تجاهل القلق والتوتر النفسي لا يلغي وجودهما

كشفت دراسة حديثة أن التوتر الناجم عن كثرة الضغوط التي يتعرض لها الإنسان طوال اليوم يمكن أن تؤثر على أفكاره وعلى حالته النفسية والجسدية أيضا. وأكدت أن عدم الاعتراف بوجود ضغط نفسي لا يعني أنه غير موجود، فالتظاهر عكس ذلك والخروج في إجازات (أحيانا تكون طويلة) لا يشكلان حلا مجديا، فيما يرى البعض أن الحل في التخفيف من الإجهاد النفسي يكمن في الكتابة.
الأربعاء 2016/11/30
البوح للأوراق يخفف العبء

يسبب تراكم الأعمال والمسؤوليات اليومية في تعرض العديد من الناس إلى الإرهاق والتوتر النفسي، فالمجهود والمحاولات المستميتة اللذان يبذلهما البعض لإنجاز كل ما تتطلبه الواجبات المنزلية والعمل في حدود الـ24 ساعة المحدودة، قد يستنزفان الطاقة الجسدية والنفسية ويثبطان الهمّة وربما يؤديان إلى التقصير في هذه الأعمال بسبب الضغط ذاته.

وهذا ما ذهبت إليه دراسة حديثة، حيث أشارت إلى أن التوتر يدفع أغلب العاملين إلى أخذ إجازة طويلة أو قصيرة من العمل، في محاولة قد لا يكتب لها النجاح للتخفيف من حدة هذه الضغوط.

ويبدو أن ساعات اليوم الواحد التي يستنفد أغلبها في العمل، الذي يبدأ مبكرا ولا ينتهي حتى ساعة متأخرة من اليوم، لا تترك مجالا للبعض للممارسة حياتهم الاجتماعية، إضافة إلى صعوبة المحافظة على الصحة والنشاط بصورة دائمة.

وترى شارون فاربر، وهي طبيبة نفسية وباحثة أميركية مستقلة، أن الضغوط النفسية قد يكون لها جانبها المشرق والمفيد، فالقلق والإجهاد المتأتيان من وجود سقف زمني محدد لإنجاز عمل أو مهمة ما، قد يعجّلان بإنجازها في الوقت المناسب وبالطريقة المثلى والأمر ذاته ينسحب على التوتر الناجم عن محاولة اتخاذ قرار يبدو صعبا أو مستحيلا، ولعل محاولة الأشخاص التخلص من ضغط هذا التوتر وما يصاحبه من مشاعر مزعجة، هي التي تعجّل باتخاذ مثل هذا القرار.

التوتر قد يدفع بعض الأشخاص إلى إقامة علاقات عابرة الأمر الذي يضاعف من الأزمة النفسية ويأخذ صاحبها إلى مناطق محظورة

وتؤكد فاربر في عدد من مؤلفاتها، أن عدم الاعتراف بوجود ضغط نفسي لا يعني أنه غير موجود، فالتظاهر عكس ذلك أو تجاهله لا يشكلان حلا مجديا، فالتوتر والقلق اللذان نحاول أن نزيحهما عن ساعات نهارنا يمكن أن ينتظرا حتى حلول المساء ليبدأ بالتسلط على أفكارنا من جديد، وقد يجد لهما مهربا مناسبا وبيئة حاضنة وهي جسد الإنسان، فيتمثل في صورة أمراض عضوية.

وتتطرق شارون إلى قصة إحدى السيدات التي حضرت لعيادتها الخاصة في نيويورك، وكانت تعاني من القلق لمدة طويلة وكانت قد خضعت للعلاج النفسي مطولا من دون فائدة، إذ أنها لم تستمع إلى أي من النصائح الطبيبة نظرا لعدم قدرتها على اتباعها لأسباب شخصية.

لكنها بعد مرور فترة تعرضت لنوبة مرضية غير واضحة فوصلت إلى قسم الطوارئ بالمستشفى وهي تعاني من نبض سريع في القلب وضيق في التنفس وكانت هذه الأعراض مشابهة تماما لأعراض النوبة القلبية كما اعتقد الأطباء أول الأمر، إلا أن الفحص الطبي أثبت أن ما كانت تعانيه في الواقع لا علاقة له بأي علّة جسدية وأن قلبها سليم تماما.

فكل ما في الأمر أنها أصيبت بنوبة ذعر شديدة وكانت المرة الأولى التي تواجه فيها مثل هذه الحالة. فالقلق الذي كانت تعاني منه باستمرار وعدم رغبتها في التعامل معه كحالة انفعالية تنبغي معالجتهما سلوكيا ووفق آلية نفسية معينة، ثم محاولتها تجاهله (القلق) قدر الإمكان هو ما مهد الطريق للانتقال إلى مستوى أو موضع آخر ليعبّر فيه عن نفسه، وظهر هذه المرة على شكل نوبة هلع شديدة.

ويأتي التوتر والإجهاد النفسي في بعض الأحيان نتيجة ذكريات غير سارّة نحاول تجنبها من دون جدوى. وهذه الأعراض النفسية يمكنها أن تسبب أو تسهم في العديد من الأعراض الجسدية كآلام الظهر والرقبة المبرّحة، متلازمة القولون العصبي وغيرها من أمراض الجهاز الهضمي.

التوتر يأتي في بعض الأحيان نتيجة ذكريات غير سارّة، وهذه الأعراض النفسية يمكنها أن تسهم في العديد من الأعراض الجسدية

وبحسب متخصصين، فإن التوتر يمكن أن يمنع الإنسان من التعافي من المرض الجسدي أو يضاعف من آلامه، كما يقلل أو يضاعف من شهيته للطعام وقد يتسبب في مرض اضطراب الأكل القهري (متلازمة الشره القهري)، وهو اضطراب في تناول الطعام مصدره نفسي، حيث يدفع المصاب بها إلى تبني عادات أكل ضارة مثل الأكل الزائد أو التجويع الذاتي.

وفي بعض الحالات، تتسبب حالات التوتر النفسي في الرغبة في إيذاء الذات للحصول على راحة مؤقتة كما يعتقد البعض، وقد تساعد هذه الإجراءات في تخفيف حدة القلق والتوتر إلا أنها لا تلغيها.

والأكثر من ذلك ربما تتسبب في حدوث إدمان على نوعية السلوك الذي يتبناه البعض للهروب من التوتر مثل تناول العقاقير والمخدرات، ولعب القمار، والتسوق المبالغ فيه لحاجات غير ضرورية.

وقد يدفع التوتر أيضا ببعض الأشخاص إلى إقامة علاقات عابرة أو في بعض الحالات مع الشركاء الخطأ، الأمر الذي يضاعف من الأزمة النفسية لصاحبها والتي قد تأخذه في بعض الأحيان إلى مناطق محظورة لم يسبق له أن لجأ إليها، كما يمكنها أن تكون مصدرا كبيرا للمشكلات التي تستمر معه ربما لمراحل طويلة من حياته.

ومن جانبها ترى كاترين بروكس، المدير التنفيذي لمركز التطوير الوظيفي في جامعة فاندربيلت بولاية تكساس الأميركية، أن حيل طرد التوتر والقلق إذا لم تجد نفعا، فهناك حيلة غير تقليدية يمكنها أن تفعل فعل السحر وهي الكتابة، وحتى إذا لم تكن الكتابة مهنة أو عمل، فإنه حالما يبدأ المرء بالكتابة سيفاجأ بتدفق الأفكار والكلمات وقد تدفعه هذه العملية إلى عدم الرغبة في التوقف مهما كان السبب الذي يدفعه إلى الكتابة ومصدر التوتر هذا.

وتؤكد بروكس أن الكتابة تدفعنا إلى الكشف عن مشاعرنا بسهولة بدلا من محاولة إخفائها، كما تفصح عن عمق وحجم الصراحة التي سنجدها تسطر نفسها على سطح الورقة بسلاسة ويسر، لكن التوتر لن يزول بالتأكيد من المرة الأولى، إذ تتوجب علينا مواصلة الكتابة كلما شعرنا بالضيق، ومع مرور الأيام سنجد أن أفكارنا قد تغيرت وتخففنا كثيرا من حمل القلق والشعور بالضيق.

الكتابة لا تعني بالضرورة إيصال رسالة إلى الآخرين لطلب النصح، لكنها طريقة ذكية ومريحة لإطلاق صوتنا الداخلي والتعبير عن مشاعرنا وترجمتها إلى كلمات.

21