تجار السوق السوداء يتحدون الإجراءات التونسية الصارمة

التونسيون يلجأون للأسواق الموازية لتوفير مستلزمات العيد، والتدابير الحكومية تفاقم متاعب المواطنين وتؤدي لنتائج عكسية.
الخميس 2018/06/07
ملاذ التونسيين الأول والأخير

تونس - يدفع غليان الأسعار الكثير من الأسر التونسية لتغيير وجهتها إلى الأسواق الموازية لتأمين الحاجات الأساسية، التي تتزايد عادة خلال شهر رمضان، في ظل ضعف قدرتها الشرائية.

واصطدم التونسيون منذ مطلع هذا العام بموجة غلاء غير مسبوقة بسبب الإجراءات الضريبية التي فرضتها الحكومة في موازنة 2018. وتزايدت متاعبهم مع اقتراب موسم الأعياد حيث يلجأ الكثير منهم إلى الأسواق البديلة لتخفيف الضغوط المالية التي تعترضهم.

وأظهرت بيانات حديثة للمعهد الوطني للاستهلاك نشرها على موقعه الإلكتروني أن نحو 77 بالمئة من التونسيين يشترون البضائع المقلدة لسعرها الرخيص.

ويقول المختصون إن هذه النسبة المرتفعة تكشف بوضوح فشل سياسة الحكومة في معركتها ضد التجارة الموازية، حيث لا تزال تتحدى كافة التدابير، التي تم إقرارها لضمها للاقتصاد الرسمي.

وكانت الحكومة قد أطلقت في مايو العام الماضي، حملة كبيرة ضد لوبيات التهريب والفساد، لكن لا توجد نتائج ملموسة تذكر حتى اليوم بسبب تجاذبات الطبقة السياسة المستمرة.

ويقر طارق بن جازية المدير العام للمعهد بصعوبة حصر نشاط السوق السوداء بشكل دقيق نظرا لصعوبة جمع الإحصائيات أو التقديرات على أرض الواقع.

77 بالمئة من التونسيين يشترون البضائع المقلدة نظرا لسعرها الرخيص، وفق المعهد الوطني للاستهلاك

وقال في تصريحات صحافية إنه “لا توجد أرقام رسمية حول حجم البضائع المقلدة بالسوق المحلية، وإنما هي مجرد تقديرات من هياكل نقابية لمؤسسات متضررة بهذه الظاهرة أو من جهات مستقلة ترصد هذه الظاهرة”.

وأكد تجار في أسواق العاصمة لـ“العرب” أن حركة البيع والشراء لا تزال بطيئة للغاية مع الاقتراب من نهاية شهر رمضان، ما جعل الحركة التجارية تشهد فتورا في محلاتهم.

ويرجع خبراء هذا العزوف الذي بات سمة في كل عام وزاد بشكل أكبر هذا العام إلى غلاء الأسعار حيث بلغ مستوى التضخم معدلات غير مسبوقة استقرت عند 7.7 بالمئة في مايو الماضي.

ويبدي تجار أسواق الملابس الجاهزة والأحذية تذمرهم من استمرار نشاط الأسواق الموازية والتي يقولون إنها أضرت بهم وعمقت من الصعوبات التي يعيشها القطاع.

ورغم قلة جودة ملابس الأسواق الموازية، لكن فئة كبيرة من التونسيين يقبلون عليها وخاصة الفئات المتوسطة والفقيرة، فهم يلجأون لشراء لوازمهم منها مع أنها تشكل خطرا على صحة أبنائهم.

ووفق بيانات معهد الاستهلاك، فإن من أبرز المنتجات المقلدة التي يلجأ إليها المواطنون، هي مواد التجميل والعطورات، إلى جانب الملابس والأقمشة ولعب الأطفال.

ومع اقتراب عيد الفطر، تشهد الأسواق المخصصة لبيع الملابس والأحذية الآسيوية المنشأ وكذلك المستعملة على غرار أسواق الحفصية وبن عروس والزهراء على سبيل المثال، ازدحاما من المواطنين الراغبين في شراء ملابس العيد بأسعار مناسبة.

طارق بن جازية: هناك صعوبة كبيرة في حصر نشاط السوق السوداء بشكل دقيق
طارق بن جازية: هناك صعوبة كبيرة في حصر نشاط السوق السوداء بشكل دقيق

وخلال جولة لـ”العرب” في تلك الأسواق وأسواق أخرى في العاصمة يرى معظم المواطنين أن الأسعار في الأسواق السوداء لا تمثل إلا مبلغا بسيطا، مقارنة بأسعار البضائع التي تباع في المحلات التجارية الكبرى.

ويقول خليل العبيدي بينما يحمل قطع من الملابس اختارها من بين أكوام الملابس المستعملة إنه الحل الأنسب في ظل “وضعنا الصعب” نظرا لكثرة المصاريف في شهر رمضان.

وتشير التقديرات إلى أن معدل إنفاق الأسرة على مستلزمات العيد يبلغ 400 دينار (155 دولار)، بينما تظهر بيانات معهد الاستهلاك أن معدل أسعار ملابس الطفل الواحد تبلغ أحيانا 200 دينار (77 دولار).

ويبدو أن متاعب التونسيين لن تنتهي قريبا بعد أن أعلنت الحكومة أنها تخطط لفرض زيادة جديدة في أسعار الوقود للمرة الثالثة هذا العام، وتجميد أجور موظفي القطاع العام.

ولم تتمكن الحكومة من إحداث اختراق في الأزمة الاقتصادية حتى الآن، والتي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى في شكل احتجاجات نقابية أو شعبية على سياسة التقشف القاسية وتباطؤ وتيرة الإصلاحات.

وعبر الكثير من المواطنين في عدة مدن عن إحباطهم الشديد إزاء غياب دلائل مقنعة على تحسن مستوى المعيشة وتوفير فرص عمل جديدة للحد من البطالة التي تجاوزت 15 بالمئة بعد سبع سنوات من الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

وأظهرت إحصائيات للبنك الدولي أن 54 بالمئة من اليد العاملة التونسية تنشط في القطاع الموازي، وهو ما يجعل من مكافحته مهمة شبه مستحيلة قد تؤدي لزيادة معدلات البطالة.

ويحذر صندوق النقد الدولي والنقابات وفي مقدمتهم الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (يوتيكا) واتحاد الشغل، أكبر نقابة في البلاد، من تنامى الاقتصاد الموازي بالبلاد.

11