تجار العيون الاصطناعية في الأردن يحفرون جرحا غائرا لفاقدي البصر

تجار يبتاعون العين ببضعه دنانير، ويعيدون استغلال المحتاجين لتركيبها وبيعها لهم بسعر 1200 دينار للعين الواحدة.
الجمعة 2018/09/14
الشاب وسيم ضحية الاحتيال

عمان - عطس التلميذ ياسين وهو منحنيا لتناول حقيبته المدرسية، فسقطت عينه تائهة بين الكتب، ظل الطفل ذو الأعوام السبعة منحنيا بين وجل من منظره وخجل من رفاقه في المدرسة لئلا يلحظوا حقيقة عينه الضائعة، إلى أن التقطها وأعاد وضعها في مكانها على استحياء وهو يتصبب عرقا خوفا من أن يكون احدهم قد لحظ حكايته.

تروي والدته بدموع لا تنضب لوكالة الأنباء الأردنية “بترا” قائلة، إن طفلها كان تعرّض لفقدان عينه بعيد لهوه وشقيقه في غرفتهما حين لامس عينه سلك حديدي انبثق من سلة ألعاب أطفال رديئة الصنع، غير أن فشل الأطباء في تشخيص نزيف داخلي في عينه أفقده إياها لاحقا.

عن رحلة عذابها، تقول، إن طفلها عانى علاوة عن الألم النفسي والجسدي، من مشهد عينه التي شوّهتها تجارب “تجار العيون” كما تصفهم.

هؤلاء التجار يبتاعون العين ببضعه دنانير، ويعيدون استغلال المحتاجين لتركيبها وبيعها لهم بسعر 1200 دينار للعين الواحدة، وتعلّق الأم بحزن، “يعتصرني الألم حين يسألني ابني، ماما هل أنا وحش (قبيح)؟”.

قصة ياسين ومثيلاتها فتحت ملفا وأثارت تساؤلات حول واقع العيون الاصطناعية، كشفت سوقا سوداء، وتجارة لا إنسانية يستغل عبرها تجار لبشر ضعاف فاقدي أعينهم، وحاجتهم لملء التجاويف المتأتية من انتزاع العين بعد عطبها.

يجب أن تُصّنع العين لكل مريض بشكل خاص، لا أن تشترى جاهزة وتتم تجربتها على المرضى مرارا

ويتساءل المتضررون من تنامي ظاهرة السمسرة في هذا القطاع، “من سمح لتاجر أحذية عربي الجنسية ليركّب تلك العيون للعشرات من المرضى جامعا ثروة من ألم الناس؟‍”.

وسيم (مدرس كفيف لمبصرين)، عاش تجربة أليمة بفقدانه عينيه منذ الطفولة، يركّب الآن عينين اصطناعيتين، بعد رحلة عذاب مع الهاوين والمجربين بهما، كلفته آلاف الدنانير رغم وضعه الاقتصادي المتردي.

وعدا عن ياسين ووسيم حكايات كثيرة مماثلة عن أشخاص عانوا الكثير في رحلة بحثهم عن عيون تجميلية، فهذا عريس جديد فقد عينيه جراء حادث سيارة، يقول، “لا أريد لابني أن يأتي للدنيا ويراني بلا عينين، أخاف عليه من صورتي المشوّهة إذا لم أضع مكانهما عينين اصطناعيتين، وأخشى أن يخاف مني”.

ومن روايات الناس الذين فقدوا أبصارهم سيدة غفلت عن ابنها ذي السنوات الثلاث، كان يلعب مع ديك نقر عينه ففقدها ولا تخفي حزنها وتعبها ممن حولوا عين ابنها إلى حقل تجارب، إذ تكون العين الاصطناعية اصغر من تجويف العين الحقيقية فتسقط بسهولة. ماهر الصايغ (36 سنة) يشكو أيضا من التلاعب في هذا القطاع، يقول بداية، “فقدت عيني نتيجة ضغط بها، وقررت تركيب العين الاصطناعية، ليس من أجلي فقط بل تفاديا لنظرات الشفقة”.

ركّب الصايغ عينا ابتاعها من محل للبصريات، لكن تنفيذ وضعها في مكانها غير متقن ولا معقّم، ما أدى إلى التهابها، يقول، “فقدت عيني وأخشى أن يؤثر التهابها على قوة بصر الثانية”.

وتشكو تسنيم 21 سنة من فقدانها لعينها جراء إصابتها بالمياه الزرقاء منذ الولادة، حيث خضعت لست عمليات مكلفة جدا، عدا عن معاناتها من سوء تركيب العين.

وفي جولة على عدد من مراكز البصريات، نفى بعضهم المتاجرة بالعيون الاصطناعية، فيما أكد آخرون وجود الظاهرة، واللافت تباين أسعارها من مركز لآخر، الأمر الذي يكشف غياب الرقابة في هذا الصدد، في وقت يرفض فيه بعض أصحاب تلك المراكز الاعتراف بتداولها خشية المساءلة.

رئيس المجلس العربي للعيون الاصطناعية الدكتور يحيى خريسات، يشكو من انفلات القطاع، قائلا، إن كثيرين يزاولون المهنة بلا ترخيص، وإنه يعرفهم بالاسم، وإن تاجرا عربيا لديه محل للأحذية يأتي كل فترة وأخرى إلى الأردن ويركب العيون الاصطناعية للمرضى مستغلا أوضاعهم الاقتصادية.

ضحايا تحيل تجار العيون الاصطناعية
كفيف ومدرس لمبصرين

ويشرح قائلا، إن العيون الاصطناعية هي قطعة تجميلية مصنوعة من مادة (الهوت أكرليك) وهي مادة آمنة، الهدف منها تجميلي.

ويعرّج على معاناة فاقدي بصر يشتكون من المتاجرين بهم، إذ يقول أحدهم إن تاجر عيون اصطناعية قال له “اركّب لك عينا على قدر مالك” ما يعني أنهم يريدون تصيّد الضحية، وهم بالنهاية الرابحون ماديا.

ويلفت خريسات إلى أن البعض من أصحاب محل نظارات يعلمون في هذا المجال ويقومون بتصنيع العيون في زوايا المحلات أو دورات المياه أو تحت الدرج، أي ضمن ظروف غير صحية ولا طبية مناسبة، كما أنهم ولجذب الزبائن يقومون بتصوير المرضى بطريقة الفيديو، ليكسبوا التعاطف وليستخدموهم في الدعاية لعملهم، حتى أن أحدهم استخدم طفلا ليسأله، من الذي أفقدك عينك، فيجيب الطفل “أختي”، متسائلا عن أخلاقيات المهنة، وعن مستقبل العلاقة الأسرية بين الأخ وأخته، حين ترى تسجيلا يوثق تسببها بفقدان عين أخيها.

حوالي سبعة آلاف فقدوا عيونهم في الأردن، ويحتاجون لعيون اصطناعية، وفقا لخريسات، وأن الكثير من المرضى لا يستطيعون تحمّل التكاليف، مناشدا أهل الخير إطلاق مبادرة لمساعدة كل من يحتاج لها على أن يكون هو جزءا من المبادرة ويساعد وفقا لإمكانياته.

وتؤكد جمعية المجلس العربي للعيون الاصطناعية ومقرها الأردن وهي الجمعية العربية الوحيدة أنه يجب أن تُصّنع العين لكل مريض بشكل خاص، لا أن تشترى جاهزة وتتم تجربتها على المرضى مرارا.

ويدعو خريسات، إلى ضرورة التسريع باستصدار نظام خاص بمزاولة مهنة العيون الاصطناعية منعا للغش والتدليس واستغلال الناس، ووصولا إلى حلول طبية تقوم على معايير سليمة وواضحة.

20