تجارة البشر في أفريقيا: تعود من "بوابة اللاعودة"

الخميس 2013/11/07

بعد مرور أكثر من قرنين على مقولة المفكر والسياسي والمؤرخ الفرنسي ألكسيس دي توكفيل: «إنّ إلغاء تجارة الرقيق هو قرار لم يسبق له مثيل في تاريخ العالم، لن تجد في تاريخ البشرية أعظم من هذا الإنجاز» في عام 1801. وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على استقلال الدول الأفريقية عن الاستعمار الأوروبي، وبعد أن صار الرق تاريخاً يُروى في أفريقيا عند محطته التاريخية في متحف دار العبيد في جزيرة غوري السنغالية، والتي كان يتم منها ترحيل العبيد إلى الأميركتين، هاهي تجارة الرقيق تعود مرة أخرى بأعنف مما كانت عليه في قرون البشاعة البشرية.

بحسب المنظمة الدولية لمناهضة العبودية فإنّ الاتجار بالبشر أو كما تسميه أدبيات السياسة بالعبودية المعاصرة أو رقّ القرن الحادي والعشرين، يتضمن نقل الأشخاص بواسطة العنف أو الخداع أو الإكراه بغرض العمل القسري أو العبودية أو الممارسات التي تشبه العبودية. وقد لا يحتاج الاتجار في الأطفال إلى توفر هذه الظروف، فإنّ مجرد استغلالهم لأداء عمل ما يُعتبر نوعاً من الاتجار، حتى ولو لم يتم ممارسة أي عنف أو خداع أو إكراه معهم، لأنّ استغلالهم في حد ذاته يعتبر أحد أشكال الخداع. وفي نهاية الأمر فإنّ التجار يستخدمون العنف والتهديد وأشكال الإكراه الأخرى لإجبار ضحاياهم على العمل ضد إرادتهم، وتقييد حريتهم في الحركة والعمل بدون أجر أو بأجرٍ زهيد.

أطلقت اليونسكو مشروع «طريق العبيد» عام 1994، لتحقيق أهداف أوردتها المنظمة العالمية وهي لكسر حلقة الصمت حول تجارة الرقيق والعبودية بالإسهام في حسن فهم أسبابها العميقة ومخاطرها وأساليب عملها من خلال دراسات علمية متعددة التخصصات، وكذلك لتسليط الضوء على آثارها على المجتمعات الحديثة، ثم للإسهام في ثقافة السلام والتعايش السلمي بين الشعوب بتشجيع الإمعان في الحوار بين الثقافات.

إنّ قضية الاتجار بالبشر هي قضية اجتماعية واقتصادية، ولكنها أخذت بُعداً سياسياً صارخاً في الدول الأكثر نشاطاً في هذه التجارة.

وبالرغم من قِدم نشاط الاتجار بالبشر، إلا أنّه أخذ في التزايد في العصر الحالي بشكل مريع، وذلك نسبة للعائد المادي السريع الذي قامت الأمم المتحدة بتقديره بأنّه يحتل المركز الثالث من مصادر دخل الجريمة المنظمة بعد الاتجار بالمخدرات والأسلحة.

وتغذي الاتجار بالبشر عدة عوامل متشابكة مثل الفقر والحرمان وتدهور الحالة الاقتصادية والعطالة والتهميش، والتمييز ضد النساء، وعدم الاستقرار السياسي، وضعف القوانين التي تضع عقوبات غير رادعة على ممارسي التجارة مما يخلق مناخاً لممارسة الجريمة المنظمة، وعدم توفر معلومات وإحصائيات دقيقة عن حجم المشكلة وضحاياها والشبكات التي تديرها نسبة لمناخ السرية الذي تتم فيه التجارة.

ويمثّل السودان بحكم موقعه الجغرافي معبراً وهدفاً للهجرة غير الشرعية خاصة من الدول الأفريقية، كما يُعتبر مصدّراً للهجرات غير الشرعية للمواطنين السودانيين إلى أوروبا وإسرائيل ودول الخليج. ولعل أسباب الهجرة تتسع في حالة السودان لتشمل- بالإضافة إلى سوء الأوضاع الاقتصادية والأمنية وتأثير الحروب والنزاعات المسلحة على المواطنين- أيضاً تفشي البطالة بين الشباب وتفاقم حالات الفساد في الحكم والإدارة مما يحوّل الهجرة غير المنظمة وتهريب البشر إلى نشاط الاتجار بالبشر ويساهم كذلك في تنامي الظاهرة.

ومما يدل على تفاقم الظاهرة أنّ هجرة الموت وفقدان الأرواح في البحار وسهول السودان المنبسطة أصبح صوتها أعلى من التصريحات الرسمية التي تكتفي بالإشارة لوجود أصابع أجنبية. فقد أفصح تصريح معتمد إحدى المحليات بولاية كسلا شرق السودان في مايو/أيار 2011 عن وجود شبكات أجنبية تعمل بمعاونة سودانيين على تهريب البشر إلى إسرائيل عبر منطقة شلاتين بولاية البحر الأحمر. وفي أغسطس/آب 2011 ألقت السلطات المختصة بولاية البحر الأحمر القبض على المتهم الرئيسي في قضية تهريب البشر، التي راح ضحيتها عدد من الأشخاص بعد أن غرقوا في البحر الأحمر جنوب مدينة سواكن الساحلية. هذا غير إحباط بعض محاولات التسلل عبر البحر الأحمر، وغير حوادث الاحتراق والغرق التي راح ضحيتها مئات الأرواح من السودانيين وغيرهم من لاجئي الجوار الأفريقي. ومحاولات أخرى في المدن المتاخمة للحدود الشرقية تدل على أنّ نشاط الاتجار بالبشر في السودان هو عمل منظم اكتملت أركانه على مدى سنوات.

فالسودان كمثال لا توجد فيه قوانين رادعة للحد من مشكلة الاتجار بالبشر، وساهم هذا الوضع في تفاقم الظاهرة، فعدم فاعلية القوانين التي تنص على غرامات مالية وترحيل المهاجرين غير الشرعيين إلى بلادهم، يمكّن أغلب الذين يتم تطبيق العقوبات عليهم والتي لا تتجاوز الغرامة المالية من العودة إلى نشاطهم مرة أخرى. كما يساهم عدم وجود رقابة على تسهيل هروب المعادين من المهاجرين غير الشرعيين من السلطات وتسللهم إلى داخل البلاد مرة أخرى.

ما زالت تجارة الرقيق التي تم تحريمها دولياً منذ عام 1792 تتجدد بأشكال عديدة، ولسخرية الأقدار فهي تعود في أفريقيا التي تحتفظ بذكرى «بوابة اللاعودة» في جزيرة غوري كإرث تاريخي مرير.


كاتبة سودانية

9