تجاوزات في شقق صندوق التقاعد يضر بموظفين تونسيين

مشروع تأجير الشقق للموظفين بأسعار منخفضة، الذي انطلق في سبعينات القرن الماضي، يهدف إلى توفير مسكن لائق لمحدودي الدخل من أعوان الوظيفة العمومية المنخرطين في الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية.
الأربعاء 2016/11/02
فقط مسكن لائق

تونس - تعيش الفئات المتوسطة في تونس وضعا اجتماعيا صعبا في ظل تدهور مقدرتها الشرائية ومحدودية مواردها المالية، مما جعل الحصول على مسكن أمرا عسيرا على العديد منهم وحلما بالنسبة إلى الكثيرين، وأصبحت تونس تعرف أزمة سكن تفاقمت منذ العام 2011، مع ارتفاع أسعار الشقق المعروضة للبيع وأسعار مواد البناء.

ويمكن الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية موظفي القطاع العام ممن لا يتجاوز دخلهم 1000 دينار شهريا (500 دولار) والمتزوجين أو الأرامل أو أصحاب الأمراض المستعصية، من كراء شقق تابعة له بمعلوم منخفض عن أسعار السوق.

وتضبط مذكرة الإجراءات عدد 02/2013، الصادرة بتاريخ 19 مارس 2013، والتي تحل محل قرار سابق في نفس الشأن، شروط توزيع وإسناد الشقق المعدة للكراء التابعة للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية لمنخرطيه المباشرين لوظائفهم والمرسمين بها، على ألا يكون المرشح أو قرينه يملك مسكنا شخصيا بالمحافظة المتواجدة بها الشقة التي يرغب في تسويغها، وألا تتخلد بذمته أي ديون لم تستخلص لفائدة الصندوق في آجالها.

وأعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد، منذ فترة، عن برنامج سكني لمساعدة الطبقة المتوسطة على الحصول على مسكن ضمن برنامج أطلق عليه اسم “السكن الأول”، قائلا إن الدولة ستوفر التمويل الذاتي بنحو 30 ألف دينار في شكل قرض مع 5 سنوات إمهال قبل تسديد القرض على امتداد 7 سنوات وبفائض 2 بالمئة.

ويشترط الانتفاع بهذا البرنامج أن يكون المرشح له متزوجا ويتقاضى (مع شريكه) راتبا يمثل نحو 4.5 أضعاف الأجر الأدنى المضمون في تونس (350 دينارا) وألا يتجاوز أحد الزوجين الـ40 عاما وأن يكونا متزوجين منذ أكثر من 10 سنوات، وألا تتجاوز قيمة المنزل الذي يرغبان في اقتنائه 150 ألف دينار.

وكشف عمل استقصائي نشرته وكالة تونس أفريقيا للأنباء واستند على دراسة ميدانية شملت 100 شقة من أصل 2854، عن تجاوزات لبنود عقود الكراء.

وتتضمن قائمة الانتظار لتسوغ منزل من صندوق التقاعد المئات من الموظفين الذين ينتظرون دورهم منذ سنوات. وورد خلال سنة 2015 على إدارة التصرف في الممتلكات بالصندوق 484 طلبا لتأجير شقة بمنطقة تونس الكبرى مقابل شغورات لم تتجاوز 20 شقة من أصل 2854 شقة معدة للغرض بكامل تراب الجمهورية.

34 بالمئة من شاغلي الشقق صندوق التقاعد عن طريق الكراء ليسوا من محدودي الدخل

ويحيل التباين الواضح بين الشغورات والطلبات حسب فريد صرصار، المسؤول بمصلحة التصرف في العقود وما قبل النزاع بالصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، خاصة على عدم الالتزام بمبدأ التداول على الشقق الذي ينص عليه قرار مجلس الإدارة المحدث للمشروع.

وأظهرت نتائج العمل الميداني أن كل العينة المستجوبة أكدت أنها تقيم في هذه المساكن منذ أكثر من 15 سنة، وأن 5 بالمئة من مؤجري الشقق حصلوا عليها عن طريق مؤجر أصلي و11 بالمئة أحيلت لهم من قبل الأب أو الأم.

كما كشف الاستبيان عن 16 حالة استغلت هذه الشقق من قبل غير مستحقيها أو من غير منخرطي الصندوق، أو من غير الفئات المستهدفة أساسا كالمدراء العامين بوزارات وقناصل وموظفين من مالكي منازل خاصة فخمة.

وأقر كمال شويخ، مدير إدارة التصرف بالممتلكات بالصندوق بوجود هذه التجاوزات، حيث أوضح أن عملية التأجير أو الإحالة لمستأجر آخر أحيانا من غير منخرطي الصندوق، تتم عن طريق المستأجر الأصلي، مشيرا إلى أن البعض قد يعمد إلى الاحتفاظ بالشقة مغلقة لاستغلالها لغرض ما، دون إعلام الإدارة.

وأرجع الإقبال المتزايد على هذه الشقق إلى موقعها المتميز، ومعاليم التأجير المنخفضة مقارنة بأسعار الخواص. ويبلغ معلوم كراء إحدى شقق صندوق التقاعد نصف مبلغ كراء الشقق العادية.

وبين التحقيق أن 40 بالمئة من سكان هذه الشقق، أصيلو تونس الكبرى، في حين يشترط في المنتفع عدم ملكية مسكن بذات الولاية التي يقع بها محل السكن موضوع الطلب. وتم رصد العشرات من الحالات لشاغلي الشقق في سن التقاعد أو من غير منخرطي صندوق التقاعد والحيطة الاجتماعية.

وأكدت نتائج البحث الميداني أن 26 بالمئة فقط من شاغلي هذه الشقق أجورهم أقل من ألف دينار، وأن 34 بالمئة من المتسوغين يتجاوز دخلهم الشهري هذا المبلغ.

وانطلق هذا المشروع في بدايته، في سبعينات القرن الماضي، بتسويغ المساكن القديمة التي كانت على ملك الصندوق، والتي شيدت في الفترة الاستعمارية وسط العاصمة، والبالغ عددها 52 مسكنا، ثم تطور عددها بعد ذلك ليصل حاليا إلى نحو 2800 شقة. وتستمر تجاوزات استغلال هذه الشقق، بسبب ضعف الرقابة، وقلة عدد النظار المكلفين من قبل الصندوق بالقيام على هذه الشقق والتبليغ عن أي تجاوز.

ويبلغ عدد النظار القائمين حاليا على 25 حيا تابعا للصندوق، 13 ناظرا، ينتظر أن يتعزز قريبا بخمسة آخرين. وينظم الصندوق حملات مراقبة بالتجمعات السكنية، مرة كل أربع أو خمس سنوات، أو بحي معين إثر ورود شكاوى يثبتها ناظر الحي.

وتتعهد إدارة النزاعات سنويا بنحو 60 قضية ضد ساكنين مخالفين، وتراجعت هذه النسبة منذ 2011 لتصل إلى 20 قضية في السنة، بسبب نقص الرقابة، حسب ياسين بوبكر مسؤول بإدارة النزاعات بالصندوق. وبين أن الإدارة تولت خلال سنة 2015 تنفيذ 18 حكما بإخلاء المحل السكني بسبب ثبوت التجاوزات. وأوضح المسؤول بإدارة النزاعات بصندوق التقاعد أن غياب التنسيق مع الإدارات الأخرى خاصة البنك المركزي بهدف تحديد هوية المستأجرين المنتفعين بقروض سكنية، ومع إدارة الملكية العقارية والوكالة العقارية للسكنى للحصول على قائمة المنخرطين الذين امتلكوا منازل خاصة أو أراضي سكنية، حال دون اضطلاع الصندوق بدوره في المراقبة.

وقال الرئيس المدير العام الجديد للصندوق عماد التركي إن الصندوق قد انطلق في متابعة وضعية هذه المساكن وسينسق مع الإدارات العمومية الأخرى.

وكشف آخر إحصاء للسكان في تونس أن عدد الوحدات السكنية بلغت إلى حدود العام 2014 ثلاثة ملايين وحدة، وأن 15 بالمئة من السكان لا يمكنهم الحصول على مسكن.

4