تجارة الأسلحة تغرق بغداد في الفوضى

بغداد تغرق في فوضى طويلة المدى بعد أن كفّت السلطات عن حماية المواطنين وتفرغ المسؤولون لكسب غير مشروع ودون رادع، فساهموا في تهريب وانتشار أدوات القتل المربحة لهم والمربكة لمدينة تحب الحياة، فانتشر الموت في شوارعها وأزقتها وبيوتها معلنا حالة الخوف في صفوف من يحبون السلام والأمان. في العراق اليوم تذهب إلى سوق السلاح وتشتري كلاشينكوفًا أو صاروخا أو قنبلة عنقودية بسهولة تضاهي السهولة التي نشتري بها كيس طماطم أو خيار أو بطاطا، والحجة أن المواطن يريد أن يدافع عن نفسه ويحمي عائلته.
السبت 2016/07/09
أدوات القتل تفاقم الصراعات الطائفية

بغداد- يصفّف الملثمون بضاعتهم على الطاولات التي وضعوها أمامهم مثلما يصفف بائع الخضروات بضاعته في أسواق الفواكه والخضار المختلفة ويتهامسون أحيانا بكلمات لا يسمعها المارة في سوق السلاح الأشهر في بغداد في مدينة الصدر. قنابل يدوية موضوعة في بسطات على جانبي السوق تصطف إلى جانبها صواريخ وقذائف هاون وأسلحة وعتاد لأسلحة متنوعة وعالمية المنشأ، يدير هذه البسطات رجال بعضهم ملثمون وآخرون يرتدون نظارات وقبعات تخفي ملامحهم، هكذا يبدو الحال في “سوق مريدي” المتخصص في السلاح.

وبرغم أن هذا السوق هو الأشهر في بغداد، فإنه ليس الوحيد إذ تنتشر في العاصمة بغداد ظاهرة بيع الأسلحة بكل أنواعها في مناطق شعبية تتميز بالنفوذ العشائري ما يجعلها بمنأى عن مداهمات الأجهزة الأمنية. توسعت ظاهرة سوق السلاح والاتجار بالأسلحة بعد عام 2003 ويعتبر “سوق مريدي” في مدينة الصدر بمثابة البورصة العراقية الممولة لأنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة. يشهد السوق إقبالا متزايدا من قبل الراغبين في شراء الأسلحة بمختلف أنواعها لاستخدامها كسلاح شخصي أو لدرء خطر ما أو حتى لمجرد التبجح بحمل السلاح. يقول بائع الأسلحة في “سوق باب الشرجي” علاء زامل إن الحصول على الأسلحة ليس بالأمر الصعب؛ فهناك طرق عديدة للحصول عليه.

حدود بلا رقابة

زامل يؤكد أن من أهم طرق الحصول على الأسلحة المنافذ الحدودية التي لا تحتوي على رقابة ومنها منافذ كردستان، ويتم جلب الأسلحة من تركيا مرورا بكردستان وبعدها تصل الأسلحة إلى بغداد. ويضيف أن الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش المنتشرة في الطرق الخارجية وصولا إلى بغداد لا مانع عندها من دخول الأسلحة ويمكن خداعها عن طريق استخدام “هويات خاصة” أو رشوتها إذا تطلب الأمر ذلك.

يتم الحصول على الأسلحة من مخازن ووحدات الجيش إذ لا يحاسب الجنود على أسلحتهم المفقودة في ساحات الحرب

زامل أشار إلى أن أكثر هذه الأسلحة يتم الحصول عليها من خلال تسربها من مخازن ووحدات الجيش خصوصا تلك الوحدات العسكرية المتواجدة في جبهات القتال إذ لا يحاسب الجنود على أسلحتهم المفقودة في ساحات الحرب. وفي حال موت أحد المقاتلين يتم تسجيل أنواع من الأسلحة باسمه ويتم سحب عدد من الأسلحة من المخازن وتسجل بذمة المتوفى ثم يتم تسريبها إلى تجار السلاح حسب ما ذكر زامل. ويضيف أن الطريقة الثالثة للحصول على الأسلحة هي شراؤها من مقاتلي فصائل المقاومة الذين يحصلون على العتاد من الجبهات.

زامل يصف هذه الأسلحة بأنها كثيرة وأجود بكثير من الأسلحة الموجودة في وزارة الدفاع، لافتا إلى أن بعض ضباط الجيش يرتادون سوق السلاح لاقتناء ما يلزمهم من سلاح. ويتابع القول بأنه يتم استخدام الأسلحة حاليا في النزاعات العشائرية والحماية الشخصية، إذ قلما تجد بيتا في بغداد يخلو من السلاح. ويواصل حديثه قائلا إنه يجني مع زملائه بائعي وتجار السلاح أموالاً طائلة تصل إلى الآلاف من الدولارات يوميا، وهذه المبالغ لا يمكن تأمينها إلا من خلال هذه المهنة.

وبخصوص إقبال الناس على شراء السلاح يقول زامل إن لديهم زبائن يطلبون مختلف أنواع الأسلحة والعتاد عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي أو عن طريق الاتصال المباشر في حال تعذر وصولهم إلى السوق لأسباب شتى. ويسرد قائلا إنه -ومع ظهور موجة الهجرة غير الشرعية في العام الماضي- قام العديد من منتسبي الوزارات الأمنية ببيع أسلحتهم لغرض الحصول على المال ومغادرة البلاد.

أما حسن الياسري الذي هو الآخر يعمل في تجارة الأسلحة وبيعها في “سوق مريدي” فيقول إن أسعار السلاح ترتفع ويزداد الطلب على الأسلحة عند اشتداد الأزمات الأمنية والسياسية وأن الأسعار تنخفض عند الأزمات الاقتصادية. ويضيف قائلا نحن نبيع الأسلحة الخفيفة ومنها المسدس الكلوك والرشاشات وأيضا الكلاشنكوف ورشاش “بي كاي” وصواريخ الهاون والرصاص بكل أنواعه وقذائف الهاون والقنابل اليدوية الدفاعية والهجومية.

بارونات السلاح يكدسون المرابيح

الياسري قال إن زبائن سوق السلاح ليسوا الناس العاديين فقط إذ يقصد السوق ضباط ومسؤولون في أجهزة الدولة، إضافة إلى الأشخاص العاديين.

ويضيف أن طلب الزبائن يزداد على الأسلحة الخفيفة مثل مسدس برته (16 ملم) الذي يحمله ضباط الجيش وأفراد الحمايات الشخصية بشكل خاص ويصل سعره إلى 1300 دولار. ويواصل الياسري سرد أنواع الأسلحة الموجودة في السوق، فيقول إن مسدس سيزر (13 ملم) و(16 ملم) من أفضل أنواع المسدسات ويصل سعره إلى 1400 دولار.

ومسدس ولتر الذي يحمله ضباط الجيش والشرطة يعد من أفضل أنواع المسدسات في العراق ويمنع حمله على غير المنتسبين إلى الأجهزة الأمنية ويصل سعره إلى 1800 دولار. أما بخصوص السلاح الرشاش فهناك عدة أنواع من سلاح الكلاشنكوف؛ إذ منه الروسي والبلجيكي والروماني والإيراني واليوغسلافي، ويتجاوز سعر البندقية الواحدة العشرة ملايين دينار.

ويضيف أن هناك أنواعا أخرى من الأسلحة ومنها (آر بي كي47) وهو سلاح يخترق الدروع العادية ويكثر استخدامه في النزاعات العشائرية. أما عن سلاح (بي كي سي)، فيوجد منه نوعان في سوق السلاح كما يقول الياسري؛ وهما الروسي والإيراني، ويبلغ سعر الواحد منه 2000 دولار.

وهناك أيضا الرمانات اليدوية وهي قنابل متفجرة يتم رميها باليد، لكن مع تطور السلاح لم تنحصر طريقة قذف الرمانات في اليد فقط، بل يمكن رميها أيضا بواسطة البندقية وتصل أسعارها إلى 50 دولارا للقنبلة اليدوية العادية أو كما يسميها العراقيون “الرمانة”.

ويتابع الياسري أن هناك أنواعا من قذائف الهاون تباع في سوق السلاح وتستخدمها المجاميع المسلحة لأنها خفيفة ويسهل إخفاؤها والرائج منها في السوق قاذفة (آ ربي جي) ويبلغ سعر القذيفة الواحدة ألف دولار أو أكثر قليلا.

مديرية شرطة مقاومة الإجرام في بغداد تقوم بعمليات دهم مستمرة للأسواق التي يشتبه في بيعها للأسلحة
الياسري أكد أن معظم الأسلحة التي تباع هي أسلحة يمنع القانون حملها من قبل الأشخاص العاديين، لكنه يقول إن باعة السلاح يوفرون لزبائنهم إجازة ترخيص مزورة من خلال المكاتب الموجودة في “سوق مريدي”، وهي مكاتب تضم أشخاصا محترفين في عمليات التزوير.

إجراءات قاصرة

يقول الحاج أحمد خشان -وهو رجل التقاه موقع نقاش وهو يتفحص الأسلحة في السوق- إن حالة عدم الاستقرار التي يعيشها العراقيون وغياب الدولة والقانون والأوضاع الأمنية المتردية في العاصمة بغداد دفعت العراقيين إلى اقتناء السلاح والتزود به لحماية أنفسهم. ويضيف الحاج خشان أن وجود التنظيمات والفصائل المسلحة في العراق والأوضاع الأمنية في سوريا المجاورة أفرزت ازدهار سوق السلاح وانتشار الأسلحة في البيوت ومؤسسات الدولة الأمنية وغير الأمنية.

ولفت إلى أن المعارك والقتال المتواصل بين العشائر يدفعان الناس إلى شراء السلاح والاحتفاظ به للدفاع عن النفس طالما تطلب الأمر ذلك. وأشار إلى أن معظم الأسلحة التي تعرض في “سوق مريدي” وفي الباب الشرقي وأماكن بيع السلاح الأخرى يمكن الحصول عليها من الجنود الذين يبيعون سلاحهم أحيانا بسبب العوز أو من أولئك الذين يسقطون في المعارك.

ويضيف أن المنتسبين إلى الوزارات الأمنية يبيعون الأسلحة في السوق السوداء بعد تسجيلها في سجل المفقودات من أجل الحصول على المال في ظل غياب المسؤولية والرقابة. ويبدو أن ما قاله الحاج خشان مطابق لما كشفه مصدر في الحشد الشعبي في حديث لـ”نقاش” عن استخدام بعض الأشخاص الحشد الشعبي واجهة من أجل المتاجرة بالسلاح.

رخص مزورة لحمل عتاد عالمي فتاك

المصدر الذي فضل عدم كشف اسمه أوضح أن هناك أفرادا من قيادات الحشد يطلبون السلاح من الدولة وحينما يحصلون عليه يبيعونه في السوق السوداء. ويضيف أن إحدى أسواق بيع السلاح تقع في منطقة البو كمال وقد تم إغلاق هذه السوق من قبل الحكومة بصبات خرسانية. وأشار إلى أن هناك أسواقا لبيع الأسلحة على الشريط الحدودي بين سوريا والعراق وتباع فيها قطع السلاح الأميركية والروسية.

ويؤكد المصدر أن الأجهزة الأمنية لا تصل إلى سوق بيع السلاح لأنها تقع في الغالب في مناطق شعبية تغيب عنها أنظار القوات الأمنية كما يتفنن تجار الأسلحة في إخفاء بضاعتهم بطرق متقنة. ويختم المصدر حديثه قائلا إنه في حال تشديد الرقابة الأمنية على سوق بيع السلاح، فإن التجار يزاولون عملهم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي من خلال مجموعات مغلقة خاصة ببيع وشراء الأسلحة.

وفي ظل تفشي ظاهرة بيع السلاح والاتجار به بشكل علني، لم يخف الناطق باسم عمليات بغداد العميد سعد معن قلقه من هذه الظاهرة، مشيرا إلى أن الجهات الأمنية تعتقل كل من يخالف قوانين حمل السلاح أو بيعه والاتجار به. معن أشار إلى أن مديرية شرطة مقاومة الإجرام في بغداد تقوم بعمليات دهم مستمرة للأسواق التي يشتبه في بيعها للأسلحة. وقال إن المديرية ألقت القبض على عدد ممن يبيعون السلاح أو يحملون أسلحة غير مرخصة وصادرت كميات كبيرة من الأسلحة المختلفة، وأنها تعمل جادة لإنهاء هذه الظاهرة الخطرة التي تهدد أمن المواطنين.

وحول تهريب الأسلحة من جبهات القتال من قبل المقاتلين وتسجيل الأسلحة كمفقودات من المقاتلين الذين يسقطون في الجبهات قال معن إن “السلاح الذي كان بذمة من يسقط في المعركة يعود إلى المشجب من خلال آمر فصيله من أجل تسجيل براءة ذمته”. ونفى تهريب الجنود والمقاتلين للأسلحة المختلفة من جبهات القتال لوجود نقاط تفتيش ومفارز أمنية تشدد عملية تفتيش المقاتلين العائدين إلى بغداد والمحافظات الجنوبية وتمنع مرور الأسلحة. ويبدو أن الإجراءات الأمنية التي ذكرها المتحدث باسم عمليات بغداد ما تزال قاصرة عن فرض القانون والحد من هذه الظاهرة.

20