تجاهل الرعاية الذاتية يستنزف طاقة الأزواج

الاعتناء بالنفس ضروري لبناء المرونة العقلية في مواجهة الضغوط الحياتية.
الاثنين 2020/11/16
الرعاية الذاتية أولوية وليست رفاهية

يرى الكثير من الأزواج أن الرعاية الذاتية رفاهية وليست أولوية، متجاهلين أن الرعاية الذاتية أمر ضروري لكي يكون الإنسان قادرا على مراعاة احتياجات الآخرين وإسعادهم، ونتيجة لذلك يشعرون بالإرهاق والتعب وعدم الاستعداد لمواجهة تحديات الحياة.

أكد أخصائيو العلاقات الأسرية والزوجية أن الرعاية الذاتية أصبحت مصطلحا واسع الانتشار في المواضيع العصرية المتعلقة بالصحة العقلية، وقد أضحى الناس يبذلون جهدا متزايدا للحفاظ على رفاهيتهم، وتعمل الرعاية الذاتية في أحسن حالاتها على التخفيف من التوتر، واتباع أسلوب حياة صحي، وتحديد أولويات السعادة.

وتعتبر الرعاية الذاتية فعلًا واعيا يقوم به المرء لتعزيز صحته الجسدية والعقلية والعاطفية. وتم تعريفها على أنها عملية متعددة الأبعاد والأوجه للمشاركة المتعمدة في الإستراتيجيات التي تعزز الأداء الصحي والرفاهية، وهي ضرورية لبناء المرونة في مواجهة ضغوط الحياة التي لا يمكن التخلص منها.

وقالت المرشدة الأسرية الفلسطينية إباء أبوطه “عادة نعتني بشركاء حياتنا، بأطفالنا، بكل من نحبهم، لكن ماذا عن الاعتناء بذواتنا؟”.

وأشارت إلى أن “الاعتناء بالذات ليس مكافأة بل هو جزء أساسي في الحياة، فالأزواج الذين لا يعتنون بذواتهم يمضون في العلاقة الزوجية مستنزفين غير قادرين على العطاء”، لافتة إلى أن الزواج يزدهر حين يسعى كل من الزوجين لرعاية ذاته.

وأضافت موضحة أن الاعتناء بالنفس يكون من خلال وقف التشبث بالأفكار والسلوكيات التي ترهقنا وتؤثر على حياتنا، واستبدالها بأخرى تجعلنا أكثر سعادة وراحة وتوافقا مع ذواتنا.

وتابعت “قبل أن أشرح ذلك، سأقول لكم بأن الكثير من الزوجات يعتبرن أن رعاية الذات تعني أن يقدّمن مصلحتهن على مصلحة العائلة، ويجدن ذلك سلوكا أنانيا، وتنساب إليهن مشاعر تأنيب الضمير، فيما هو جزء لا يتجزأ من الرعاية العائلية”.

وأكدت أن الرعاية الذاتية تتمثل في الرعاية الذاتية الروحية، حيث أثبتت الدراسات أن الذين يمارسون طقوسا دينية يحظون بصحة نفسية أفضل، ولديهم كفاءة نفسية أعلى في مواجهة المشكلات والتحديات. ويدخل في ذلك أداء الصلاة، والدعاء، والتأمل الروحي.

كما أكدت على أهمية الرعاية الذاتية العاطفية، مشيرة إلى أن العديد من الأزواج يجهلون العناية بعواطفهم ومشاعرهم، كتقبلها وحسن التعبير عنها، والإقرار بوجودها.

عائشة الشالجي: الاهتمام بالنفس يمكن المرء من أن يكون أكثر إدراكا ووعيا
عائشة الشالجي: الاهتمام بالنفس يمكن المرء من أن يكون أكثر إدراكا ووعيا

وبينت أن أفضل طريقة لتحسين الرعاية العاطفية هي تغيير الحديث مع النفس، والذي يجعل الشريك يتعاطف مع ذاته ويدافع عنها، بالقول مثلا “من الطبيعي أن أشعر بالإحباط”، “الحزن الذي يعتريني بالتأكيد سيمنحني القوة في مواجهة الصعاب”، “لتقليل شعوري بالوحدة علي أن أقيم علاقات جيدة”.

وأشارت إلى أنه بهذه الطريقة يتمكن الشريك من دعم ذاته عاطفيا، بدل الاعتماد على شريك حياته فقط للحصول على هذا الدعم، وبهذا يكون لديه رصيد عاطفي جيد ليقدمه له.

وتشمل أيضا الرعاية الذاتية الرعاية الذاتية الجسدية، حيث وضحت أبوطه مخلوف أن الاهتمام بالنفس جسديا يحسن فعليا من وجودنا في مجالات الحياة الأخرى. ومن بين هذا النوع من الرعاية ممارسة الرياضة، وتناول الأكل الصحي وبعض الأدوية الهامة للتعافي الجسدي.

ولفتت إلى ضرورة إيلاء العناية الذاتية العقلية أهمية كبيرة، ومن أمثلة العناية الذاتية العقلية الانخراط في التعلم الذاتي وفي أنشطة تعلمنا أشياء جديدة، والعمل على إنجاز مشاريع إبداعية.

وأشارت إلى أن الإهمال الذاتي يستنزف طاقة الشريكين، وبسببه لن يكون زواجهما سعيدا، ولن يستطيع كل طرف في العلاقة الزوجية العناية بشريك حياته ما لم يبدأ بذاته أولا.

ونصحت شريك الحياة بمقاومة رغبته في أن يكون كسولا، ويمنح نفسه المزيد من الرعاية والعناية الذاتية، مشددة على ضرورة إخبار الطرف المقابل بأن عليه الاعتناء بذاته، ومساعدته على ممارسة الرياضة، وتعلم أشياء جديدة.

وقالت خبيرة الطاقة العراقية الأستاذة عائشة الشالجي إن الرعاية الذاتية تمكن المرء من أن يكون أكثر إدراكا ووعيا وتجعله أكثر تحملا لمسؤولية خياراته والدفاع عنها، كما أنها تجعله أكثر قدرة على وضع حدود لعلاقته حتى تكون علاقة سليمة تقوم على الاحترام والثقة والطاقة الايجابية العالية.

وأوضحت لـ”العرب” أن العلاقة الزوجية التي تبنى على عدم اعتناء طرفي العلاقة بأنفسهما تُستنزف فيها العلاقة الزوجية ويصبح الشريكان غير قادرين على العطاء.

وتابعت الشالجي “هناك تبادل للطاقة الإيجابية بين الزوجين يستطيع أن يمكنهما من الأخذ والعطاء ويشعرهما بالحيوية والنشاط والرفاهية. ويمكن اكتساب هذه الطاقة وتنميتها من خلال الرعاية الذاتية”.

وأشارت إلى أن “بعض العلاقات في حياتنا تستنزف طاقتنا سواء عن قصد أو دون قصد، وتترك أثرا سلبيا وتغير مسار حياتنا ونصبح غير قادرين على العطاء؛ لذلك على المرء أن ينتبه ويتخلص من الآثار السلبية التي يخلفها عدم العناية بالنفس في جميع أوجه الحياة”.

وبينت أن انعدام الرعاية الذاتية يؤثر على الصحة النفسية والجسدية والعاطفية ويسبب الإحباط ويستنزف الطاقة، وينعكس ذلك على قدرة الفرد على العطاء، مشيرة إلى أن القدرة على العطاء ترتبط بشخصية الفرد فلكل شخص شخصية مختلفة عن الآخر، ذلك أن البعض يمتلكون شخصية تسحب الطاقة وتستنزفها، وهذه الشخصية تطلب دائما النصيحة والمعلومة بشأن أصغر الأمور وتبحث دائما عمن يستمع إليها مع العلم أنها تستنزف الطاقة وتؤثر على القدرة على العطاء.

ولفتت إلى أن هناك شخصية تلوم نفسها وتجلد ذاتها وتشتكي دائما وتُسمع صوتها فقط حتى تحبط الطرف الثاني ويتأثر بالإحباط وعدم العطاء، أما الشخصية الناقدة لكل شيء فهي غير مهتمة بالطرف الثاني حتى أنها تستهزئ بأفكاره وتتجاوز الحدود، وهذه الشخصية تفتقد إلى الثقة بالنفس لذلك هي غير معطاءة ولا تتجاوب مع شريك الحياة.

العديد من الأزواج يجهلون كيفية العناية بعواطفهم ومشاعرهم، كتقبلها وحسن التعبير عنها، والإقرار بوجودها
العديد من الأزواج يجهلون كيفية العناية بعواطفهم ومشاعرهم، كتقبلها وحسن التعبير عنها، والإقرار بوجودها

وأكدت أن الشخصية المتنافسة دائمة التحدي وتتنافس على كل شيء حتى في ما يتعلق بالعطاء، أما الشخصية النمامة والحقود فتكنّ للجميع مشاعر الضغينة والغيرة، وتحكي عن الطرف الثاني في غيابه، وهذه الشخصية غير قادرة على العطاء ولا تساعد عليه وإن ساعدت فهو رياء ونفاق.

ولفتت الخبيرة العراقية إلى أن العطاء هو قضية إنسانية وتضحية، ولا علاقة له بحب الذات والتملك الأناني، ولا هدف له سوى مساعدة الآخرين، مبينة أن العطاء يرفع الطاقة الإيجابية ويكسب الإنسان المحبة واحترام الآخرين وثقتهم وينمي تماسك المجتمع، وعندما يتجاهل الإنسان الرعاية الذاتية فهو بذلك يفتقد القدرة على العطاء في علاقته الزوجية وفي محيطه الأسري والاجتماعي.

وقال أخصائيو العلاقات الأسرية إن الرعاية الذاتية هي أي نشاط يقوم به الشخص عن عمد من أجل رعاية صحته العقلية والعاطفية والجسدية، وعلى الرغم من أنه مفهوم بسيط من الناحية النظرية، إلا أنه أمر غالبا ما يتم تجاهله في العلاقات الزوجية.

وأكدوا أن الرعاية الذاتية الجيدة هي مفتاح تحسين المزاج والتقليل من التوتر بين الزوجين، لافتين إلى أنها أساس العلاقة الجيدة مع الذات ومع الآخرين، وهي بذلك ليست فعلا أنانيا.

وأشاروا إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالنظر إلى احتياجات الفرد بل هو أيضا معرفة ما يتوجّب عليه القيام به من أجل رعاية نفسه، وبالتالي القدرة على رعاية الآخرين أيضا.

وأكد الخبراء أن الإنسان عندما يهتم بعقله وجسمه وعاطفته، سيكون أكثر استعدادا ليعيش حياة أفضل وأكثر قدرة على العطاء، لافتين إلى أن الرعاية الذاتية العاطفية يمكن أن تشمل الأنشطة التي تساعد الأزواج على التعرف على مشاعرهم والتعبير عنها بشكل منتظم.

وأوضحوا أن الرعاية الذاتية تعني الاهتمام بالذات بطريقة متكاملة في شتى مناحي الحياة مع مراعاة الاعتدال في ذلك، أي الملاءمة بين الاهتمام برعاية الذات والاهتمام برعاية الآخرين.

ونبهوا إلى أنه لا يمكن اعتبار الرعاية الذاتية مصطلحا تجميليا للأنانية لأنه لا يمكن لأي شخص رعاية الآخر ما لم يكن هو قادرا على رعاية نفسه، وإذا أُجهد أحد الطرفين في العلاقة الزوجية وأهمل التعامل مع التحديات الصحية التي يواجهها مثلا فلن يكون باستطاعته العناية بشريك حياته على المدى البعيد بل سيشكل عبئا عليه في نهاية الأمر إلى درجة تتطلب منه تخصيص وقت وجهد كبيرين للعناية به.

كما أشاروا إلى أن أهمية الرعاية الذاتية تتضاعف خلال فترة التعرض لأزمات كبرى كالفترة الراهنة التي نواجه فيها أزمة فايروس كورونا الذي يشعرنا بالقلق بشكل كبير نظرًا لتأثيراته السلبية على حياتنا والتي أدت إلى توقفها بشكل كبير إلى درجة جعلتنا ندخل في فترة حجر صحي ذاتي غير مُحددة حتى يتم التوصل إلى الطريقة الفعالة لعلاج الفايروس والوقاية منه أو على الأقل التوصل إلى طريقة مؤكدة للسيطرة على انتشاره.

وعلى المستوى الأسري يمكن للرعاية الذاتية أن تمكن الزوجين من تقييم جودة علاقتهما ببعضهما البعض وبالأشخاص المقربين منهما -سواء كانوا من الأسرة أو من الأصدقاء- وتحديد كيفية تعزيز هذه العلاقات.

21