تجار العملة في السوق السوداء يتجاهلون حملة البنك المركزي المصري

يبدو أن الحرب التي تشنها مصر على المتعاملين في السوق السوداء للعملة لا تؤتي ثمارها المرجوة. فبعد شهر من الخفض الحاد لقيمة الجنيه من قبل البنك المركزي، لا يزال نشاط السوق السوداء للعملات مزدهرا في المقاهي والمتاجر والمنازل.
الاثنين 2016/04/25
ثقيلة الوزن فقط

القاهرة - كان البنك يأمل في أن يؤدي خفض قيمة الجنيه بأكثر من 14 بالمئة، والحملة على مكاتب الصرافة التي تتعامل بأسعار أعلى كثيرا من السعر الرسمي، إلى تخفيف الضغوط النزولية على العملة المصرية.

غير أن الفجوة بين السعر الرسمي والأسعار في السوق السوداء باتت تتسع أكثر من أيّ وقت مضى بعدما ضاقت لفترة وجيزة بعد خفض العملة، حيث يجري تداول الدولار بسعر يزيد بنحو 20 بالمئة عن السعر الرسمي البالغ 8.78 جنيهات.

ويقول متعاملون إن الإجراءات لم تسفر إلا عن تفاقم الأزمة. ويتحاشى حائزو الدولار، النظام المالي الرسمي، ما يجعله متعطشا للعملة الصعبة، الأمر الذي يفرض مزيدا من الضغوط على الجنيه ومن المحتمل أن تكون له عواقب وخيمة على التضخم وثقة المستثمرين والنمو الاقتصادي.

وقال مصرفي طلب عدم ذكر اسمه “لم يعد أحد يبيع الدولارات للبنوك. الجميع يفضلون الذهاب إلى السوق السوداء التي ستشتري منهم بأسعار أعلى… الدولارات لم تعد تدخل النظام البنكي واحتياطات البنك المركزي لا تكفي لدعم الحاجات الاستيرادية للبلاد”.

وتواجه مصر صعوبات في استعادة النمو منذ انتفاضة 2011 وما أعقبها من اضطرابات أدّت إلى عزوف السياح والمستثمرين الأجانب، وهما مصدران مهمّان للعملة الصعبة التي تحتاجها البلاد لاستيراد سلع شتى من الوقود إلى الأغذية. والقضاء على السوق السوداء ضروري لاستعادة ثقة المستثمرين، ومواجهة خطر تآكل أرباحهم بسبب تقلبات الجنيه.

12 جنيها للدولار في السوق السوداء مقابل 8.78 جنيهات في السعر الرسمي

ويواجه المستثمرون الأجانب صعوبة بالفعل في تحويل أرباحهم بسبب هبوط الاحتياطات الأجنبية لدى البنك المركزي إلى أقل من النصف منذ 2011 لتصل إلى نحو 16.5 مليار دولار في مارس. وجعل هذا من الصعب عليهم تحويل أرباحهم بالجنيه إلى العملة الصعبة من خلال النظام البنكي.

وحتى قبل خفض قيمة الجنيه الشهر الماضي والذي صاحبه إطلاق أدوات مالية تهدف إلى جذب العملة الصعبة إلى البنوك، لجأ المركزي المصري إلى استخدام سلطة يخولها له القانون. ففي فبراير ألغى المركزي تراخيص أربع شركات صرافة لها 27 مكتبا.

ومنذ ذلك الحين لم تتحول توقعات تدفق الدولارات إلى حقيقة على أرض الواقع وأحال البنك المركزي هذا الشهر 15 شركة صرافة أخرى إلى النيابة العامة. وقال الأربعاء الماضي إنه ألغى تراخيص 9 شركات أخرى لتلاعبها بأسعار الدولار في السوق الموازية.

وقال جمال نجم نائب محافظ البنك المركزي إن قرار شطب تراخيص الشركات التسع كان بسبب “تكرار ممارساتها الخاطئة والمخلة بسوق الصرف والتي أدّت إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني وإحداث حالة من الارتباك داخل القطاعات الاقتصادية”. وأضاف أن البنك يعكف على إعداد قانون جديد قد يشدد العقوبات على المخالفين لتصل إلى السجن.

ويرى مصرفيون إن الحملة على السوق السوداء كان لها مردود عكسي، وأن الناس بدأوا يكتنزون العملة الصعبة للمضاربة على السعر. وأدّى ذلك إلى هبوط الجنيه إلى مستوى قياسي عند 12 جنيها للدولار.

جمال نجم: البنك المركزي يعكف على إعداد قانون يشدد العقوبات قد تصل إلى السجن

وأكد زياد وليد الخبير الاقتصادي في بلتون المالية قائلا “المتعاملون يضاربون على الدولار والمستوردون الذين يحتاجون الدولارات يعجزون عن الحصول عليها ويضطرون إلى شرائها من المضاربين ومن ثمّ فإن سعر السوق السوداء يضع الاقتصاد المصري في مأزق”.

وإذا جرى خفض الجنيه مرة أخرى فإن ذلك قد ينذر بانفجار التضخم وعواقب وخيمة سياسيا في بلد يعيش فيه ملايين السكان تحت خط الفقر. وذلك لا يترك للبنك المركزي سوى أدوات قليلة في جعبته.

ووصف أحد المتعاملين الوضع بأنه متأزم، في حين يسعى البنك المركزي إلى معاقبة المتعاملين بالسوق السوداء لكنه لا يملك الموارد اللازمة لمحاربتهم.

وأضاف “سنواصل العمل بحذر كما لو كنا نتاجر في المخدرات. سنحتفظ بالدولارات ولن نبيعها. من أين سيحصل البنك المركزي على الدولارات؟”.

على مسافة قريبة من أحد مكاتب الصرافة وسط القاهرة كان أحد المتعاملين يحتسي القهوة في مقهى، وهو يمارس نشاطه ويبرم صفقاته عبر الهاتف بعيدا عن أعين السلطات، وسأل متعاملا آخر “هل معك ريالات؟ سآخذ كل ما لديك” عارضا سعر السوق السوداء للعملة السعودية، وهو مثال على مدى سهولة تأقلم المتعاملين مع تشديد الرقابة.

وأكد متعاملون أنهم يعرضون الأسعار الرسمية في مكاتب الصرافة التي تخضع للرقابة الشديدة، دون إبرام أي صفقات ثم يعقدون الصفقات في المقاهي أو أيّ مكان آخر بأسعار السوق السوداء.

وقال مدير مكتب آخر للصرافة وسط القاهرة “لا أحد يشتري أو يبيع بالسعر الرسمي ولهذا فإنه عندما يغادر العملاء يجدون أشخاصا يقفون في الخارج يلاحقونهم ويعرضون عليهم شراء الدولارات بالأسعار غير الرسمية”.

وليس من الصعب ملاحقة هؤلاء الأشخاص لكن متعاملين يقولون إن من السهل رشوة ضباط مباحث الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة المسؤولة عن مكافحة التعاملات غير القانونية في العملة خارج مكاتب الصرافة.

زياد وليد: مضاربة العملات في السوق السوداء تضع الاقتصاد المصري في مأزق

وأكد 10 متعاملين يعملون أو يملكون أو يتعاونون مع مكاتب للصرافة لرويترز أن عملياتهم تسير بسلاسة بفضل الرشى والخدمات التي يقدمونها إلى ضباط الأموال العامة وموظفي البنك المركزي.

وقال أحدهم “هذا لا يقلل الأرباح” وإن فرعا واحدا للشركة التي يعمل فيها يحقق ربحا شهريا يزيد على نصف مليون دولار من التعاملات في السوق السوداء وحدها.

ولم يردّ متحدث باسم وزارة الداخلية على طلبات للتعقيب ولم يتسنّ الاتصال بالبنك المركزي، الذي ليس له ناطق رسمي، للحصول على تعليق.

ومكاتب الصرافة مرخص لها بالعمل في حجم معين من الأموال لكن معظمها له مكاتب أو شقق سكنية تمارس فيها نشاطها دون الاحتفاظ بسجلات.

وقال تاجر عملة “إذا أغلق مكتب الصرافة فإننا سنواصل العمل من الشوارع وبهذه الطريقة سيصل السعر إلى 13 أو 14 جنيها مقابل الدولار”.

وجعل الرئيس عبدالفتاح السيسي من إنعاش الاقتصاد أولوية لكنه يضع في ذهنه أيضا حماية الفقراء مع إبطاء حكومته تخفيضات في الدعم الذي يبقي أسعار بعض السلع الغذائية والوقود منخفضة لكنه يضع عبئا على الميزانية. وإذا اضطرّ البنك المركزي إلى تخفيضات متكررة في قيمة العملة لمجاراة الأسعار بالسوق السوداء فإن هذا سيكون كابوسا للسلطات التي تحاول إشاعة الاستقرار في الاقتصاد.

لكن هكذا هو الوضع الحالي حيث يعمل القطاع العام بسعر صرف رسمي منفصل تماما عن باقي الاقتصاد الذي يضطر للتعامل في السوق السوداء، الذي يتسم نشاطه بالسرعة والكفاءة.

ففي القاهرة أخرج مدير متجر للحقائب 20 ألف جنيه من مكتبه الخشبي في مقابل 2000 دولار في صفقة مع زبون لم يجد ضالته في مكتب للصرافة، يقع إلى جوار المتجر. وقد استغرقت العملية أقل من دقيقة.

11