تجار الأنتيكا في دمشق يعدّون الأيام في انتظار عودة السياح

مهنة الأنتيكا بدأت في دمشق عن طريق بعض التجار المتجولين الذين كانوا يبادلون القطع القديمة كالأواني النحاسية القديمة بأخرى جديدة مصنوعة من الستالس ستيل.
الاثنين 2019/02/11
بضاعة يلفها الغبار

من ينفض الغبار عن محلات بيع الهدايا وتحف الأنتيكا في أسواق دمشق القديمة؟ هذا السؤال يطرحه التجار رغم أنهم يعرفون الإجابة لأنهم يدركون أن السياح هم زبائنهم الذين غابوا منذ سنوات، فكسدت تجارتهم مما اضطر بعضهم لتغيير نشاطه، في حين مازال الآخرون يعددون تاريخ تحفهم في انتظار زبون قد يأتي وقد لا يأتي.

دمشق- أثرت الحرب على نشاط محلات الأنتيكا في العاصمة السورية، بعد أن توقف السياح من الدول الأوروبية والخليجية عن زيارة دمشق القديمة وأسواقها المتميزة حيث تتوزع المحلات التي تبيع التحف الأثرية في سوق ساروجا وباب توما وشارع الأمين، كما أن غلاء المعيشة جعل السوريين ينقطعون عن زيارة هذه المحلات أو شراء إحدى نفائسها، واختار العديد من التجار أن يغيروا النشاط في محلاتهم، فمنهم من حوّل متحفه إلى مقهى بديكور شرقي يجذب الشباب من الجنسين، فهذه التحف تشدهم في المقهى كديكور، لكنهم لا يفكرون يوما في شراء واحدة منها لتحول اهتمامهم لكل ما هو تكنولوجي، كما تغيرت الأذواق في ديكورات المنازل.

وكما يقول عصام كاتب الذي درس الفنون التشكيلية ثم تحول إلى تاجر أنتيكا، تجد في سوق ساروجا المحلات التي تعرض آلات موسيقية قديمة وأجهزة راديو وكاميرات ومكينات استجرار مياه يدوية وسيوفا وغيرها من التحف على المارة، لكن هناك غياب للسياح الذين يعرفون قيمة هذه النفائس التاريخية التي يسعون لامتلاكها ونفض غبار السنوات المتراكمة عن خشبها أو معدنها الأصيل.

وأضاف عصام كاتب لوكالة الأنباء السورية (سانا) من محله الشبيه بمغارة علي بابا لكثرة ما يكتنزه من تحف قديمة إضافة إلى عملات أجنبية من كل نوع ولون، “أمارس هذه المهنة منذ ما يزيد على الثلاثين سنة في سوق ساروجا بدمشق، فمحلي الصغير مليء بالتحف القديمة الجملية التي لا يكاد يخلو منها بيت قديم مثل البابور واللكلس والنحاسيات، إضافة إلى الآلات الموسيقية التي تزيد أعمارها على 100 سنة كالعود والمسجلات وراديوهات ومسجلات البكرة والأوكورديون وغيرها”.

وأشار إلى أن هناك أشخاصا يعرضون تحف منازلهم القديمة للبيع وما على تاجر الأنتيكا إلا أن يقيمها ويدرس تاريخها ثم يجري صيانة لها ويعرضها للبيع.

وقال إن “الجيل الجديد لا يكترث كثيرا للأشياء القديمة ويحاول التخلص منها بأسرع وأرخص الأسعار، وخصوصا الذين لا يعرفون قيمة أشيائهم الحقيقية فيحاولون التخلص منها ويأتون بها إلينا لنشتريها منهم”.

تجارة المقايضة

متحف لنفائس من التراث
متحف لنفائس من التراث

مهنة الأنتيكا بدأت في دمشق عن طريق بعض التجار المتجولين الذين كانوا يبادلون القطع القديمة كالأواني النحاسية القديمة بأخرى جديدة مصنوعة من الستالس ستيل، والقيشاني القديم بالزجاج المصنع والمزركش، والأباريق النحاسية القديمة بأخرى جديدة مصنوعة من الألمينيوم، حيث كان التاجر يجول في الشوارع والحارات، يحمل على كتفه كيسا ينادي عمن عنده أشياء مستعملة ليبادلها بأوان حديثة ليبيعها بعد ذلك بمبالغ تكون أحيانا خيالية لقيمتها التاريخية أو أحيانا لندرتها ودقة صناعتها.

ويؤكد الأنتيكاتي عصام أن هناك أشياء كثيرة قديمة ينظر إليها عامة السوريين على أنها أدوات بسيطة تستعمل في الحياة اليومية، وهي موجودة في كل بيت، ومع ندرتها بدأت تكتسب قيمة تاريخية وتراثية يقدرها عشاق جمع الأشياء النادرة، فتحول جميعها إلى مهنة وهواية.

وبعد ذلك فتحت المحلات المخصصة لبيع هذه البضاعة في دمشق وأصبحت تستقطب السياح الأجانب الذين باتوا يقصدون تلك المحلات ليشتروا التحف والقطع القديمة.

وقال عصام إن “سوق الأنتيكا يعتمد في الأساس على السياح الأجانب، يشترون البضاعة بدراسة وبحث، فمثلا يرون ساعة قديمة أو سيفا فيه نقوش معينة أو ميزانا قديما فيصورون القطعة، ويأخذون رقمها ويبحثون في الإنترنت عن تاريخها وقيمتها التاريخية، وأحيانا يراسلون الشركة التي صنعتها إذا كانت موجودة حتى الآن”.

مغارة علي بابا

تحف الأنتيكا كانت تأتي من القصور القديمة والبيوت العريقة التي تمتلكها الأسر الثرية
تحف الأنتيكا كانت تأتي من القصور القديمة والبيوت العريقة التي تمتلكها الأسر الثرية

يحمل كاتب عودا بعمر مئة وأربع سنوات عزف عليه أكثر من عازف وأصبح بمثابة قيمة فنية وموروث فني تاريخي يجذب المهتمين من سوريا بالإضافة إلى السياح الأجانب المولعين بشراء التحف والأعمال اليدوية والأثرية.

وإلى جانب العود الأثري، يضع عصام عودا للفنان الكبير وديع الصافي منذ عام 1960 حيث اشتراه كاتب من أهله، بالإضافة إلى مقتنيات الملحن محمد محسن التي تتضمن غرفة التلحين كلها التي كانت موجودة عنده من آلات تسجيل وأجهزة صوت وأسطواناته الخاصة به وأرشيفه الكامل.

وأوضح كاتب أن هذه المهنة بحسب رأيه بدأت تنقرض شيئا فشيئا، لأن المحلات الشرقية أخذت مكانها على الرغم من وجود اختلاف كبير بين الشرقيات والتحف الأثرية التي تعتمد على عرض التراث القديم لا إعادة تصنيعه.

وأضاف “قبل الحرب كانت تجارة التحف والنحاسيات جيدة لكثرة هواة جمعها من السوريين والأجانب الذين كانوا يبحثون عن أدوات المعيشة التي استخدمها الأهالي قديما وتركت أثرها في يومياتهم مثل طاسة الرعبة، جرن الكبة، الفوانيس، القبقاب وغيرها، لكننا في الحرب فقدنا السياح ولم يبق إلا الهواة من أبناء الشام وهم قليلون”.

وفي محل آخر يجلس مهندس الميكانيك محمد الغزولي أمام التحف الموجودة في محله وهي من العروض التي يقدمها له مقتنو التحف الموجودون في سوريا، لكنه يؤكد أنه قبل أن يشتري أي قطعة يقوم بالتأكد من مصدرها.

وقال الغزولي عن الحركة التجارية للتحف قبل الحرب، إن زبائنه لا ينحصرون في دمشق فقط، وإنما يمتدون ليشملوا مختلف المحافظات السورية، إضافة إلى الأجانب الذين يشترون من عنده المقتنيات الخفيفة التي يمكن حملها ووضعها في الحقيبة كتذكارات، مشيرا إلى أن جميع من يشتري قطع الأنتيكا هم من الهواة الذين يحبون أن تكون بيوتهم كالمعارض والمتاحف.

وأضاف أن هذه التحف تعود إلى مئة عام أو أكثر منها الدمشقي وغيره، فهناك راديو لمبات وترانزستور ذو حجم كبير عمره ثمانون عاما، وآلات تسجيل أميركية الصنع عمرها تسعون عاما، وساعات بنفس العمر، إضافة إلى العملات القديمة والنحاسيات والسيوف اليمنية والخناجر الدمشقية وأقفاص للبيض وإكسسوارات من العقيق وكاميرات عمرها 100 عام وبابور وجرن كبة وجرار كتبت عليها أسماء أصحابها بالإضافة إلى قطع بأسماء شخصيات معروفة.

وقال الغزولي إنه بدأ للمرة الأولى بمزاولة هذه المهنة كهواية منذ أكثر من أربعين عاما، مؤكدا أن هذه التجارة كانت تدر ربحا وفيرا على أصحابها قبل الحرب حين كان السياح يتوافدون على دمشق، أما اليوم فقد تضررت هذه المهنة الدمشقية وتراجع المهتمون بها.

وأضاف أن مصادر البضاعة كانت تأتي من القصور القديمة والبيوت العريقة التي تمتلكها الأسر الثرية، لكن اليوم لم نعد نعرف مصادر البضاعة التي يعرضها علينا المواطنون، نخاف أن تكون مسروقة لذلك نتردد كثيرا في اقتنائها خاصة وأن انتظارنا للسياح قد يطول.

ولا يكاد يخلو بيت دمشقي من أثاث قديم أو قطعة فنية شبه متحفية تنتمي لأسرة عريقة أو شخص مشهور، ما جعل قيمة هذه البيوت تكمن في تاريخها وأصالتها وما جعل الكثيرين من أصحاب هذه البيوت يتجهون نحو العرض والتسويق مع الحفاظ على عراقة المادة التاريخية.

شغف متوارث

من يشتري
من يشتري

المقتني أبوعصام الدغلي ورث عن أبيه حبه للأشياء القديمة والأنتيكا كونه ابن عائلة دمشقية عريقة، ولديه الكثير من المقتنيات التي حافظ عليها والده من قبله حتى وصلت الهواية إلى شغف نحو اقتناء المزيد من القطع القديمة والأثاث الدمشقي المصدف والمعدات المنزلية وغيرها.

وقال الدغلي “إن العلاقة التي تجمعني بالأشياء القديمة، علاقة غريبة يطلق عليها البعض تسمية أنسنة الأشياء، وهذه العلاقة نشأت من خلال التواصل الدائم مع هذه الأدوات، فأنا منذ صغري أتعامل مع الأنتيكا كشيء أساسي في منزلنا من مصبات القهوة إلى منفاخ النار وصولا للأثاث الخشبي والأواني الزجاجية وآلات الخياطة والمذياع وغيرها الكثير”.

ويضيف أنه يسعى لاقتناء أي أداة أو آنية أو أثاث قديم، وخاصة ما له علاقة بالتراث الدمشقي، مبينا أن سكنه في بيت حديث أفقده القليل من روحانية التعامل مع أشيائه القديمة، ولكنه مازال يكن لها المعزة ذاتها ولا يوفر جهدا أو مالا في سبيل اقتناء المزيد منها والحفاظ عليها. ويؤكد هاوي الأنتيكا أنه صار معروفا في الأحياء الدمشقية القديمة ولدى تجار هذا النوع من الأدوات بأنه أبوالأنتيكا، كما أنه يصرف الكثير من دخله الشهري على هذه الهواية التي مازال يصر على أن تبقى مجرد هواية وألا تتحول لتجارة.

ويقول “إن محبتي للأنتيكا وتمضيتي لأغلب وقتي بين هذه المقتنيات أثرتا بشكل عام على عملي في التجارة، ورغم محاولتي للابتعاد عن تحويل هوايتي إلى عمل، إلا أنها لم تكن موفقة في الغالب، لذا خصصت مكانا لعرض مقتنياتي من الأنتيكا ولمن هم من هواتها الحقيقيين بشكل لا يؤثر على قيمة المقتنيات”.

ويلفت إلى أنه يملك اليوم الكثير من معدات البيت الدمشقي القديم والتي لا تزال بحالة ممتازة وهي تقدر بثروة بالنسبة له. وقال المقتني ياسين الزبداني “بدأ تعاملي مع آلات الخياطة القديمة من خلال محاولة بيع آلة ورثتها عن والدتي، فاكتشفت مدى أهميتها وقيمتها كأنتيكا أكثر منها آلة خياطة، لذا بدأت بالبحث عن مثل هذه الآلات في الأحياء القديمة لأشتريها وأعيدها لحالتها الجيدة ومن ثم أبيعها”.

لا يكاد يخلو بيت دمشقي من أثاث قديم أو قطعة فنية شبه متحفية تنتمي لأسرة عريقة أو شخص مشهور، ما جعل قيمة هذه البيوت تكمن في تاريخها وأصالتها

وأضاف أنه جنى أرباحا جيدة من هذا العمل الذي صار لديه خبرة كبيرة فيه، مبينا أن أهم زبائنه هم الأجانب وهواة الأنتيكا والشركات الحديثة لآلات الخياطة التي تشتري هذه الآلات لعرضها كآلات لها قيمة تاريخية. وأوضح الزبداني أنه تمكن من خلال رحلة بحثه الدائمة عن آلات الخياطة القديمة من إيجاد الكثير من القطع التاريخية حيث باع في إحدى المرات آلة تعود لعام 1898 بعد أن اشتراها من أحد سكان حي القيمرية.

وحوّل هيثم طباخة الرجل الستيني المغرم بتراث دمشق وتفاصيل ماضيه بيته إلى متحف يختصر التاريخ بأكثر من ألفي قطعة فنية نادرة بعضها يعود عمره إلى أكثر من 250 عاما. وبشغف يسرد أبومحمد بداياته في جمع هذه القطع منذ طفولته حيث كان يجمع المال ليشتري مقتنيات تاريخية، مشيرا إلى أن ذلك استغرق سنوات عديدة تخللها البحث الطويل عن القطع النادرة والتأكد من المعلومات حولها لضمان توثيقها.

ويضم المتحف الذي يتكون من طابقين ألفي قطعة أثرية وتاريخية تعود لـ100 عام والبعض الآخر منها عمره 200 عام وقطعتين يتجاوز عمرهما 200 عام وكيس سيروم فرنسي عمره اليوم أكثر من 150 عاما وسيفا حربيا عمره 250 عاما إضافة إلى جهاز كمبيوتر ولابتوب يعود تاريخهما إلى العام 1980 وخزن موزاييك تعود لأكثر من 100 عام إضافة إلى حلي وأزياء شعبية وتحف تعكس تفاصيل حياة ماضية. وأمام كثرة القطع وتنوع أماكنها لا ينسى أبومحمد أن يدعو زواره إلى رحلة شيقة عبر صندوق الدنيا ليعرض صورا متنوعة يروي قصصها بطريقة غنائية لطيفة.

وينشغل أبومحمد حاليا بالبحث عن كاميرا تدعى بحبش ودولاب المجلخ القديم الذي يحمل على الظهر، إضافة إلى اقتنائه أدوات المهن القديمة ومجموعة صور نادرة لساحات وشوارع دمشق القديمة وصورة لأول دفعة من خريجي كلية الصيدلة والطب عام 1920 يعمل على جمعها إلكترونيا في فيلم وثائقي قصير. ويوصي أبومحمد أبناءه بالحفاظ على تراث وطنهم بشكل عام ومقتنياتهم بشكل خاص، لأنها حسب وصفه ثروة معنوية، مشيرا إلى ضرورة الاهتمام بالتراث وترميم الحارات القديمة لأنها تحمل قيمة المكان والتاريخ.

20