تجاعيد الطفولة

الأحد 2016/08/21

تخيلوا لو أنّ الإنسان يولد عجوزا هرما، أشيب الرأس، محدودب الظهر ثم يتدحرج به العمر رويدا رويدا نحو الكهولة، فالشباب والمراهقة، ثم الطفولة والرضاعة، ويزوره الموت أخيرا وقد بلغ من الصغر عتيّا.

سيعتني به أبواه حتما عند ولادته -أبواه الأصغر منه سنا طبعاـ ويقتنيان له عكازا ونظارات طبية وطاقم أسنان، ولعبا لمثل من في سنّه من حديثي الولادة، كطاولة نرد أو شيشة، أو جهاز راديو مثلا، كما يسرعان إلى إعطائه اللقاحات اللازمة التي تحميه من الكولسترول وترقق العظام وارتفاع الضغط الشرياني، يقومان على تربيته وفق أحدث المناهج، فيلاعبانه ويلقّنانه موشحات وأغاني طربيّة، ينصتان إلى حكمه ويحتفلان بعيد ميلاده مع أقرانه من العجائز، ويا لها من غبطة وهما يرقبان فلذة الكبد، يصغر أمام عيونهم، يتجاوز سنّ التقاعد، يفارق عكازه، ويلتحق بالمدرسة كي يضمن عملا لائقا في شبابه، ويؤمّن على طفولته قبل أن يشتعل رأسه سوادا، ويمسي يافعا، يلهو مع أحفاده الكبار في الحدائق، يلعب بدراجته ويطارد الفراشات الملوّنة مع المتقاعدين.

قد يبدو هذا التخيّل مثيرا لبعض المفارقات الطريفة، إلا أن المتأمل في جوهره لا يجد فيه أيّ وجه للغرابة، فكأنما أنت تعكس ساعة رملية وتستمر حبيباتها في التدفق، ذلك أنّ الزمن يمضي دون توقف، وغير عابئ بدورة الفصول لدى الإنسان والطبيعة.

لن نعود حتما إلى الوراء لمجرّد تحريك عقارب الساعة من اليمين إلى اليسار، لكنه الحنين إلى ما قبل ورطة المعرفة والرغبة في الاحتفاظ بوهم البكارة الأولى، ودون أن نعلم بأن معرفتنا الراهنة هي ماض لمعرفة سوف تأتي، فلو أسعفتنا الذاكرة لتذكّرنا في أنفسنا حنين الطفل إلى الرضيع، وحنين الرضيع إلى الجنين.. وتوق العدم إلى الوجود.

ما قيمة الطفولة إن عدت إليها بحكمة الشيخ العجوز؟ بل ما فائدة الحكمة إن ولدت معك..! إنها كمن يشتهي أن يتخيّل نفسه محاربا مع رجال سبارتكوس بسلاح “آ ربي جي”.. لأنه غير واثق من انتصاره في الوقت الراهن بذات السلاح.

قيل إن عجوزا متصابية، بلغت العشرين أربع مرات، صادفت في طريقها مصباحا سحريا، فركته طبعا، فطلع لها المارد وقبل أن يكمل الأخير جملته الشهيرة “شبيك لبيك”، قالت له “ارجع بي عشرين عاما إلى الوراء”.. وقبل أن يرتد إليها جفنها، عادت إلى سنّ الستين، لكن التجاعيد ما زالت ظاهرة وفاضحة، فطلبت أن تعود عشرين سنة أخرى، وكان لها ما تريد: سيدة ناضجة وحسناء في الأربعين، إلا أن الحنين إلى الطفولة قد استبدّ بها، فطلبت منه العودة إلى سن النضارة والبراءة الأولى، لبّى المارد ما تطمح إليه دون ممانعة، عادت طفلة على أمل أن تبدأ من جديد، لكن حمّى قلاعية من أمراض الطفولة، أصابتها فتوفيت ضحية الحنين، والطمع في تكرار الحياة، وأضاعت على نفسها متعة السن التي هي فيها.

24