تجارب واعدة لإنتاج لقاحات من الجيل الثاني توفر حماية شاملة ضد سلالات كورونا

البروتينات الخفية للفايروس تغيّر قواعد استهداف طفرات الوباء.
الثلاثاء 2021/06/15
خطوة جديدة على طريق فهم اللغز المحيّر

يسعى علماء أميركيون إلى تطوير لقاحات من الجيل الثاني لديها القدرة على توفير استجابات مناعية أفضل ضد السلالات الجديدة من فايروس كورونا، وكذلك للوقاية من الأوبئة المستقبلية.

لندن - يعلق علماء أميركيون الأمل على جيل ثان من لقاحات كورونا التي من شأنها أن تنشّط ذراعا أخرى لجهاز المناعة، حتى يكون قادرا على مواجهة جميع سلالات كورونا المستقبلية.

وما تزال نتائج التجارب في مراحلها الأولى، غير أن الدراسة الجديدة التي أجراها علماء من مختبرات الأمراض المعدية الناشئة في جامعة بوسطن، ترجح أن مستوى المناعة الذي ستمنحه لقاحات الجيل الثاني، ستكون مختلفة على الأرجح مقارنة باللقاحات الأولى ضد كورونا، كما من شأنها أن توفر حصانة أفضل ضد الأوبئة المستقبلية الناتجة عن تحورات الفايروس.

وتبحث الدراسة في الطريقة التي تنشّط بها الخلايا البشرية الجهاز المناعي استجابةً لعدوى السارس – كوف – 2، وأنواع الإنذارات التي يطلقها جسم الإنسان للحصول على مساعدة الخلايا التائية المرسَلة من جهاز المناعة لتدمير الخلايا المصابة. وحتى الآن، تركز لقاحات كوفيد على تنشيط نوع مختلف من الخلايا المناعية، وهي الخلايا البائية، المسؤولة عن تكوين الأجسام المضادة.

ويمكن أن تؤدي لقاحات الجيل الثاني إلى تنشيط الذراع الأخرى لجهاز المناعة وهي الخلايا المعروفة بـ(T cells) التي تتعرف على مسببات الأمراض التي تغزو الجسم أو الخلايا المصابة بها وتقتلها.

البروتينات المخفية

محسن سعيد: يجب على الشركات إعادة تقييم تصاميم لقاحاتها
محسن سعيد: يجب على الشركات إعادة تقييم تصاميم لقاحاتها

يعتقد العلماء أن النتائج التي توصلوا إليها ونُشرت في مجلة “سيل” العلمية، تشير إلى أن اللقاحات الحالية تفتقر إلى بعض الأجزاء المهمة من المادة الفايروسية القادرة على إثارة استجابة مناعية شاملة في جسم الإنسان.

وقال محسن سعيد عالم الفايروسات في المختبر الوطني للأمراض المعدية الناشئة والمؤلف المشارك في البحث “يجب على الشركات إعادة تقييم تصاميم لقاحاتها”.

وأجرى سعيد، وهو أستاذ مساعد في الكيمياء الحيوية في كلية الطب بجامعة بوسطن، تجارب على الخلايا البشرية المصابة بفايروس كورونا. وعزل بروتينات السارس – كوف – 2 المخفيّة داخل أحد المختبرات للأمراض المعدية (المستوى 3 للحماية البيولوجية من العامل الممرض، وهو عبارة عن مجموعة من الاحتياطات البيولوجية اللازمة لعزل خطر عوامل بيولوجية في منشأة المختبر المغلقة).

وأوضح سعيد “كانت هذه مهمة كبيرة لأن العديد من تقنيات البحث يصعب تكييفها مع مستويات الاحتواء العالية، مثل مستوى السلامة البيولوجية 3، وقد ساعدنا دعم فريق المختبر الوطني للأمراض المعدية الناشئة على طول الطريق”، مشددا على أن النتائج الجديدة يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة في تصميم لقاح فايروس كورونا.

وانضم سعيد إلى فريق البحث بعد أن اتصلت به برديس سابتي وشيرا وينغارتن غاباي خبيرتا التسلسل الجيني في معهد برود. وكانتا تسعيان إلى تحديد أجزاء من السارس – كوف – 2 التي تنشط الخلايا التائية في الجهاز المناعي.

وقالت سابتي، الباحثة في برنامج الأمراض المعدية والميكروبيوم التابع لمعهد برود “إن ظهور المتغيرات الفايروسية، يمثل مصدر قلق كبير لتطوير اللقاحات”.

ومنذ بداية جائحة كوفيد في مطلع العام 2020، عرّف العلماء في جميع أنحاء العالم تسعة وعشرين بروتينا أنتجه السارس – كوف – 2 في الخلايا المصابة، وهي شظايا فايروسية تشكل الآن البروتين الشوكي في بعض لقاحات فايروس كورونا، مثل لقاح موديرنا ولقاحات فايزر بيونتيك وجونسون آند جونسون. وفي وقت لاحق، اكتشف العلماء 23 بروتينا آخر مخفيا داخل التسلسل الجيني للفايروس. ومع ذلك، كانت وظيفة هذه البروتينات الإضافية لغزا حتى الآن. وتكشف النتائج الجديدة التي توصل إليها سعيد وفريق البحث أن 25 في المئة من شظايا البروتين الفايروسي التي تحفز جهاز المناعة البشري لمهاجمة الفايروس تأتي من هذه البروتينات الفايروسية المخفية.

الشظايا الفايروسية

Thumbnail

لكن السؤال الذي يطرح هو كيف يكتشف الجهاز المناعي هذه الشظايا بالضبط؟

تحتوي الخلايا البشرية على “مقص” جزيئي يسمى الببتيداز أو البروتياز، وهو مجموعة من الإنزيمات البروتينية التي تعمل على تحلل جزيئات البروتين الكبيرة وتجزئتها إلى بروتينات صغيرة وتُنقل تلك القطع الصغيرة، التي تحتوي على بروتينات داخلية كشفتها عملية التقطيع (مثل الطريقة التي يتم التوصل بها إلى قلب التفاحة عند تجزئة الثمرة) بعد ذلك إلى غشاء الخلية ودفعها عبر مداخل خاصة، لجلب انتباه الخلايا التائية المارة. وبمجرد أن تلاحظ الخلايا التائية هذه الشظايا الفايروسية تتدفق عبر الخلايا المصابة، وتشن هجوما وتحاول القضاء على تلك الخلايا.

وتتميز الخلايا اللمفاوية التائية نظريا بالعديد من المزايا مقارنة بالأجسام المضادة. إذ يمكنها البقاء على قيد الحياة لفترة أطول في الجسم والاستجابة لمكونات الفايروس التي يقل احتمال تحورها كثيرًا عن تلك التي تم اكتشافها بواسطة الأجسام المضادة.

وأشار سعيد إلى وجود روابط بين قوة هذه الاستجابة وما إذا كانت حياة الأشخاص المصابين بفايروس كورونا مهددة أم لا.

وقالت غاباي “من المثير للاهتمام أن مثل هذا التوقيع المناعي القوي للفايروس يأتي من مناطق من التسلسل الجيني للفايروس التي كنا غافلين عنها. وهذا تذكير مذهل بأن الأبحاث المدفوعة بالفضول تقف في أساس الاكتشافات التي يمكن أن تغير تطوير اللقاحات والعلاجات”.

وأضافت سابتي “يمكن أن يساعد اكتشافنا في تطوير لقاحات جديدة تحاكي استجابة جهاز المناعة للفايروس بشكل أكثر دقة”.

ولا تدمر الخلايا التائية الخلايا المصابة فحسب، بل تحفظ بصمة الفايروس حتى تتمكن من شن هجوم أقوى وأسرع في المرة التالية التي يظهر فيها الفايروس أو نوع متحوّر منه. وهذه ميزة حاسمة، لأن سعيد وأعضاء فريق البحث المساعد يقولون إن فايروس كورونا يؤخر قدرة الخلية على استدعاء المساعدة المناعية.

وقال سعيد “يريد هذا الفايروس ألا يكتشفه جهاز المناعة لأطول فترة ممكنة. حيث يتم القضاء عليه بمجرد أن يلاحظه الجهاز المناعي، وهو لا يريد ذلك”.

واستنادا إلى نتائج البحث، يعتقد سعيد أن وصفة اللقاح الجديدة تتضمن بعض البروتينات الداخلية المكتشفة حديثا، والتي تشكل فايروس السارس – كوف – 2، بإمكانها أن تكون فعالة في تحفيز الاستجابة المناعية القادرة على معالجة مجموعة واسعة من المتغيرات الناشئة. ونظرا إلى سرعة ظهور هذه المتغيرات حول العالم، سيكون اللقاح الذي يمكن أن يوفر الحماية ضد جميع أنواعها بمثابة تغيير لقواعد اللعبة.

17