تجار البسطة في الأردن مناورات يومية لأجل رزق غير مضمون

"كبسات" الحكومة تلاحق الباعة العشوائيين وتصادر البضاعة المعروضة في الشوارع.
الثلاثاء 2019/10/29
بسطات مثيرة للجدل في الساحات العامة

يلجأ العديد من الأردنيين إلى العمل في التجارة العشوائية هربا من البطالة المتفاقمة في البلاد، خاصة وأن العديد منهم يعيلون عائلاتهم، ورغم الدخل المحدود في ظل غلاء المعيشة يواجه هؤلاء الملاحقات اليومية من قبل دائرة ضبط البيع العشوائي التي تحجز بضاعتهم؛ فإما أن يدفعوا غرامات مالية وإما التنازل عما صودر منهم ليزداد وضعهم سوءا.

  عمان – يشبّه أحد بائعي البسطات المخالفة عمله بـ”رزق في حقل أشواك”، فيقول إن لكلمة “إجت الأمانة” أو إشارات الإنذار المبكر “الأمانة .. الأمانة” وقع الصاعقة على بائعي البسطات المخالفة، الذين يفرّون بلمح البصر من “كبسة” مفاجئة لا يعرفون لها موعدا محددا.

هذا مشهد بات مألوفا في وسط البلد وسواه من مناطق زحام الأقدام، التي يقصدها بائعو البسطات سعيا وراء رزق يومهم، في بلد يعيش أزمة اقتصادية خانقة. معادلة مركبة ومعقدة يتداخل فيها القانوني والمعيشي والإنساني، لكنها تعبر في نهاية المطاف عن أزمة العيش التي يكد الناس تحت وطأتها، فيغامروا بالبيع على قارعة الطريق مع ما قد يجره من مخالفات، وهو ما يجد فيه كثيرون من ذوي المصلحة فرصة للإبلاغ عنهم.

في المقابل يؤكد مواطنون عدم انزعاجهم من البسطات والبضاعة المنتشرة على الأرصفة، ويعتبرونها فرصة لاكتشاف المزيد من الخيارات التي ينشدونها، بل إن آخرين يرون في هذه البسطات خصوصا في وسط البلد جزءا من هوية تلك المنطقة وهم لا يتخيلون قلب العاصمة دونها.

أحمد، تاجر يملك محل أدوات منزلية في شارع الأردن يقول إن أمانة عمان تنفذ حملات مستمرة على بضاعتهم التي يضعونها على الرصيف والشارع، “أضع بضاعتي على الشارع من أجل جذب الزبائن وحجز مكان وقوف لهم أيضا، فإن استطعت الحصول على زبون ولم يجد مكانا لسيارته فإنني سأفقده في شارع مزدحم بالمحلات التجارية المختلفة”.

ويقول أبوسعيد وهو تاجر أثاث مستعمل في نفس الشارع، إن المحال التجارية الواقعة في بداية شارع الأردن ومن الاتجاهين هي أكثر المتضررين من حملات الأمانة، موضحا أنهم “أول مستقبلي الحملات!” فيسارع من هم في منتصفه وآخره إلى إزالة بضاعتهم عن الشارع أو الرصيف قبل أن تصلهم الحملة.

انتشار التجارة العشوائية نتيجة تقصير الدولة
انتشار التجارة العشوائية نتيجة تقصير الدولة 

ويشير ثائر وهو تاجر آخر للأثاث المكتبي المستعمل إلى أن الأمانة صادرت له أثاثا من باب المحل وذهب لاحقا لإعادتها ودفع المخالفة، إذ أن قيمة ما تمت مصادرته كبيرة، ولو كانت عكس ذلك أو تعادل قيمة المخالفة لتركها للأمانة، متسائلا عن “مصير ما يتم حجزه ولا يراجع فيه الكثير من زملائه التجار”.

ويعزو جمال صاحب بسطة إكسسوارات (ذهب روسي) في وسط البلد وجوده على الرصيف إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها، لافتا إلى أنه يرتزق من هذه البسطة ليتحمل تكاليف دراسة ابنته الوحيدة في الجامعة، وبعكس ذلك فإنه سيكون مضطرا لـ”مد يده للناس محتاجا”.

وتزداد مخاوف هؤلاء الباعة من أن تحيلهم كبسات الأمانة العامة على البطالة وحرمانهم من تدبير مورد رزق عائلاتهم اليومي.

ويقول مدير دائرة ضبط البيع العشوائي والإزالة في أمانة عمان الكبرى سعد دويكات لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن “ما يتم حجزه يودع في مستودعات الأمانة وينظم ضبط لكل بائع ببضاعته لتصويب الوضع خلال 14 يوما باستثناء الخضار والفواكه خلال 48 ساعة من حجزها، إذ تفرض على أصحابها غرامات تتراوح بين 50 و500 دينار بحسب الحالة، وإذا انقضت المدة دون مراجعة المخالف فإنه يتم توزيع البضاعة المحجوزة على جمعيات خيرية”.

وأضاف أن الدائرة تركز على المواقع والشوارع الحيوية وأمام المساجد والأماكن التي تتلقى الأمانة شكاوى بخصوصها من التجار والمواطنين.

وأوضح أن حملات الأمانة “تشمل كل البسطات وما تحويه من بضائع ومنتجات، وكذلك البضائع المعروضة أمام المحال التجارية على الأرصفة المخصصة للمشاة، إضافة إلى البيع من خلال السيارات المتجولة”.

تجار يفترشون الأرض بعد عجز الدولة عن توفير فضاء لهم للعمل
تجار يفترشون الأرض بعد عجز الدولة عن توفير فضاء لهم للعمل

وأوضح دويكات أن مفهوم البيع العشوائي هو “البيع غير المنظم أو المرخّص وغير المراقب صحيا وغير المطابق للمواصفات، والباعة العشوائيون هم من لا مكان ولا مرجعية لهم بالنسبة للمواطن، وبالتالي فإن ما يباع على الأرصفة والطرقات وخصوصا في وسط البلد هو بقايا مستهلكات، إذ يجمعها تجار القمامة ويبيعونها، أو قد تكون منتجاتهم مغشوشة أو منتهية الصلاحية”.

وأضاف “الجزء الثاني من البسطات هي بسطات الألبسة الأوروبية (البالة)، وهي بضاعة يسمح باستيرادها وبيعها في المحلات التجارية والأسواق الشعبية المرخصة، إلا أن بعض التجار يوزعون البضاعة على أصحاب بسطات لبيعها لهم، ما يعد اعتداء، إذ أن هناك محلا في الأساس كي تباع هذه البضاعة فيه”.

وفي ما يخص البسطات الأخرى الموجودة على الأرصفة التي تبيع الألبسة والأكسسوارات والألعاب، يوضح دويكات أن “معظمها يتبع لمحال ربما تقع في شارع آخر، وبالتالي فإنها تعتدي على المحلات الأخرى الموجودة أمامها بالبيع العشوائي”.

وأشار إلى أن أصحاب البسطات الذين لا يتبعون لمحل أو تاجر بعينه عددهم قليل جدا، مؤكدا أن أصحاب المحلات التجارية الذين يكررون هذه المخالفات أو يرتبطون بالباعة العشوائيين بموجب تفاهمات يتم تغليظ المخالفات بحقهم وتوجه لهم إنذارات بالإغلاق.

وأكد أن جولات الفرق التفتيشية والحملات مستمرة على مدار الساعة، وجميعها مربوط بكاميرات مراقبة مثبتة على أفراد الفرق تجنبا لأي تجاوزات وترسيخا للشفافية، وهذا النظام معمول به منذ أيلول الماضي.

ويشار إلى أن عدد الحملات التي نفذتها دائرة ضبط البيع العشوائي والإزالة منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية أيلول الماضي بلغ نحو 55692 حملة على أكشاك ومعرشات وخيم وعربات ومركبات خضار وفاكهة وغيرها.

20