تجدد الجدل حول العربية بعد إدراجها رسميا في المدارس الفرنسية

تعليم لغة عربية محايدة تعتبر فرصة مناسبة لفرنسا يُمكن أن تُكسبها فوائد جديدة، منها تخريج كفاءات تُساعدها في المجالات الثقافية والاقتصادية والدبلوماسية.
الثلاثاء 2018/09/18
حاجة للتعرف على الأصول

عاد الجدل حول تدريس اللغة العربية في المدارس الفرنسية من جديد في أعقاب تنديد اليمين السيادي واليمين المتطرف في فرنسا، بترحيب وزير التربية الفرنسي ميشال بلانكير منذ أيام بتقرير لمعهد “مونتانيه” يقترح إعادة تدريس اللغة العربية في المدارس الفرنسية بهدف التصدّي للتطرّف.

باريس- أكد وزير التربية الفرنسي ميشال بلانكير أن العربية “لغة مهمة جدا على غرار لغات وحضارات أخرى” مثل الصينية والروسية ويجب “تنميتها” و”إعطاؤها مكانتها”.

وحذر تقرير معهد “مونتانيه” المذكور من أنّ السلفيين “يكسبون مواقع داخل الجالية المُسلمة” في فرنسا، خصوصا “الشبان دون 35 عاما”، ودعا إلى امتلاك “وسائل وشبكات مُهمّة لبث خطاب مُضاد” للأفكار السلفية. واقترح لذلك “إعادة دفع تعليم اللغة العربية” في المدارس العامة الفرنسية مُشيرا إلى أنّ “عدد الطلاب الذين يتعلمون اللغة العربية في الإعدادي والثانوي تراجع إلى النصف”، وفي المقابل “تضاعف عشر مرات في المساجد”.

ويقول مدير معهد العالم العربي في باريس مُعجب الزهراني في حديث لـ”العرب” إنّ موضوع تدريس اللغة العربية في فرنسا كان قد طرح منذ فترة طويلة نسبيا، وهو موضوع مثير للجدل، وللتوتر السياسي على مستوى عال جدا، وذلك أمر مُبرّر ومفهوم حين تُذكر العلاقات التاريخية والإشكالية لفرنسا مع دول المغرب العربي وخاصة الجزائر.

ويرى الزهراني أنّ الطرح الإيجابي لوزير التعليم الفرنسي وجه بمبالغة وتشدّد من قبل بعض الجهات السياسية المعروفة، موضحا نّ تعليم اللغة العربية أمر مطلوب ومُلح في فرنسا، من وجهة نظر أكاديمية، لعدّة أسباب أهمها؛ أن هناك 6 ملايين مواطن فرنسي من أصول عربية ومسلمة، ثقافتهم الأصلية عربية، وبالتالي فإنّ تعليم العربية في بعض المستويات الدراسية يعد حقا مشروعا لأبناء الجيلين الثاني والثالث من هؤلاء المُهاجرين، قائلا “ليس هناك تنازل من الحكومة الفرنسية بل هو حق يُعطى لأصحابه”.

د.معجب الزهراني: نناشد تعليم لغة الضاد في فرنسا، كلغة حضارة وليست كلغة دين
د.معجب الزهراني: نناشد تعليم لغة الضاد في فرنسا، كلغة حضارة وليست كلغة دين

ويسهم تعليم اللغة العربية بالنسبة للأجيال اللاحقة في ما يُسمى بتوازن الشخصية بالمعنى العميق للكلمة، فهؤلاء يعيشون ويكبرون في بيئات أهلهم وبما يُذكرهم على الدوام بهوياتهم العربية والإسلامية، وحينما يُحرمون من تعلم لغتهم يشعرون بنوع من الغُبن والظلم، كأنهم يُحرمون من ملابسهم وطعامهم التقليدي، وهذا ما يُسبب التوتر بين الشباب ويخلق التنافر لديهم بين الهوية الفرنسية التي نشأوا بها وهويتهم الأصلية.

ويؤكد الزهراني أن “تعليم اللغة العربية يخلق إذا التوازن والشخصية الإيجابية”، خاصة وأن البعض من جيل الشباب يعود لزيارة بلده الأصلي ويتأثر به بشدّة، لذلك فإنّ مُراعاة المستوى الذهني أمر مُهم جدا.

وهناك الجانب الاقتصادي المُهم، فمن خلال تعاملات فرنسا مع دول شمال أفريقيا ومصر وغيرها، كونها كانت شريكا لها حتى قبل فترة الاستعمار، فإنّ تعليم العربية يؤدي إلى تواصل أفضل وأكثر تأثيرا.

وفي المقابل هناك دول تنفق الملايين لتعليم لغتها كالصينية والروسية وغيرهما. واليوم هناك شركات كبرى مثل توتال ومؤسسات رسمية كالخارجية الفرنسية تحتاج لموظفين يُتقنون العربية بطلاقة، وعلى سبيل المثال السفير الفرنسي في الرياض الذي يحفظ الشعر أيضا، والذي أدّى عمله بكفاءة، لأن التواصل مع بعض الدول يُصبح أفضل بكثير عند التحدث بلغة أهلها.

واستنتج مدير معهد العالم العربي أن الحرمان من حق تعلم العربية وعدم تبني سياسة رسمية، هو ما يُساهم في تفاقم خطر تشكيل توجهات الشباب عبر المساجد وفق آراء غير مناسبة.

ويكتسي تعليم لغة عربية محايدة أهمية بالغة في هذا السياق، وهي فرصة مناسبة لفرنسا يُمكن أن تُكسبها فوائد جديدة، منها تخريج كفاءات تُساعدها في المجالات الثقافية والاقتصادية والدبلوماسية.

أما في ما يخص تعليم اللغة العربية في المساجد، وأثره على استقطاب الشباب لاتجاهات وميول إسلامية وسياسية معينة، فيؤكد الزهراني أنه إذا اتخذ القرار بتعليم اللغة العربية في المدارس فلن يُطرح تعليمها في المساجد بعد ذلك.

 ويوضح أنّ معهد العالم العربي يضمّ مركزا لتعليم اللغة العربية هو مركز اللغة والحضارة، وقد تمكن منذ تأسيسه إلى اليوم من تعليم 30 ألف شخص اللغة العربية. وتتوزع أنشطة مركز اللغة والحضارة في معهد العالم العربي على 3 برامج وأهداف أساسية، وهي:

- تعليم الأطفال وكل من يرغب من كافة الفئات العُمرية اللغة العربية على أيدي أفضل الكفاءات.

- إعداد مناهج لغوية عربية خاصة تخضع للمعايير الأوروبية الموحدة في تعليم اللغات، كلغة مُحايدة دينيا وعرقيا وجنسيا وسياسيا.

منح شهادة تقييم المستوى في اللغة العربية، بحيث تكون مُعتمدة في كافة المؤسسات وجميع الدول، إذ أنّه حتى اليوم لا توجد جهة مرجعية مُعتمدة لذلك على غرار شهادات تعليم اللغتين الإنكليزية والفرنسية، حتى الأزهر والجامعات ومؤسسات التعليم في العالم العربي لا تُصدر مثل هذه الشهادة. ويأمل المعهد العالم العربي في أن يكون الجهة المرجعية لذلك.

ويحتفي معهد العالم العربي في كلّ عام بتنظيم فعاليات على مدى أسبوع كامل بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية (18 ديسمبر) بمشاركة الأطفال على وجه الخصوص، حيث يُقدّمون أناشيدهم في باريس باللغة العربية الفصحى بإتقان كبير على المسرح بمُصاحبة الموسيقى إلى جانب العديد من الفعاليات.

ويوجّه مدير معهد العالم العربي في باريس رسالة لدعم مركز اللغة والحضارة في المعهد كعمل حضاري وواجب لتعزيز جهود تعليم اللغة العربية في باريس، مُناشدا المسؤولين والمؤسسات الثقافية العربية التي تهتم بالعربية كلغة حضارة، وليست فقط كلغة دين. ويوضح أنّ المركز قد تلقى دعما لميزانية 2019 من قبل حاكم إمارة الشارقة في دولة الإمارات تعزيزا لتعليم اللغة العربية في فرنسا. وباشرت وزارة التربية والتعليم خطوات إدراج اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج الدراسية الفرنسية هذا الموسم -2018 2019، وسط جدل مُستمر في الأوساط النيابية والإعلامية الفرنسية، وبالتالي، أصبح بإمكان طلبة كافة المدارس الفرنسية الرسمية اختيار اللغة العربية للدراسة كلغة أجنبية ثانية، بنفس المستوى مع كلّ من اللغتين الإسبانية والإيطالية التي يتم تدريسهما منذ عقود، فيما يتم تدريس اللغة الفرنسية بشكل إجباري لجميع الجنسيات، وكذلك اللغة الإنكليزية أو الألمانية كلغة أجنبية أولى.

ورغم معارضة نوّاب اليمين الفرنسي، إلا أنّ وزارة التربية والتعليم في فرنسا اتخذت قرارها النهائي، مُعتبرة أنّ تعليم اللغة العربية يصب في جهود وخطوات اندماج الجاليات العربية في المجتمع الفرنسي، فضلا عن إتاحة الفرصة لمن يرغب من الفرنسيين وغيرهم بدراسة اللغة العربية.

17