تجاوز ثقافة الحريم

لا يمكننا مواجهة النزعة الأخلاقوية المتسلطة والتحرر من قبضتها الظالمة في غياب منظومة قانونية حديثة تتجاوز الأديان والأعراف والمذاهب. منظومة تردع كل من تسول له نفسه الأمارة بالقوامة أن يكون وصيا على حياة المرأة.
السبت 2018/03/10
المرأة لم تسلم حتى من علماء الدين الإصلاحيين

في زمن تؤتمن فيه كريستين لاغارد على بيت مال العالم في صندوق النقد الدولي لتتولى تسيير شؤون الدنيا الاقتصادية والمالية، وفي زمن يضع فيه الألمان ثقتهم للمرة الرابعة في المستشارة أنجيلا ميركل، وفي وقت يضع فيه الفرنسيون أمنهم بين يدي فلورنس بارلي كوزيرة دفاع وغيرهن من النساء المتبوّئات لمناصب حساسة في العالم الآخر. تخرج علينا كائنات آتية من أغوار الماضي بأبله الفتاوى وأسخف الأفكار. فرغم كل المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها بلادنا، يحاول بعض المرضى بالتراث وكتبه الصفراء أن يؤبّدوا ثقافة الحريم في وجدان المجتمع الجمعي.

هنا يُزوّج أب طفلته لكائن بلغ من العمر أرذله. ويتخاصم الذكور إلى اليوم في مسألة جواز قيادة المرأة للسيارة، بينما تقود نساء مصائر أمم كاملة في أنحاء أخرى من العالم. وهاهم البعض من أشباه الرجال في بلدان عربية كثيرة يتحرشون بالنساء في الشوارع وفي وسائل النقل دون حياء. وفي إيحاء جنسوي منع بعض كهنة العراق الجدد بيع المرأة للخيار.

لم تسلم المرأة العربية حتى من علماء الدين المحسوبين على الإصلاحيين، فها هو من يعتبره البعض من رموز السلفية المجددة في المغرب، وهو الشيخ محمد بن عبدالرحمن المغراوي، يفتي بصحّة تزويج المرأة في سن التاسعة، موضّحا أن هذا الأمر المستقبح من طرف العلمانيين ووسائل الإعلام وارد في حديث نبوي في أهم مصادر الإسلام وأصحها، وهو صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم. وكان من يرأس جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة بمراكش، قد أكد في فتوى سابقة أنه “متى كانت فيك إمكانية لتحمل الرجل فتُزوجين على أي سن كنت، باستثناء سنواتك الصغيرة جدا”.

وأضاف فقيه الغريزة “لكن قد تظهرين في سنّ العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة ويكون لك جسم وعقل وبنية ومؤهّلات تمكّنك من الزواج، فهذا أمر شهدناه وعرفناه وسمعنا به وحدّثنا به أنّ بنات التسعة لهن من القدرة على النكاح ما للكبيرات من بنات العشرينات فما فوق، فهذا لا إشكال فيه”.

إذا بقينا لهم من التابعين، قد يبحر بنا أئمة وفقهاء البلوغ العقائدي في بحور ظلام لن نخرج منها إلى أبد الآبدين.

غير بعيد عن المغرب الأقصى، رفض رئيس جمعية العلماء المسلمين والوزير الأسبق للشؤون الدينية في الجزائر دعوة منظمة حقوقية لتشديد العقوبة على من يرفع يده على المرأة، معتمدا كالمغراوي على النصوص الدينية، مؤكدا أن الحقوقيين ليسوا أرحم بالمرأة من خالقها الـذي ذكر كلمة الضرب في القرآن في معرض تأديبها إن كنـت ناشزا. ولـم يكتف عبدالرحمن شيبان بذلك فحسب، بل ادعى أن دراسات نفسية كثيرة أكدت أن المرأة تتلذذ بضرب زوجها لها.

“لئن كان ضرب المرأة أمرا حلالا من الناحية الشرعية إذ يمكن تأديبها بضرب غير مبرح ودون ضرر، فإنه لا يجوز من الناحية السياسية، يقول الشيخ، وذلك ليس رحمة بها، بل لأنّ ذلك، سيشوه الإسلام وسيلصق به تهم العنف والعدوانية”. وكأنّ الشيخ يقول لمن نصبوا أنفسهم أولياء أمر المرأة “مَتّعهنّ ضربا بعيدا عن أعين الكفار”.

لكن حتى في الغرب، بعيدا عن أرض الشريعة، يلاحق الفقه المعادي لأنوثة المرأة ويحاول تكفينها في حجاب أو جلباب أو غيرهما من أكياس التنميط والاستنساخ. ونرى اليوم في عواصم أوروبا بعض النسوة يسدلن الظلام على الضياء ويغيب الصبح منهن تحت ليل.

وفي فرنسا يمكن أن يقتني الزوج المسلم كتاب الداعية يوسف القرضاوي “الحلال والحرام في الإسلام”، ليتعلم كيف ولماذا يحق له أن يضربك؟ “باليد، دون سوط، والامتناع عن ضرب الوجه”.

لا يمكننا مواجهة النزعة الأخلاقوية المتسلطة والتحرر من قبضتها الظالمة في غياب منظومة قانونية حديثة تتجاوز الأديان والأعراف والمذاهب، عمليا كان أو نظريا. منظومة تردع كل من تسول له نفسه الأمارة بالقوامة أن يكون وصيا على حياة المرأة. انتفضي سيدتي لقد تجاوز الظالمون المدى.

9