تجاهل شيوخ الفن في مصر: نكران جميل أم تجديد دماء؟

تعطل قدماء الممثلين بسبب تراجع الإنتاج الفني لا علاقة له بكبر السن.
الاثنين 2020/08/10
الفنان عبدالرحمن أبوزهرة يستنكر الجحود

هل يعترف المجال الفني بسن للتقاعد؟ وهل لا بدّ للفنان أن يستكين في عمر محدّد إلى الراحة؟ أم أن الإبداع لا يعوقه الكبر؟ أسئلة طرحت مؤخرا في الوسط الفني المصري بعد تجاهل صناع الدراما لعدد من الممثلين المكرّسين، وامتناعهم عن إسناد أدوار تليق بتاريخهم وتتواءم ومرحلتهم العمرية، الأمر الذي عدّه بعضهم إهانة لمسارهم الفني ووصفه آخرون بنكران الجميل.

ثمة وقت للراحة والتقاعد والتوقّف عن العمل للاستكانة والمراقبة، والخروج من المشهد، فطبيعة الحياة تستلزم التغيّر، وإرادة التطوّر تتطلب التجدّد، ولا ثبات لعمل ولا ديمومة لوظيفة. ويبدو ذلك طبيعيا في الوظائف التقليدية، فهناك دوما سن للتقاعد، يتوقّف فيها العامل تماما عن العمل، مفسحا مكانا لموظفين جدد يسعون إلى فرص رزق مماثلة.

غير أن الأمر يختلف كليّا عندما تكون الوظيفة مرتبطة بموهبة بعينها، فعندئذ لا تكون هناك سن محدّدة للتقاعد، ما يلوح بوضوح في مجال الفن، والذي يشهد في الآونة الأخيرة شكاوى متتالية من ممثلين مخضرمين ومكّرسين كانوا في زمن ما ملء السمع والبصر، ويرون الآن أنه يتم تجاهلهم والامتناع عن إسناد أي أعمال درامية أو سينمائية لهم، رغم قدرتهم على العطاء الفني.

كثيرون من هؤلاء أثاروا أزمة حادة في الفضائيات والصحف وعبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، بسبب ما اعتبروه تجاهلا متعمدا من منتجي الأعمال الفنية الجديدة لهم نتيجة تقدّمهم في السن، وهو ما وصفوه بنكران الجميل، وإهانة لعطائهم الإبداعي.

شكاوى متكرّرة

ليلى عزّ العرب: هناك بعض الأدوار المناسبة لممثلين قد لا تتناسب مع آخرين
ليلى عزّ العرب: هناك بعض الأدوار المناسبة لممثلين قد لا تتناسب مع آخرين

كان لافتا أن يطل الفنان عبدالرحمن أبوزهرة، البالغ من العمر ستة وثمانين عاما، شاكيا نبذه من جانب المخرجين والمنتجين وعدم الاستعانة به في أي من الأعمال الحديثة، ما دفعه إلى التصريح بأن مستوى الجحود اتسع في الوسط الفني إلى أقصى مداه، ولن يقبل مرة أخرى إهانته من خلال استعانة بعض الفنانين الكبار به كـ”ضيف شرف”.

تكرّرت الشكوى من فنان آخر كبير، هو رشوان توفيق، والبالغ من العمر سبعة وثمانين عاما، حيث أكّد في مداخلة له مع إحدى الفضائيات قبل أيام، أن هناك تصوّرا خاطئا لدى شركات الإنتاج الفني في العالم العربي، مفاده أن الفنانين غير قادرين على العطاء حال تقدّمهم في السن.

وذكر أن هذا التصوّر الخاطئ يصيب مبدعين كبارا ومتميزين بالحزن والإحباط، ما يُفضي إلى اكتئابهم ورحيلهم بائسين وحزانى.

وأكّد الفنان حسن يوسف في حوار له مع إحدى الصحف القاهرية في منتصف يوليو الماضي أن هناك قائمة من المبدعين القدامى العاطلين عن العمل لكبر السن، وتلك القائمة تتّسع بشكل مطرد، موضحا أنها تضم ممثلين محترفين عظاما مثل عزت العلايلي، ويوسف شعبان، وأحمد خليل، وغيرهم، ما بات أشبه بظاهرة خاصة تلتصق بالإنتاج الفني في الوقت الحالي.

وأوضح يوسف أن السينما العالمية تحتفي بالممثلين القدامى وتقدرهم حتى لو تجاوزت أعمارهم التسعين عاما.

وتحمل تلك القضية تصوّرا ذا شقين متعاكسين، الأول يتمثل في أن قيم الوفاء تقتضي احترام المبدعين الكبار الذين طالما أمتعوا الناس، ورد الجميل لهم ومساندتهم في سنوات شيخوختهم والاستعانة بهم بالقدر الأمثل، والاستفادة من خبراتهم، وعدم إحالتهم إلى التقاعد الإجباري.

أما الشق الثاني، فيتعلّق بضرورة إفساح المجال لوجوه جديدة حتى لو كانت تقدّم أدوارا لآباء وأجداد لنيل فرصها في التحقّق، وتجديد الدماء، والتوافق مع تغيّر أذواق الجمهور.

خبرات يجب استغلالها

حسن يوسف: تجاهل الفنانين الكبار بات متعمدا من قبل بعض المنتجين
حسن يوسف: تجاهل الفنانين الكبار بات متعمدا من قبل بعض المنتجين

يرى أنصار تشغيل قدماء الفنانين، واستمرار حضورهم في الأعمال الفنية أن الأعمال الفنية في السينما والدراما لا يمكن أن تخلو من أدوار تمثل كبار السن، لأنه يفترض أن تنقل تلك الأعمال الواقع المعيش في الحياة، بما فيه من أطفال وشباب وكهول وشيوخ.

ويشيرون إلى أن شيوخ الفن لديهم خبرات متراكمة لا يمكن نقلها إلى الأجيال الجديدة من الفنانين والفنانات، إلّا من خلال الاحتكاك المباشر عند المشاركة في التمثيل.

وفي تصوّرهم، فإن كل ممثل لديه ثروة كبيرة من الجمهور تكبر معه، والتفريط في أي ممثل صاحب جمهور يمثل تفريطا في الجمهور نفسه، وهو أفضل من الرهان على بناء جمهور جديد لوجه حديث لم يتم اختباره بعد، ويرون أن الفنان الحقيقي قادر على العطاء حتى اليوم الأخير من حياته.

في ذلك السياق يؤكّد الكاتب الصحافي المصري عباس الطرابيلي، أن فن التمثيل بشكل خاص ليس وظيفة تقليدية تخضع لقواعد وشروط غيرها من الأعمال، وأن السن تحديدا لا تشكل حاجزا ضد الإبداع.

ويقول في تصريحات خاصة لـ”العرب” إن تعمد إهمال جيل الممثلين الكبار يتجاوز في تأثيره البعد الاجتماعي الخاص بتوقف العائدات المادية لهم في سن يحتاجون فيها إلى قدر أكبر من الإنفاق، إلى بعد آخر معنوي يتمثل في الشعور بعدم الوفاء واللامبالاة أو التنمّر تجاه كبار السن، ما يمثل إشكالية نفسية تضرّ بمسيرة الفن والفنانين عموما.

حنان أبوالضياء: الأمر يتجاوز قضية الأجيال ليمتدّ إلى مشكلات إنتاجية أعمق
حنان أبوالضياء: الأمر يتجاوز قضية الأجيال ليمتدّ إلى مشكلات إنتاجية أعمق

وفي رأيه، تعدّ الظاهرة حديثة على عالم الفن في مصر، فقد سبق وأن عاصر شخصيا فنانين كثرا ظلوا في حقل التمثيل إلى ما بعد التسعين، منهم على سبيل المثال الفنان المصري الراحل عبدالوارث عسر، والذي عاش 98 عاما وظل يمثل حتى أيامه الأخيرة.

ويلفت الطرابيلي إلى أن بعض الفنانين العظام قدّموا في شيخوختهم أدوارا أهمّ وأكثر تألقا من أدوارهم التي سبق وأن قدموها وهم في ريعان شبابهم.

ويتّفق ذلك مع دراسة حديثة نشرتها جامعة واشنطن وأعدّتها مجموعة من الباحثين في مجال الابتكار بقيادة بروس وينبرغ، خلصت إلى أن الفكرة السائدة لدى الناس بأن ارتباط الإبداع بالشباب غير صحيحة.

وأكّدت الدراسة من خلال بحوث أجريت على مجموعة من المبتكرين أن ثمة مراحل عديدة يصل فيها الإبداع إلى ذروته، أولاها خلال فترة العشرينات، وثانيتها منتصف الخمسينات، والأخيرة في ما بعد دون سن محددة.

يشير البعض من النقاد، إلى أن التجدّد والتطوّر أمر عفوي يتم إدراكه بمجرد انصراف الجمهور عن نجم ما، وهو أمر محتمل وكثير الحدوث، وأن شركات الإنتاج الفني ليست مؤسسات رعاية اجتماعية وإنما كيانات تبحث عن الربح، ما يدفعها إلى العناية القصوى بكل دور مطلوب.

وفي الغالب، فإن أدوار كبار السن في السيناريوهات المكتوبة حديثا محدودة للغاية، ونادرا ما يحوزون فيها البطولة، كما أن أذواق الجمهور تتغيّر وتتبدّل، والكثير من النجوم الذين كانوا نجوما في وقت ما فقدوا بريقهم في وقت تال.

ويؤكّد سيناريست مصري، اعتذر عن ذكر اسمه استشعارا للحرج، لـ”العرب”، أن هناك أزمة حقيقية في الاستعانة بالنجوم الكبار من الفنانين في أدوار ثانوية، تتمثل في إصرارهم على التدخل في شؤون أخرى تتجاوز أداء أدوارهم، مثل قيامهم بتقييم أدوار ممثلين شباب وربما لومهم، أو محاولة توجيه المخرجين والتعامل بتعالٍ شديد مع مَن حولهم، فضلا عن إصرار بعضهم على المغالاة في تحديد أجورهم، استنادا إلى تاريخهم الفني الطويل.

ويوضّح أن معظم الطواقم الفنية في الدراما من الشباب تشعر بالحرج في أن تطلب من ممثل قديم إعادة مشهد ما أو توجيهه لتحسين أدائه، ما يجعل الحل الأمثل يتمثل في تقليل الاستعانة بقدماء الفنانين قدر الإمكان، أو اللجوء إلى ممثلي الصف الثاني والثالث، في حال الضرورة.

ويشير إلى أن المنطق التجاري البسيط يؤكّد أن شركات الإنتاج لا يمكن أن تستغني عن ممثل أو مبدع ما زال قادرا على جذب الجماهير بعطائه.

هناك أسباب أخرى تراها الناقدة الفنية حنان أبوالضياء وراء إحساس شيوخ الفن بالتجاهل والنبذ، حيث تؤكّد لـ”العرب”، أن حجم الأعمال الفنية سواء في السينما أو الدراما نفسها انخفض بشكل كبير خلال السنوات العشر الأخيرة مقارنة بما سبقها.

تراجع الإنتاج

Thumbnail

وتذكر أن هناك ممثلين كثيرين من جيلي الشباب والوسط لا تسند إليهم أي أدوار، ليس بسبب تعمّد تجاهلهم، وإنما لقلة الأعمال الفنية. الأمر هنا يتجاوز قضية الأجيال، ويمتدّ إلى مشكلات عديدة ومتنوعة تحاصر صناعتي السينما والدراما منذ عدة سنوات.

وتذكر أبوالضياء، أن إحصاء عدد المسلسلات والأفلام التي يتم إنتاجها سنويا يكشف حجم التراجع الكبير، إذ يكفي معرفة أن مصر أنتجت 33 فيلما فقط خلال 2019 وهو نصف عدد الأفلام المنتجة قبل ستين عاما، وفي سنة 1986 كان عدد الأفلام المنتجة 96 فيلما.

وتضيف أن جانبا من الأمر يتمثل في صعوبة قيام أي من شركات الإنتاج الفني بالاعتماد على ممثل من الشيوخ وحده لبطولة فيلم أو مسلسل ما، لأن ذوق المشاهدين نفسه تغيّر، ولم يعد ممكنا أن يقوم فنان واحد مثل محمود مرسي ببطولة مسلسل مثل “أبوالعلا البشري”، وهو يؤدّي فيه دور الجد.

وفي رأي الفنانة ليلى عزّ العرب، لا يوجد تجاهل متعمّد للفنانين القدامى، وإنما هناك بعض الأدوار المناسبة لممثلين قد لا تتناسب مع آخرين.

وقالت لـ”العرب”، إنها تؤمن دوما بأن هناك فرصة للتألق الفني، وكان هناك ممثلون عديدون أكثر إبداعا في أعمار متقدّمة.

من وجهة نظر نفسية، ثمة شعور دائم لدى القدامى بالتجاهل والتهميش من جانب الأجيال التالية، والأمر لا يقتصر على الفنانين أو المبدعين وإنما يمتد إلى كافة المهن.

وتؤكّد منى هاشم الخبيرة في علم النفس السلوكي لـ”العرب”، أن الشعور بتعمد التجاهل والنبذ يزداد لدى الإنسان مع التقدّم في السن، خاصة في المجتمعات التي لا تحتفي بعطاء السابقين وتكرّم شيوخ كل مهنة بشكل لائق.

وتشدّد على أن القضية تتجاوز لدى بعض كبار السن فكرة العمل من أجل العمل، وإنما تسعى إلى اعتبار العمل بحثا عن التكريم والاحتفاء الغائب في ظل عدم الظهور، وهنا فالمتقدّم في السن في أي مجال لو حصل على ما يستحق لما سعى إلى المطالبة بحقه في العمل أو الشكوى من التجاهل.

17