تجدد الجدل حول سيطرة المتشددين على المساجد في تونس

أقرت وزارة الشؤون الدينية في تونس أنها تعاني نقصا في الإمكانيات المالية والبشرية ما عرقل جهودها بشأن رقابة المساجد وحمايتها من المتطرفين. ويفرض الوضع في تونس، خاصة مع استمرار تهديد الجماعات الإسلامية المسلحة، مضاعفة الجهود لكشف سبل تمكن الفكر الظلامي من الشباب ولتعزيز استراتيجية الحكومة في القضاء على الإرهاب.
الجمعة 2017/07/28
روح الاعتدال تنتصر

تونس - عادت مسألة الرقابة على المساجد وحمايتها من التطرف وسيطرة المتشددين إلى دائرة الجدل في تونس. وأكد وزير الشؤون الدينية أحمد عظوم، خلال جلسة استماع له الأربعاء بلجنة التحقيق البرلمانية في شبكات التسفير إلى بؤر التوتر، أن “وزارة الشؤون الدينية تفتقر إلى الإمكانيات البشرية والمادية مما يجعلها غير قادرة على مراقبة جميع المساجد في كل مناطق البلاد”.

وتسعى اللجنة البرلمانية إلى كشف الأطراف التي تقف وراء تسهيل سبل السفر إلى بلدان تعيش اضطرابات أمنية، خاصة ليبيا وسوريا والعراق، بسبب نشاط تنظيمات متشددة بها صنفتها دول عديدة “إرهابية” وعلى رأسها تنظيما داعش والقاعدة.

وحملت لجنة التحقيق في شبكات التسفير جمعيات خيرية ذات صبغة دعوية، تشكلت عقب اندلاع ثورة يناير عام 2011، مسؤولية دعوة رجال دين متشددين من الخارج بهدف التحريض على التطرف ودعوة الشباب إلى الانضمام إلى صفوف المقاتلين في سوريا مثلا.

وقال عظوم إن “عدد المساجد المبنية دون ترخيص رسمي يقدر بـ40 مسجدا، إذ تتفاوض الوزارة بشأنها في الوقت الراهن”. وأوضح أن “بقية المساجد حاليا تحت سيطرة الوزارة”، لافتا إلى أن “الوزارة لا تتردد أبدا في تنحية أئمة عينتهم إذا تبين لها أن خطبهم متشددة ويدعون إلى الجهاد في سوريا”.

وكانت البعض من المساجد تعمل دون تراخيص رسمية. وتم إغلاق أغلبها نظرا لاستحالة تسوية وضعيتها، سواء لأنها مبنية على أراض عمومية أو محل نزاع. وتم السماح للبقية بمواصلة العمل مع اشتراط تسوية وضعيتها القانونية وتعيين أئمة من وزارة الشؤون الدينية.

وأكد أن الوزارة ليست مسؤولة عن الطلبة الذين يسافرون للدراسة في الخارج ويعودون ربما بفكر متطرف. وبين في هذا السياق أن “إرسال بعثات الأئمة والوعاظ إلى الخارج يمر عبر قنوات رسمية أي عن طريق وزارة الشؤون الخارجية ووزارة العدل”.

وتسعى وزارة الشؤون الدينية في تونس إلى استعادة سيطرتها على الأماكن الدينية التي وقع البعض منها في قبضة متشددين منذ الإطاحة بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

ومن بين المهام التي تتكفل بها وزارة الشؤون الدينية، وفقا لما ينص عليه القانون التونسي في ما يتعلق بدور العبادة والمساجد، ”الإشراف على مسؤولي التفقد والإرشاد الديني والمكلفين بالإمامة والشيوخ والقائمين بشؤون المساجد”.

وبين عظوم أن الوزارة لا يمكنها عمليا مراقبة أكثر من 5000 جامع، من بينها حوالي 4000 جامع تؤمن صلاة الجمعة، بـ580 واعظا دينيا فقط خاصة المساجد الموجودة في المناطق النائية والجبلية.

أحمد عظوم: كل مسجد فيه موظف من وزارة الشؤون الدينية يعتبر تحت السيطرة

وأشار إلى أن الوزارة تعول على المعلومات التي تتلقاها من المواطنين حيث تتحرى منها وإذا تأكد صدقها تتخذ الإجراءات اللازمة.

وأوضح عظوم، لـ”العرب”، “أقصد من خلال تصريحاتي أمام البرلمان المراقبة بالمعني الإيجابي وليس السلبي فحين نراقب الخطاب الديني نسعى لمعرفة طبيعته ومدى ملاءمته للدستور”.

ولفت عظوم إلى أن “وزارة الشؤون الدينية لها ثقة في أئمتها”، مشيرا إلى أن كل شخص يبتعد عن الحياد “يكون لنا علم به وواجبنا الوطني والحضاري التفطن إلى كل من يحاول نشر الخطاب التكفيري”. وأكد أن الغاية من المراقبة أن “تكون المساجد منارة ومثالا يحتذى لنشر الخطاب الإسلامي المعتدل القائم على التسامح

والوسطية”.

وشدد عظوم على أنه “نستطيع أن نقول إن مساجدنا اليوم تحت سيطرة الدولة من خلال الأئمة الذين تعينهم الوزارة إضافة إلى المكلفين بشؤون المسجد فكل مسجد فيه موظف حكومي يعتبر معلما تحت السيطرة”.

ووجهت انتقادات شديدة للسلطات التونسية في السنوات الأخيرة بسبب تحول المساجد إلى أحد أبرز الأماكن التي يتم فيها استقطاب الشباب نحو الفكر المتطرف وتجنيدهم لصالح مجموعات تستغلهم في مخططات إرهابية، ويكمن السبب في غياب سيطرة الدولة على الخطباء والأئمة بمساجد تونس.

ولفت علية العلاني الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، لـ”العرب”، إلى أن “تصريحات عظوم تثير من جديد مسألة سيطرة الوزارة على المساجد”. وتساءل العلاني “هل أن السيطرة تكون في مراقبة الخطاب المتطرف لدى البعض من الأئمة أم في مراقبة كل ما يتعلق بالمساجد من كتب ومنشورات”.

وأكد العلاني “ضرورة تشديد الرقابة على كل ما من شأنه أن يخل بالأمن الروحي والفكري والمادي داخل المساجد من خلال تخصيص الحكومة ميزانية إضافية ليست كبيرة تسمح بتعويض الكتب المتطرف بكتب معتدلة”.

وأضاف “يجب أن تنتهج الوزارة سياسة أمنية جديدة في المساجد تحميها من كل المواقف التي يمكن أن تضرب الاستقرار الأمني والديني في البلاد”. وشدد على ضرورة قيام الوزارة بحملة إعلامية للتنبيه إلى خطورة المظاهر المخلة بالاعتدال الديني وتكليف الوعاظ والأئمة بتوعية الأشخاص الذين يعملون معهم في هذا المجال.

وأطلقت وزارة الشؤون الدينية العام الماضي حملة وطنية بعنوان ”غدا سيكون أفضل” من أجل التصدي للإرهاب. وتضمنت الحملة إحداث بوابة إلكترونية للتواصل مع الشباب وتنظيم لقاءات ونشر خطب ودروس توعية داخل المساجد ودور الثقافة تعتمد على المنهج المعتدل لمواجهة خطر انتشار الفكر التكفيري.

وأثارت العمليات الإرهابية في تونس في السنوات الأخيرة مخاوف الحكومة التونسية، ما جعلها تعيد ترتيب أولوياتها لتضع التصدي للإرهاب على رأس قائمتها.

4