تجارب شعرية إماراتية معاصرة تطير بأكثر من جناح

رغم اتهام الحركة النقدية في العالم العربي بتأخرها عن مواكبة المشهد الإبداعي وتطوره، فإن ذلك لا ينفي وجود أسماء نقديّة رصينة، تقف على كل ما هو جديد ومبتكر، وإن كانتْ قليلة، مقارنة بما يصدر من نتاج إبداعي كبير. وقد اهتم العديد من النقاد بتجارب شعرية عربية استطاعت أن تفتك لها مكانا تحت الشمس، ومثلت بحق أنموذجا بالإمكان السير على نهجه فكانت محلّ دراسة ومتابعة ونقد وتحليل.
السبت 2016/09/17
البحث عن مفتاح صندوق القصائد (لوحة للفنان محمد حجي)

في كتابهِ النقدي الجديد “طائر بأكثر من جناح”، يتناول الناقد السوري مفيد نجم أربع تجارب شِعريّة معاصرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، تُمثّل المشهد الشِعري بأجياله وتجاربه المختلفة. حيثُ يخصص لكل تجربة على حدة دراسة وافية تقف عند ملامحها وأبرز علاماتها المميزة ودورها في تشكيل القيمة الجماليّة للنصّ الشِعري، إضافة إلى دراسة خامسة يتناول فيها استراتيجية بناء العنوان في الشِعر الإماراتي الحديث، انطلاقاً من أهميّة الدور الذي تلعبه “العنونة” كجسر يعبر عليه القارئ إلى النص، على حدّ تعبير أمبرتو إيكو.

استراتيجية العنونة

يؤكّد المؤلف في الفصل الأول من كتابه الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة (أغسطس 2016)، والمعنون بـ”استراتيجية العنونة في الشِعر الإماراتي المعاصر”، أنّ الشعر العربي المعاصر بشكل عام، والشعر الإماراتي بشكل خاص لم يحظيا بدراسة استراتيجيات بناء العنونة، وذلك “بغية الكشف عن شعريتها ووظائفها النصية والدلالية والإيحائية”، مشيراً إلى أن الاهتمام بدراسة هوامش النص أو عتباته، بدأ مع ظهور نظريات النقد الحديثة منذ نهاية الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي.

ويرى أن الاهتمام بدراسة استراتيجيات العنونة تفرضه العلاقة العضوية والدلالية، التي يقيمها العنوان مع النص، كونه يشكل صلة الاتصال الأولى بين القارئ والكتاب، ومن ثمّ تترتب على تلك العلاقة وظيفة تحفيز القارئ وإغرائه أو العكس.

في الفصل الثاني من الكتاب، الواقع في 192 صفحة من الحجم المتوسط، يقف المؤلف على “تحولات الكتابة الشِعرية في تجربة الشاعر حبيب الصايغ”،

مشيراً إلى أن أهمية التحقيب الزمني لأي تجربة أدبيّة، تتبدى في كونها تحدد المسار الذي اتخذته هذه التجربة في مراحلها المختلفة، وتكشف عن طبيعة التحولات التي شهدتها، وعما عبرت عنه من قدرة على التطور والتجدد، ما يعكس حيوية التجربة ومدى غناها وانفتاح رؤيتها الفنية والفكرية والجمالية على الحياة وتفاعلها معها.

بينما في الفصل الثالث، يبحث المؤلف “دلالات المكان في تجربة نجوم غانم الشِعريّة”، حيثُ يؤكّد “تحوّل المكان في الصورة الاستعارية إلى عنصر محسوس ومشخص، عبر ما تقوم به الصورة الاستعارية، من تشخيص وتجسيد، يعملان على بثّ الحياة والحركة في عناصر الطبيعة”، ليلفت بدايةً إلى حضور المكان الواضح في استراتيجية العنونة لدى غانم، سواء كان العنوان يحمل معنى مكانياً، أو ما يدل عليه.

في الفصل الرابع، يتأمّل المؤلف تجربة خلود المعلا الشِعريّة، بوصفها “ذات مُشرعة على الشِعر”، من خلال أعمالها الأربعة، التي صدرت حتى الآن وهي “هنا ضيعت الزمن”، و”وحدك”، و”هاء الغائب”، و”أمسك طرف الضوء”. مؤكّداً أنها استطاعت أن تلفت الأنظار إليها منذ قصائدها الأولى، نظراً لما تمتلكه تلك القصائد من قيمة جمالية وحدس شعري مبدع ورؤية حديثة، ظلت تتطور من عمل إلى آخر بشكل يعكس مدى التقدم والحيوية التي تمتلكها على مستوى بلاغة الحضور والعلاقة مع الأشياء والعالم والذات.

نجم يتناول بالدرس القيمة الجمالية للنص الشعري

ويرى المؤلف أن لغة نصوص الشاعرة خلود المعلا تتميّز بالبساطة والسلاسة والتكثيف الدال والموحي، رغم أن تلك الميزة تختلف بين نصوص أعمالها المختلفة، في حين تظل تجربتها تدور في حدود عالم الذات والأشياء الحميمة، التي تحيط بتلك الذات وتؤثث فضاءها الإنساني والوجودي المفتوح على الحب والجمال.

الاستعارة الجديدة

في الفصل الخامس والأخير، يبحث المؤلف في “جماليّات الاستعارة الجديدة ودلالاتها في تجربة إبراهيم الملا”، منوهاً إلى اختيارات الملا على صعيد الكتابة الشِعريّة والتي تمثلت في كتابة قصيدة النثر دون غيرها، مؤكداً أن هذا الانتماء لا يقوم على بعد أحادي، يتمثل في قضية الوزن الشعري، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة الرؤية الشِعرية ومقترحاتها الجمالية والفكرية، سواء على مستوى العلاقة مع الذات والعالم، أو على مستوى العلاقة مع اللغة وتمثلاتها لتلك العلاقة وتعبيرها عنها، من خلال مظاهر القول المهيمنة وعلاقاتها التكوينية، وبنية الصورة الشعرية، وما تنطوي عليه من انزياحات في بنيتها الاستعارية، الأمر الذي يجعل من البنية والمنظور والأدوات التعبيرية كلاً واحداً لا يمكن تجزئته.

وعلى مستوى بنية الجملة في قصائد إبراهيم الملا، يشير المؤلف مفيد نجم إلى أن الملاحظة الأساسية تتمثل في كثرة استخدامه للجملة الإسمية أو شبه الجملة، وتراجع استخدام الجملة الفعلية في الجمل الافتتاحية لتلك القصائد.

وينتهي إلى القول بأن “هذه الجمل هي جمل وصفية وإنشائية، وهي تلعب دورها في الإحالة على زمن القصيدة أو المكان أو موضوع القصيدة”.

جدير بالذكر أن المؤلف مفيد نجم، هو ناقد وكاتب صحافي سوري يقيم حالياً في الإمارات العربية، بدأ النشر في الصحافة الثقافية عام 1975، حيثُ عمل مراسلا لأكثر من صحيفة لبنانية.

صدر أول كتاب نقدي له عن الشعر المعاصر عام 2002، والثاني بعنوان “الربيع الأسود” عام 2006 عن تجربة زكريا تامر، بالإضافة إلى أعمال نقدية أخرى. كما صدرت له رواية عن سيرته في سجنه موسومة بـ”أجنحة في زنزانة”، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ودار السويدي للنشر، وقد حائزت جائزة ابن بطوطة لليوميات.

16