تجار السلاح يزرعون الموت وينتحبون على الموتى

الثلاثاء 2014/08/05
تجارة الأسلحة نار مستعرة تهدد بإحراق الجميع

الدمار الذي يمكن أن تسببه تجارة السلاح، التي تدّعي الشرعية والقانونيّة، بين الدول والجيوش لا يمكن التنبُؤ بأخطاره ومصائبه، ناهيك عمّا يمكن أن ينجرّ عن عمليات التهريب والتجارة السريّة لآلات الموت وأدواته، خاصة في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اللتين ترزحان تحت وطأة الجماعات الإرهابية المتربصة.

لا أظن أنّ أحدا له القدرة على فهم ما يجري اليوم، خاصّة في ظلّ وجود مؤامرات ومخططات ومشروعات كبرى تحاك هنا وهناك في مختلف مناطق العالم، بعضها لإعادة تقسيم دول والبعض الآخر لإعادة تقسيم النفوذ والسيطرة. مخطّطات لإعادة تقسيم الثروات ومصادر الطاقة، وأخرى لتحقيق توازن بين الديانات في أمة ما أو دولة ما، بعضها لتخفيض التعداد السكاني، والبعض الآخر لا يتجاوز التجارة سواء تعلّقت بالسلاح أو البشر، حتى أنّ صناع هذه المؤامرات والمخططات ومن يدعمها، وكذلك العاكفين على تنفيذها، غالبا لا يملكون القدرة على حماية مسارات ما شرعوا في تنفيذه.

المشهد الدولي يؤكد أنّ الأمور سواء كانت في الشرق أو في الغرب باتت خارج السيطرة. الجميع مهدد داخليا وخارجيا، ولا أحد يملك من صناع هذا المشهد وراسميه القول الفصل في أيّ من النزاعات والحروب والحركات الانفصالية والعمليات الإرهابية والإبادات العرقية والفتن الطائفية التي تجري.


ظاهرة قديمة جديدة

بات الجميع في مرمى النيران، بعد أن أصبح السلاح متاحا ومتوفرا للأفراد والجماعات والمنظمات على اختلافها، ولم يعد حكرا على أحد بعينه. فقد أضحى السلاح اليوم عابرا للقارات والدول والمدن وحتى القرى النائية الفقيرة والمعدمة في أفريقيا وآسيا، حيث راجت أسواقه رواجا منقطع النظير في السنوات الأخيرة. فقد أرسل الغرب وباع ملايين القطع من السلاح على اختلاف أنواعه وأحجامه وأشكاله وقدراته، وتمّ إغراق عشرات الجيوش والجماعات والحركات في كلّ من العراق واليمن وسوريا وليبيا وجنوب السودان وجنوب أفريقيا ومالي والجزائر وأفغانستان وباكستان وأوكرانيا وكازخستان وجورجيا وكوريا الجنوبية وغيرها بهذه الأدوات المدمّرة، فأصبح السلاح يتجول بحريّة في مختلف مناطق العالم، يختلق النزاعات ويبدأ في توسيع دوائره، يهدم الدول ويتركها عرضة لنهب العصابات شأن رواندا وجنوب أفريقيا والسودان والصومال وأفغانستان واليمن والعراق وليبيا وغيرها، حتى أمكن للجماعات والتنظيمات الإرهابية وكذلك الحركات الانفصالية هنا وهناك، الحصول على ما تريده لتنفيذ مخططاتها عبر شبكات عنقودية من الخلايا النائمة، وأصبح بإمكان أفراد خلية ما، لا يتجاوز عدد أفرادها الخمسة أو الستة أعضاء، أن يقوموا بتنفيذ عملياتهم النوعية ضدّ الأهداف التي يحدّدونها.

بان كي مون: غياب لوائح بشأن تجارة الأسلحة يؤدي إلى انتهاكات لحقوق الإنسان

من جهة أخرى، وجبت الإشارة إلى أنّ فوضى السلاح التي أدّت إلى وصوله إلى جماعات وتنظيمات إرهابية ومتطرفة وحركات انفصالية غير شرعية كانت قد بدأت في منطقة الشرق الأوسط منذ فترة من الزمن، لكنها أخذت شكلا منظما زمن تواجد الاتحاد السوفيتي (سابقا) لأفغانستان، وقيام الولايات المتحدة بمشاركة عربية وباكستانية، بتمويل آلاف العناصر الأفغانية وتدريبهم، وتشكيل جماعات صدّ لم تتمكّن بعد ذلك من لمّها أو وقف نشاطاتها الإرهابية. فتُركت أفغانستان من ثمّة تحت إمرة هذه الجماعات التي خاضت حربا مفتوحة في ما بينها، وتحولت البلاد إلى قاعدة انطلاق لعمليات كبرى نُفّذت في العديد من الدول العربية والأفريقية والغربية، كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 أكثرها تأثيرا.


لعبة تمويل الإرهاب


أصبح تمويل وتسليح العناصر المتطرفة والمتشددة، تجارة وصناعة تديرها شبكات مخابراتية وشركات أمنية ومصانع كبرى غربية وأميركية، وامتدت هذه الظاهرة إلى بعض دول العالم الثالث والشرق الأوسط، لتصبح لعبة بيد بعض رؤساء الدول السابقين شأن أحمدي نجاد في إيران ومعمر القذافي في ليبيا والرئيس السوري حافظ الأسد وكذلك رؤساء بعض الأنظمة العربية الأخرى، وحاليا أصبحت قطر التي مولت وسلحت المعارضة السورية والتنظيمات الإرهابية في مالي وليبيا ومصر، تلعب هذا الدور.

رأت واشنطن، وكذلك الغرب، أنّ هذا الاستثمار سوف تتدفق عائداته قريبا دون نهاية، فأغرقت المنطقة بصفقات السلاح. وفي هذا السياق فإنّ كلّ ما يجري الآن، وكان قد بدأ العمل عليه منذ فترة السبعينات من القرن الماضي، أثناء حرب 1973 تحديدا وزمن الحرب الأهلية اللبنانية والصراع السوري الإسرائيلي في لبنان، ثم الحرب الإيرانية العراقية ثم حرب الخليج فحصار العراق ثمّ احتلاله، يُفيد حدّ اللحظة بأنّ هناك دفعا غربيا أميركيا إسرائيليا بالمنطقة العربية عموما، والشرق أوسطيّة على وجه الخصوص، نحو التفتت والتلاشي.


كميات كبيرة مفقودة

لم يكن مفاجئا إعلان تقرير المفتش العام المكلف بإعادة إعمار أفغانستان جون سوبكو، مؤخّرا، عن فقدان كميات كبيرة من الأسلحة التي سلمتها الولايات المتحدة الأميركية إلى القوات الأفغانية. وكان البنتاغون قد سلّم أفغانستان منذ 2004 “أكثر من 747 ألف بندقية كلاشنيكوف من طراز ايه كاي 47 وبنادق رشاشة وقاذفات قنابل وغيرها من الأسلحة بقيمة تقارب 626 مليون دولار”. بالطبع لم يكن ذلك مفاجئا حيث كان هناك تقرير صادر عن الكونغرس في 2008، أكّد فقدان نحو 87 ألف قطعة سلاح أو ما يعادل ثلث الأسلحة التي تمّ شحنها لقوات الأمن الأفغانية.

تمّ إنفاق 91 مليار دولار على شراء السلاح خلال العام 2013 / 2014 في الشرق الأوسط

نفس الأمر حصل في العراق سنة 2007، حيث أظهرت عملية مراجعة أُجريت في العراق في يوليو من نفس السنة، أجراها مكتب المحاسبة الحكومي، أنّ حوالي190 ألف رشاش من طرازAK-47، وعددا من المسدسات التي سلّمتها الولايات المتحدة إلى البلاد، لم يكن في الإمكان تقديم أيّة بيانات عنها. ويمثل هذا الرقم 30 بالمئة تقريبا من جملة الأسلحة الصغيرة الّتي تم تقديمها إلى العراق حتى تستخدمها القوات المحلية خلال عامي 2004 و2005.

هذا النقصان لم يشمل الأسلحة الخفيفة فحسب، بل طال كذلك الأسلحة الثقيلة، شأن تلك التي استولت عليها تنظيمات مثل “داعش” و”جبهة النصرة”، وتنظيم القاعدة في كلّ من العراق وسوريا وليبيا واليمن، فعقب الغزو الأميركي الغربي للعراق، وتسريح الجيش، أصبحت الأسلحة تباع وتشترى في مدن ومحافظات العراق. ومنذ تولي نوري المالكي رئاسة الوزراء، عقد صفقات أسلحة معا الأميركان بأكثر من 2 مليار و700 مليون دولار، كما سلّح الغرب وأميركا وروسيا وتركيا وإيران وبعض الدول العربية نظام الأسد من جهة، والمعارضة السورية من جهة أخرى، بملايين القطع الخفيفة والثقيلة، أغلبها تمّ الاستيلاء عليها من قبل تنظيمات القاعدة و”جبهة النصرة” و”داعش” و”الإخوان” وغيرها من الجماعات التي تعيث إرهابا في مختلف الدول العربية الآن.

أمّا ليبيا، فكانت ولا تزال تسبح في بحر من مخازن السّلاح، بكل أنواعه، فالعقيد معمر القذافي كان يعقد صفقات سلاح مع الغرب وأميركا وروسيا مقابل الصّمت على جرائمه، ومع سقوطه، أصبحت هذه المخازن مفتوحة أمام من هبّ ودبّ ليغرف منها ما يشاء. وقد كانت الغلبة للجماعات والتنظيمات الإرهابية، سواء الداخلية كالجماعة الإسلامية المقاتلة وأنصار الشريعة والجماعة السلفية أو الخارجية كالقاعدة وأنصار بيت المقدس وتنظيم الإخوان المسلمين وأجناد مصر، ثم جاء دور تجّار السلاح والمهربين، وقد نالت المحافظات المصرية الحدودية نصيب الأسد، ومنها دخل السلاح إلى صعيد ودلتا مصر، حيث تدفق خلال أعوام 2011 و2012 و2013 وحتى عزل الرئيس الإخواني، محمد مرسي، ما يتراوح بين 10 و15 مليون قطعة سلاح، وقد ضبطت الشرطة والقوات المسلحة بعضها على الحدود، سواء الشمالية أو الجنوبية، قبل أن يصل إلى الداخل، وتمّ ضبط البعض الآخر في الداخل، كما ضبطت السلطات أكثر من 1000 تاجر سلاح خلال عام 2013 وحده، لكن الكميّات الكبيرة ما تزال في أيدي تلك الجماعات والتنظيمات الإرهابية والمهربين.


تجارة مربحة ومفزعة

بلغ حجم تجارة الأسلحة في العالم خلال العام 2013 ترليون و650 مليار دولار، تقف الدول المنوط بعهدتها تحقيق الأمن والسلم العالميين، والتي تعدّ الأعلى صوتا في المطالبات بحقوق الإنسان والقوانين الإنسانية وحماية المدنيين، في مقدمة المصنعين والمصدرين لها، وهي الولايات المتحدة الأميركية (التي تصدر 30 بالمئة من إجمالي المعاملات)، وروسيا (23 بالمئة)، وألمانيا (11 بالمئة)، وفرنسا (7 بالمئة)، وبريطانيا (4 بالمئة) وتليها كلّ من الصين وإيطاليا وهولندا والسويد وإسرائيل، وهذه الأخيرة طبقا لمحلل الشؤون الاستراتيجية يوسي ميلمان تسيطر على 10 بالمئة من تجارة السلاح في العالم.

وتستورد منطقة الشرق الأوسط من هذه الأسلحة نسبة 17 بالمئة، تتقدمها دول آسيا حيث تبلغ نسبة استيرادها الـ 43 بالمئة وأوروبا بنسبة 21 بالمئة. ويبلغ مجمل الإنتاج من الأسلحة الخفيفة مليار قطعة سلاح و20 مليار طلقة تقتل 500 ألف إنسان سنويا.

لكن ما يهمنا هنا، هو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اللّتان ترزحان تحت وطأة الإرهاب والانقسامات والحروب الطائفية والأهلية. فقد تمّ إنفاق 91 مليار دولار على شراء السلاح خلال العام 2013 / 2014، وهو مبلغ مرشح لأن يصل إلى 119 مليار دولار خلال العام 2014 / 2015، رغم أنّ هذا السلاح لا يذهب كله إلى الجيوش النظامية.

هذا المعلن من تجارة السلاح استيرادا وتصديرا، أي تلك التي تتم بشكل شرعي وقانوني إلى حد ما ووفقا لمعاهدة الاتجار بالأسلحة، أمّا تجارة السلاح السرية غير الشرعية والعمولات التي تحصّل من الصفقات فربما تفوق هذه الأرقام بكثير. حيث أنّ المشهد الدولي عموما، وليس الإقليمي فحسب، غارق في القتل بكل أنواع الأسلحة. إذ قال سليل شيتي، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية مؤخّرا: “إنّ كلاّ من سوريا ومالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وسريلانكا ليست سوى أمثلة قليلة عن التكلفة البشرية المروعة لتجارة الأسلحة العالمية المتهورة والغارقة في السرية”.

وأضاف شيتي محذّرا: “يتعين على قادة العالم عدم انتظار موت ملايين من البشر قبل أن يتخذوا إجراءات رادعة ويعتمدوا المعايير العالمية للسيطرة بشكل فعّال على نقل الأسلحة والاتّجار فيها”.

1 ترليون و650 مليار دولار حجم تجارة الأسلحة في العالم خلال العام 2013

نفس الأمر أكّده الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عندما قال: “إنّ غياب وجود لوائح بشأن تجارة الأسلحة في العالم من شأنه أن يؤدي إلى انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، حيث يلقى نصف مليون شخص حتفهم سنويا بسبب الأسلحة التي يتم الحصول عليها بطرق غير مشروعة واستخدامها في الإبادات الجماعية”. وأضاف : “لدينا معايير دولية تنظم كل شيء انطلاقا من القمصان مرورا بلعب الأطفال إلى الطماطم. هذا يعني أن هناك معايير مشتركة بالنسبة إلى التجارة العالمية في مجال الكراسي ذات المساند ولكن هذه المعايير غائبة في مجال التجارة العالمية للأسلحة”.

خلاصة القول، إنّ الكبار ـ-الدول الكبرى-ـ يزرعون الموت والدمار والخراب في العالم، ويعلمونه للآخرين في الدول النامية، ثم تأتي هذه الدول الكبيرة لتنتحب وتتباكي على القتلى والجرحى والدمار والتشرد الذي يطال الآلاف، في يوم واحد لا في سنة كاملة، والمؤسف في الأمر أنّ ذلك معلوم لدى الجميع، لكننا نعيش زمنا فوضويا مجنونا فُقدت فيه كل الثوابت الحضارية الكبرى والوطنية والقومية من أجل تحقيق أجندات مسمومة لن تتحقق قبل أن يطال الجميع منها سهمه من القتل والدمار.

6