تجارة الخمور في العراق مصدر تمويل للميليشيات

متاجر المشروبات الكحولية تتعرض لهجمات لغايات ابتزاز أصحابها وإجبارهم على الدفع للميليشيات.
الخميس 2020/12/03
على نخب الحمداوي والخزعلي

بغداد - تجد الميليشيات الشيعية الناشطة في العراق، في تجارة الخمور مصدر تمويل ثري يستجيب لنهمها المتزايد في كسب الأموال لتلبية متطلّباتها الكثيرة وحاجات قادتها والسياسيين ذوي الصلة بها، حيث يقدر خبراء اقتصاديون الحجم السنوي لهذه التجارة في البلد بنحو مليار دولار، ما يجعل هذا القطاع مزدهرا من جهة وجاذبا للمشاكل من جهة أخرى.

ويُجيز القانون الذي سنّه نظام صدام حسين قبل إسقاطه من قبل الولايات المتحدة بنحو عامين تجارة المشروبات الروحية لغير المسلمين، ويفرض قيودا مشددة بشأن مواقع تداولها في بلد مليء بالحسينيات والمساجد والمقامات الدينية المختلفة.

ولم يتمكن النظام السياسي الذي قام في العراق بعد 2003 من إجراء تعديلات على القانون القديم لأنه مستوف لجميع الشروط الدينية، لكن الفرق أن الأحزاب الجديدة حولت هذا القطاع إلى مسرح لتعاملات غير قانونية وهو ما كان يمنعه النظام السابق ويحاسب عليه بشدة.

وعلى سبيل المثال، كان حصول غير المسلم على إجازة لفتح محل لبيع المشروبات الروحية في زمن نظام حزب البعث لا يتطلب أكثر من استيفاء شروط قانونية وصحية، فضلا عن الالتزام بتسديد الضرائب. لكن الحصول على إجازة في زمن أحزاب الإسلام السياسي يتطلب رشاوى تصل إلى نحو 50 ألف دولار على أن يدفع تاجر المشروبات الروحية قرابة 50 ألفا أخرى شهريا لقاء الحصول على حماية إحدى الميليشيات الشيعية المرتبط أغلبها بتلك الأحزاب إذا أراد أن يعمل في بغداد.

وتصل المشروبات الروحية إلى العراق عبر منفذين من تركيا والأردن، فيما يُصنع القليل منها في بغداد وبعض المحافظات.

ويعد العراق من أعلى بلدان المنطقة استهلاكا للكحول بمعدل يفوق 9 لترات سنويا للفرد الواحد.

وبين الاستيراد والتصنيع المحلي ورشاوى الحصول على الإجازات وكلف الحماية، يتداول قطاع الكحول ما قيمته 1.3 مليار دولار سنويا، وفقا لإحصاءات غير رسمية.

وبسبب هذه الفاعلية الاقتصادية الكبيرة لهذا القطاع، حاولت الحكومة أن تقتطع لها جزءا من مداخيل الكحول، فعندما انهارت أسعار النفط في عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، عمدت الحكومة إلى فرض ضريبة بمقدار 200 في المئة على استيراد الخمور، بوصفها من السلع الكمالية التي يدخل تداولها في باب الترف. ومع ذلك لم يتأثر القطاع كثيرا بهذه الضريبة لكن المستهلك الأخير كان عليه أن يضاعف الإنفاق على شراء الخمور.

ويقول عاملون في القطاع إن هذه التجارة كانت توفر فرص عمل مهمة لغير المسلمين في العراق، لكن تمّ في الآونة الأخيرة خرق الشرط القانوني الذي يربط تجارة الخمور بهؤلاء.

وبسبب ندرة فرص العمل في العراق، تستوعب تجارة المشروبات الروحية العديد من العاملين المسلمين، في مخالفة قانونية صريحة.

وفي العادة، يحصل هؤلاء على الحماية أمام أجهزة إنفاذ القانون من ميليشيات تحصل على أجور شهرية.

ويمنع القانون فتح محلات المشروبات الروحية في العراق بعد الساعة العاشرة مساء وخلال المناسبات الدينية. لكن الميليشيات حاضرة لتحمي هذه المحال خلال أوقات المنع.

حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق أكثر الميليشيات تخصّصا في التربّح من تجارة الخمور وأقدرها على حماية التجار

وتكمن المفارقة في أنّ زعماء الميليشيات الشيعية الذين يحرصون على المشاركة في الطقوس الخاصة باستذكار الحسين بن علي أبرز الأئمة الاثني عشرية، يضاعفون مبلغ الحماية لمحال بيع المشروبات الروحية خلال شهري صفر ومحرم من كل عام هجري، حيث تبلغ المشاعر الدينية لدى الشيعة ذروتها.

وبالرغم من أن الميليشيات الشيعية التابعة لإيران هي المستفيد الأول والأكبر من تجارة المشروبات الروحية في بغداد، إلا أنها تشكل مصدر التهديد الأخطر لهذا القطاع.

وتستطيع بضع ميليشيات فقط أن تحمي تجار الكحول المرتبطين بها من هجمات ميليشيات أخرى، لذلك تتعرض مخازن المشروبات الكحولية في بغداد إلى هجمات منتظمة، إما بهدف ابتزاز أصحابها وإجبارهم على الدفع أو لأهداف إعلامية تُظهر أتباع إيران بمظهر حراس العقيدة والمذهب.

ويُعرف في أوساط تجار الخمور في بغداد أن مستوى الحماية الأفضل توفره ميليشيا كتائب حزب الله العراقية التي أسسها الحرس الثوري الإيراني، ويتزعمها أحمد الحمداوي المدرج على لوائح الإرهاب الأميركية.

وتوفر هذه الميليشيا الحماية للبعض من أهم محال بيع المشروبات الروحية في منطقة العرصات الراقية ببغداد، كما أنها تحمي بضع مطاعم من فئة الخمس نجوم التي تقدم المشروبات الروحية في سهراتها خلال الليل.

وفي الدرجة الثانية، تأتي عصائب أهل الحق التي يرأسها قيس الخزعلي، إذ تعد التجارة التي تدور تحت جناح هذه الميليشيا آمنة، ما دامت لا تتقاطع مع مصالح أطراف على صلة بكتائب حزب الله.

وفي حي كمب سارة بجنوب شرق بغداد تتوزع أكبر مخازن المشروبات الكحولية في البلاد، وحول هذه المخازن وبالقرب منها مكاتب ومقار لأحزاب وميليشيات مسلحة، لكنها نادرا ما تُهاجم هذه المخازن أو المحال التابعة لها. ويملك هذه المخازن في الغالب مسيحيون وإيزيديون يرتبطون في العادة بعلاقات وثيقة مع قادة ميليشيات يعودون إليهم في كل ما يعترض سبيل هذه التجارة.

يقول مالك مخزن يقع في كمب سارة ويحتوي على نحو 100 ألف قنينة من المشروبات الكحولية المتنوعة، إنه يضطر إلى الدفع مرتين مقابل أي شحنة تدخل المخزن، ففي المرة الأولى يدفع ما لا يقل عن 200 دولار لكل نقطة تفتيش بين الحدود التركية والعاصمة بغداد.

ومع ذلك يعتبر أن المبالغ المدفوعة لنقاط التفتيش على الطريق بين إقليم كردستان وبغداد تعد تافهة، قياسا بما يدفعه للميليشيات في العاصمة العراقية لضمان تصريف بضاعته بأمان، مؤكدا أنه يدفع حاليا نحو 30 ألف دولار شهريا لإحدى الميليشيات للحصول على الحماية.

وكلما ازداد حجم التجارة ازداد المبلغ المطلوب لتوفير الحماية، والمستهلك الأخير هو الذي عليه أن يتحمل الفروقات لذلك ترتفع أسعار المشروبات الكحولية بشكل جنوني خلال شهور رمضان وصفر ومحرم.

ويقول متعاملون في هذا القطاع إن تجارة الكحول في العراق تتيح فرصا مميزة لحصد أرباح طائلة وذلك لأن المستهلكين في تكاثر، فيما لا يبدو أن الميليشيات ستتوقف عن حصد أرباح سهلة، ما دامت الحماية مطلوبة.

3