو لسان العرب”، فإن الموسيقى التصويرية لـ”رأفت الهجان” ظلت استثناء في المدوّنة الموسيقية العربية، لتنجح أعمال أخرى كانت منطلقاتها الكلمة المعبّرة واللحن الشجي والصوت الطروب.

ألحان فارقة

شارة مسلسل "أمر واقع" لم تعكس محتوى العمل
شارة مسلسل "أمر واقع" لم تعكس محتوى العمل

الكل، خاصة من عايشوا ذروة نجاح الدراما المصرية في ثمانينات القرن الماضي، يذكر في هذا الخصوص كلمات تتر البداية لمسلسل “ليالي الحلمية” التي أدّاها الفنان المصري محمد الحلو عن كلمات لسيد حجاب وألحان لميشيل المصري، والتي يقول مطلعها “منين بيجي (يأتي) الشجن.. من اختلاف الزمن.. ومنين بيجي الهوى.. من ائتلاف الهوى”.

كلمات عكست محتوى المسلسل الذي كتبه السيناريست الراحل أسامة أنور عكاشة في خمسة أجزاء وأخرجه الراحل إسماعيل عبدالحافظ، قبل أن يُغامر المؤلفان أيمن بهجت قمر وعمرو ياسين والمخرج مجدي أبوعميرة بإنجاز جزء سادس منه بعد أكثر من عقدين عن عرض الجزء الخامس من المسلسل في العام 1992، ليمرّ العمل دون أن يترك أي أثر.

وبعيدا عن فشل المسلسل بعد رحيل مؤلفه ومخرجه الأصليين، فإن كلمات تتر “ليالي الحلمية” بأجزائه الخمسة قدّمت بشكل مقتضب وسلس معالم قصته التي تناولت تاريخ مصر السياسي والاجتماعي والاقتصادي منذ أوائل الأربعينات وحتى العام 1992، وحجم الصراعات الحاصلة بين الباشوات والطبقة الكادحة، فيكفي أن نستحضر هنا جملة من كلمات التتر التي تقول “لفين ياخدنا الأنين.. لليالي ما ألهاش (ليس لها) عينين.. ولفين ياخدنا الحنين.. لواحة الحيرانين”، لنفهم مدى التصاق كلمات شارة البداية والنهاية بمحتوى العمل الذي عبّر عن تطلعات مجتمع بأكمله في ثلاث مراحل سياسية مختلفة، انطلاقا من فترة حكم فاروق الأول، مرورا بثورة 23 يوليو 1952 ووصولا إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي بمصر.

علي الحجار يعدّ واحدا من أشهر مطربي تترات المسلسلات المصرية برصيد جاوز العشرين أغنية

والأمر ذاته عكسته كلمات أغنية المسلسل المصري “بوابة الحلواني” بأجزائه الأربعة (من 1992 إلى 2001) والذي وضع له الكلمات الشاعر سيد حجاب ولحّنها الموسيقار بليغ حمدي وقام بأدائها علي الحجار، الذي يعدّ واحدا من أشهر مطربي تترات المسلسلات المصرية على الإطلاق، وهو الذي قدّم على امتداد ثلاثة عقود أكثر من عشرين مقدّمة غنائية، قبل أن يقرّر اعتزال غناء تترات المسلسلات نهائيا في العام 2012 بعد انحسار سوقه مع صعود أسماء جديدة من المطربين والمطربات الذين اختصّوا في غناء شارات المسلسلات، على غرار الإماراتي حسين الجسمي واللبناني مروان خوري ومواطنته إليسا والمصرية شيرين عبدالوهاب وبعض فناني المهرجانات الشعبية بمصر.

وتقول كلمات “بوابة الحلواني” في مطلع منها “اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني.. وعشان كده (لأجل ذلك) مصر يا أولاد حلوة الحلوات.. وادي وبوادي وبحور وجسور ومواني.. توحيد وفكر وصلاة تراتيل غنا وابتهالات”، وهي تلخيص شامل لأحداثه، وكتب السيناريو محفوظ عبدالرحمن وأخرجه إبراهيم الصحن، في سرد لمرحلة حكم الخديوي إسماعيل لمصر، من خلال مسار أسرة الحلواني بقرية الفارما، التي تم تغيير اسمها إلى مدينة بور سعيد بعد حفر قناة السويس.

ويسلّط المسلسل الضوء على نواح من الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لتلك الحقبة الزمنية، حيث ينقل العمل صورة شبيهة بالواقع ليوميات المجتمع المصري في أواسط القرن التاسع عشر، بما في ذلك تداخل الطموحات السياسية والاقتصادية للأفراد، وكذلك الصراعات القائمة من أجل إقصاء الآخر والاستفراد بالهيبة والسلطة مع التركيز على مراحل حفر قناة السويس إلى حين افتتاحها في العام 1869، وما بعدها.

أغنيتان لعمل واحد

“الاختيار 2” يأتي في رمضان بصوت محمد منير
“الاختيار 2” يأتي في رمضان بصوت محمد منير

أما في الدراما السورية اللبنانية المشتركة، فيظل تتر مسلسل “الهيبة” بجزأيه الأولين الذي جاء تحت عنوان “مجبور” من كلمات علي المولى وألحان فضل سليمان وغناء الفنان السوري ناصيف زيتون، واحدا من أفضل الشارات الغنائية التي عبّرت عن قصة العمل وتناقضاته بين الحب والغدر، القوة والخنوع، الكرامة والذل، القسوة والغفران والذي يقول مطلعها “لما تبقى القسوة نوع من الكرامة.. مجبور أقسى، سامحيني ع القسوة سلف (مسبقا).. مجبور هلق (حاليا) أوقف مع جروحي طرف (قليلا)”.

ومع تطوّر الأحداث في جزأيه الثالث والرابع غنى زيتون من كلمات وألحان المولى وسليمان أيضا “أزمة ثقة” التي عبّرت كلماتها عن مرحلة الشك التي بات يعيشها جبل (تيم حسن) بعد كل ما عرفه من مؤامرات ودسائس ممّن يودّون الإطاحة به من ذوي القربى قبل أعدائه، وهي التي تقول “ما في حدا قادر يقشع (يغيّر) المشاعر قبل ما يامن (يؤمن) ويحب.. حتى الوفا رح يطلع بالآخر خاين لأن عميا (لا تبصر) عيون القلب”.

"الرحلة" قدّم مخرجه حسام علي، من خلاله، تجربة فريدة من نوعها في الدراما العربية بعرضه دون شارة بداية

كلمات وألحان وأداء لم تقف عند حدود التعبير عن فكرة العمل ومحتواه، بل باتت مطلبا جماهيريا “مجبور” على تأديتهما زيتون في كل حفلاته الفنية الكبرى بالوطن العربي.

وهو ما انسحب أيضا على تتر المسلسل التونسي “صيد الريم” الذي أدّاه الفنان صابر الرباعي عن كلمات لحاتم القيزاني وألحان لربيع الزموري، حيث يصرخ الرباعي في مطلع من الأغنية التي مثّلت الحدث في رمضان 2008، صادحا بكثير من الشجن “يا صياد.. يا ظالم ما تنساش (لا تنسى).. صيد الريم محال يمشي بلاش (يمرّ دون عقاب).. دور يا زمان مهما كان الحق يبان (يظهر) آه يا بن آدم.. ياللي ظالم.. كانك فاهم (إن كنت تفهم)”.

وهي صرخة معبّرة عن محتوى المسلسل الذي وضعت له السيناريو رفيقة بوجدي وأخرجه علي منصور، ليطرح عبر حلقاته العشرين قضية التحرش الجنسي الذي تتعرّض له بعض العاملات في مصانع الملابس الجاهزة بتونس ما قبل ثورة 14 يناير 2011.

ورغم مرور أكثر من عقد على إنتاج المسلسل ومن ثمة أغنيته، إلاّ أن الرباعي ورغم رصيده الغنائي المديد والمتنوّع بين المصري واللبناني والتونسي، لا يتوانى عن غنائها في كل حفلاته الكبرى بقرطاج والحمامات وغيرهما بطلب متكرّر من الجمهور، ما يؤكّد رسوخ الأغنية في الذاكرة الجماعية للتونسيين.

محاولات فاشلة

شارات مسلسلات رمضان 2021 تبشّر بعودة أسماء كبرى لغناء التترات منها المصري محمد منير في "الاختيار 2" واللبنانية نانسي عجرم في "راحوا"
شارات مسلسلات رمضان 2021 تبشّر بعودة أسماء كبرى لغناء التترات منها المصري محمد منير في "الاختيار 2" واللبنانية نانسي عجرم في "راحوا"

في حين نجحت هذه التترات، وقلة غيرها، في الولوج إلى قلوب المشاهدين بما عبّرت عنه من هموم وتطلعات أوطان أو أفراد في حقبة زمنية محدّدة، فشلت شارات أخرى في تحقيق النجاح لها أو للمسلسل على السواء، أو لنقل بعبارة أدق، أخفقت في إصابتها الهدف، فأتت الشارة في مكان و”الورق” في مكان آخر، ومثالنا على ذلك تتر المسلسل المصري “أمر واقع” الذي عرض في رمضان 2018 عن سيناريو لمحمد رفعت وإخراج لمحمد سلامة.

فشارة المسلسل التي أدّتها المطربة المصرية ياسمين علي عن كلمات لتامر حسين وألحان عمرو مصطفى، لم تكن موفقة وهي التي يقول مطلعها “اتفاءلوا بالخير هتلاقوه (تجدوه).. والعمر لو يجري الحقوه (اركضوا ورائه).. وسدوا (أوصدوا) باب مفيهوش (دون) أمل.. مش أي حد تصدقوه (لا تصدقوا أيا كان)”، ما يدعو إلى حد ما إلى التفاؤل والإيجابية بألحان رومانسية، والحال أن قصة العمل تدور في أجواء بوليسية بمناخات يسودها الأكشن والإثارة والغموض.

ومن هناك سقطت كلمات الأغنية وألحانها في العشوائية والافتعال، وكأن ملحن وكاتب شارة المسلسل لم يطّلعا، أصلا، على السيناريو قبل الاشتغال على الأغنية، فأتت الشارة بعيدة كل البعد عن فكرة العمل الذي يخوض وفق وجهة نظر سياسية في نظرية المؤامرة وتأثير وسائل التواصل والإعلام على مصير الدول.

وهذا الإسقاط الموسيقي حصل أيضا مع تتر مسلسل “الطايع” الذي عرض أيضا في رمضان 2018، وأدّاه الفنان المصري وائل الفشني، حيث لم تأت الكلمات معبّرة عن بيئة المسلسل الصعيدية، بل جاءت أقرب إلى الأشعار الصوفية المكتوبة بالفصحى، والذي يقول مطلعه “خسارة الحر لو داسه الزمان ورماه.. ممّا جرا له يروح عند الخسيس ورماه”.

الراحل عمار الشريعي مثّل الاستثناء بنجاحه في تقديم شارة بداية ونهاية مسلسل "رأفت الهجان" دون الحاجة إلى مطرب

ويؤكّد الناقد الفني المصري محمد حمدي هاشم أن عدم موافقة الكلمات لأجواء العمل تعمّقت أكثر بمحاولته استغلال نجاح تتر مسلسل “واحة الغروب” (إنتاج 2017)، والذي استخدمت فيه الأشعار الصوفية بغناء الفشني ذاته، الأمر الذي جعل تتر “الطايع” رغم جمال لحنه الذي وضعه طارق الناصر، منفّرا للمُتابعين بتكراره لنفس الروح، تقريبا.

وفي العام ذاته أي 2018، قام المخرج حسام علي باختيار فريد من نوعه، وهو إلغاء التتر تماما في مسلسل “الرحلة” للمؤلف نور شيشكلي وسيناريو ثنائي لكل من عمر الدالي وأحمد والي، وهي خطوة على جدّتها وطرافتها بدت غير مستساغة من جمهور الدراما العربية الذي تعوّد القوالب الجاهزة، فمتى أتت الفكرة من خارج صندوق المُعتاد والمُتّفق عليه، إلاّ وكان مصيرها الرفض الذي يصل حد الاستهجان والانتقاد أحيانا.

وهو ما حصل مع العمل وطاقمه، حيث أكّد النقاد أن أغلب المسلسلات العالمية تحتوي على تتر موسيقي خاص بها، ولو أتى في بضع ثوان، وهي كافية للتعبير عن شخصية المسلسل، وابتكار رابط ذهني بين سيرة المسلسل وموسيقى شارته، الأمر الذي افتقده مسلسل “الرحلة” الذي بات موسوما بالمسلسل المبتور الذراع في إشارة إلى تتر البداية المفقود، رغم جرأة الفكرة.

وتبشّر شارات مسلسلات رمضان 2021، خاصة المصرية منها، بمجموعة من التترات المميّزة التي تقف على أدائها أصوات هامة، على غرار مسلسل “الاختيار 2” الذي سيأتي بصوت الفنان الشهير محمد منير، و”ملوك الجدعنة” بصوت الثنائي أحمد سعد وبهاء سلطان، و”المدّاح” بصوت حمادة هلال وهو من بطولته أيضا، والأمر ذاته ينسحب على تتر مسلسل “فارس بلا جواز” الذي سيؤديه ويقوم بدور البطولة فيه مصطفى قمر بعد طول غياب عن الدراما.

أما في الدراما اللبنانية فتقف الفنانة نانسي عجرم على أداء تتر مسلسل “راحوا”، في حين يمنح زياد برجي صوته لشارة بداية مسلسلي “عشرين عشرين” و”نسونجي بالحلال” الذي يقوم ببطولته أيضا.

فأي منها ستظل لسنوات محل ترنيم متواصل بين مدرجات كبرى المسارح العربية الجماهيرية؟ وأي منها ستكون حديث وسائل التواصل الاجتماعي والتحميلات المكرّرة على يوتيوب؟ وأي منها سيطويها النسيان بمجرد انتهاء حلقات المسلسل؟ لننتظر!

 
17