تجاهل أخطاء المصابين بالتوحد نوع من العلاج

الحركات المتكررة من الأمور المعتادة لدى أشخاص تم تشخيصهم ضمن "طيف التوحد".
الخميس 2018/05/03
التوحد خلل عصبي معقد يلازم المصاب طيلة حياته

فرانكفورت (ألمانيا) - “فرشاة”، تقول إيفا. “فرشاة” يكرر آرون. “فرشااااة”، تعيد إيفا. “فرشاة” يكرر آرون. في كل مرة يردد فيها الصبي ذو الأربعة عشر عاما كلمة بطريقة صحيحة، تضغط إيفا زر عدّاد بيدها، إلى أن تصل إلى عشرين. “ممتاز″، تقول، تاركة الصبي المصاب بالتوحد ليستريح ويرفه عن نفسه لبضعة دقائق. على هذا المنوال، ساعة تلو الأخرى، كل يوم، منذ أكثر من عشر سنوات. يحظى آرون برعاية مستمرة. في الصباح مع أخصائيته الاجتماعية إيفا باسلر، بمدرسة فيلباخ، الواقعة ببلدة قريبة من شتوتغارت بألمانيا، أما في المنزل فلديه ثلاثة أخصائيين معالجين آخرين.

اليوم يأتي الدور على بياتي، لديها على لائحة المهام، أن يبقى آرون جالسا، يتذكر الأرقام ويتصل بالهاتف. يقوم الصبي بالاتصال بوالدته، الجالسة في غرفة المعيشة، ويطلب منها آيس كريم. “حالا يا حياة ماما!”، تجيبه كاتيا بلترسكي /44 عاما/، وتتجه على الفور إلى الثلاجة.

مكافأة السلوك الجيد وتجاهل السلوك غير الملائم، هما جوهر أسلوب علاج “أبلايد بيهافيور أنالايزس” (أي.بي.أي) أو “تحليل السلوك التطبيقي”، الشائع الاستخدام مع أطفال يعانون من التوحد، رغم أن المغالاة في استخدام هذا الأسلوب أثارت جدلا، ذلك أن اتهامه بأنه يجعل المصابين مستأنسين. في حالة أسرة بلترسكي، يرون أنه أسلوب يجعل الحياة أكثر سهولة بالنسبة إلى أشخاص حياتهم بالغة التعقيد.

على سبيل التوعية بالمرض، توضح منظمة “أوتيزم سبيكس” الأميركية ذات المكانة العالمية الهامة، أن التوحد عبارة عن خلل عصبي معقد، يستمر مع المريض طيلة العمر. وتصل نسبة الإصابة به إلى واحد بين كل 68 شخصا في الولايات المتحدة، فيما تبلغ النسبة بين الأطفال الذكور أربعة أمثال الإناث.

التوحد خلل عصبي واضطراب معقد تظهر أعراضه من الصغر وتلازم المصاب طيلة حياته. وفي الوقت الذي يعتقد فيه الكثير من الآباء أن المرض يتطور بالضرورة إلى الأسوأ وما من مخرج منه، أثبت الخبراء والعديد من المشرفين على مراكز رعاية المتوحدين أن الاعتناء بالمريض وتفهم حالته والتمييز بين نوباته الحقيقية وما يفتعله، تساعد كثيرا في تحسن حالته. فكلما شعر المتوحد بفعاليته وتميزه وتفهم من حوله زادت ثقته في نفسه وقبوله لفكرة التواصل

وما يزيد من صعوبة توصيف المرض أن الفروق بين ردود أفعال المصابين هائلة، إلا أن أبرزها بصفة عامة يكمن في صعوبة التواصل مع الآخرين، بالإضافة لاحتفاظهم بروتين لا يتغير في السلوك. أما أعراض الخلل فتتفاوت أيضا بين البسيطة للغاية وفي منتهى الخطورة، ومن هنا يتحدث البعض عن “اضطراب طيف التوحد” أو (تي.إي.أي) ، ومن بينه متلازمة إسبرغر، ويصاب بها الأشخاص الذين يعانون من صعوبات اجتماعية. لكن بفضل مقدرتهم الكبيرة على التركيز على جوانب بعينها، يصبحون خبراء ممتازين متخصصين في مجالهم، مثل شخصية شيلدون كوبر في مسلسل “نظرية البنغ بانغ”. يصنف آرون ضمن الحالات الخطيرة.

“أكثر من 50 بالمئة من الأشخاص في مثل حالة آرون لا يتمكنون مطلقا من تعلم الكلام، ويستعملون الحفاظات طيلة عمرهم”، توضح والدته كاتيا. تم تشخيص ابنها وهو في الثانية من عمره. “بالتأكيد في البداية كان الأمر صادما وسألت الأطباء كيف أتصرف. فنصحوني أنه من الأفضل البحث عن مركز متخصص، وهو أمر لم يخطر قط على بالي بحكم عملي كأخصائية نفسية محترفة”.

عندما بلغ الطفل السادسة، قررت منعه من استعمال الحفاظات، وهذا كان يعني أن تنظف كثيرا وأن تنام أقل. الآن وعلى الرغم من أنه بلغ الرابعة عشرة من عمره، لا يستطيع آرون إكمال جملة، ولكنه يمكن أن يقول حتى ثلاث كلمات مترابطة.

يعيش آرون مع والدته ورفيقها الجديد وشقيقتها، وفي بعض الأيام مع والده في بلدة قريبة. الصبي محاط بالرعاية على مدار ساعات اليوم الأربع والعشرين بأشخاص يتقبلونه كما هو وأصبحوا يمثلون نقطة اتصاله بالعالم الخارجي، وهو فضاء لا يرجو منه آرون وأمثاله الكثير من الفهم.

تصدر عن الغرباء ردود أفعال تتسم بالقلق عندما ينفجر مريض التوحد في نوبة عصبية أو في نوبة بكاء أو انهيارات، وذلك لشعورهم فعليا بالتداعي لحد التحلل مثل مادة تتفتت أو كتلة تنصهر، ويشبهونه أيضا بتشنجات الأطفال حين يجهشون بالبكاء ويرفسون الأرض بالأقدام، إلا أن الأمر في حالة مرضى التوحد أخطر بكثير. وينتج أحيانا بسبب مثيرات زائدة عن الحد أو بسبب الإحباط، أو بكل بساطة بسبب كلمة “لا”.

تعتبر هذه النوبات، تحديا حقيقيا بالنسبة إلى مرافقي آرون. تقول إيفا مرافقته في المدرسة لفترة تمتد من 8 إلى 15 ساعة يوميا “إنه لا يحب مطلقا كلمة لا”. بمرور الوقت تعلمت ألا آخذ هذه الانفعالات بشكل شخصي. وفقا لنظام التعليم الألماني، وصل آرون لنهائي المرحلة الإعدادية. يوجد في صفه ستة أطفال وتؤكد المدرسة أن زملاءه يحبونه، حتى عندما يغضب ويصرخ في وجوههم، أو حتى يمضي الوقت مغمغما بأصوات غير مفهومة.

الحركات المتكررة من الأمور المعتادة لدى أشخاص تم تشخيصهم ضمن “طيف التوحد”. يحدث آرون ضوضاء صوتية وحركات عصبية بيديه، ويتشنج باستمرار سواء في الكتفين أو في كل أطرافه. تقول إيفا “بمجرد أن يسترخي يصبح اليوم رائعا”.

تراجع بياتي لآرون في المنزل مساء، كل ما يدرسه ويتعلمه في المدرسة نهارا، يساعدها على ذلك باقي زميلاتها على مدار من ثلاث إلى أربع ساعات من العلاج. يعملون تحت إشراف جدول تعده والدته كاتيا كل نهاية أسبوع محدد الأهداف والمهام.

يوجد في حياة آرون عنصر علاجي آخر غير بشري، عبارة عن الكلب بادي، تم تدريبه على يد أندريا باترزك، ليكون مرافقا للأشخاص المصابين بمرض التوحد. “أسلوب التعليم، يعتمد على مكافأة الجهد الإيجابي وتشجيعه، وتجاهل الأخطاء”.

تجدر الإشارة إلى أن تقنية علاج تحليل السلوك التطبيقي طورته الولايات المتحدة في الستينات، كأحد فروع علم نفس السلوك.

ما يزيد من صعوبة توصيف المرض أن الفروق بين ردود أفعال المصابين هائلة، إلا أن أبرزها هو صعوبة التواصل مع الآخرين

ومع ذلك ترى المدونة مارليز هبنر أن هذا النوع من العلاج ينطوي على نوع من التكيف بالقوة على القواعد، مثل المنهج الذي يطبق على الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. يرغم مرضى التوحد على التكيف على نوع من السلوك يتناقض مع طبيعتهم مثل النظر في عين من يتحدث إليهم أو تقبل حركة بدنية معينه. تجدر الإشارة إلى أن احتجاج هبنر نشر العام 2016، وقد دعم حججها ستة متخصصين.

من جانبها تؤكد ماريا كامينسكي، رئيسة الجمعية الألمانية لمرضى التوحد أنه “يجب التمييز بين: هل يجب تطبيق أسلوب العلاج السلوكي بطريق التدجين اللاإنساني؟ أم أدمجها في أسلوب تربوي حنون ومتسق؟”. الغالبية العظمى من الآباء حققوا نتائج طيبة بهذه الأساليب، ومع ذلك نسبة ضئيلة يرفضونها على اعتبار أنها نوع من التدجين، على اعتبار أن المهم هو احترام آدمية وكرامة الطفل. تضيف كامينسكي أن نجلها، في الـ41 من عمره، وتلقى دورات طويلة من العلاج الفردي، وفي طفولته لم يكن يتحدث، وكان عدوانيا، وهو أمر طبيعي لدى مرضى التوحد، عندما يعجزون عن التعبير عن مشاعرهم بأسلوب آخر، أما الآن فبوسعه التعبير عن رغباته، ويمكنه حضور بعض الورش، أو التردد على صالة ديسكو برفقة أحد.

كافحت والدة آرون طويلا أمام المحاكم لكي تجبر السلطات الصحية على سداد تكلفة علاج برنامج (أي.بي.أي) الذي يتلقى جلساته مساء، وهي أمور تحدث حتى في مجتمعات فائقة التطور وتحظى بالرفاهية مثل ألمانيا. تقول كاتيا “حقيقة أنا لا أفهم، المجتمع بوسعه توفير أموال ضخمة بالاستثمار في طرق علاجية أفضل لمصابي التوحد، بدلا من الإنفاق على مراكز ومصحات إيواء لهم لكي يعيشوا بها طيلة حياتهم”.

يعمل مركز أبحاث علاج التوحد بفرانكفورت منذ عدة سنوات لمساعدة الأسر، ويتردد عليه أشخاص كثيرون ومن مختلف المناطق البعيدة. ومع تزايد الضغط، للمركز قوائم انتظار طويلة.

17