تجديد الإقامة السياحية في مصر.. تضييق على الأجانب لتتبع الإرهاب

شهدت مصر في السنوات الأخيرة جملة من العمليات الإرهابية، كان لها أثرها الكبير على عدة قطاعات حيوية في البلاد. ومع استمرار المخاوف من تكرار هذه العمليات بسبب التوتر الكبير في عدد من المناطق الحدودية، يقوم الأمن المصري ببعض الإجراءات على أكثر من صعيد بهدف محاصرة الإرهاب. ولكن يبدو أن قرار وزارة الداخلية القاضي بإلزام الأجانب المقيمين بمغادرة الأراضي المصرية والعودة إلى بلادهم، ولو لمدة يوم واحد، ثم العودة لمصر مجددا، حتى يتمكنوا من تجديد تأشيرات الإقامة السياحية، لا يلاقي رضا كل المصريين وتحديدا العاملين في قطاع السياحة.
الاثنين 2016/02/15
هل هناك المزيد من الإجراءات لدفع من تبقوا إلى الهرب

القاهرة- تسببت العمليات الإرهابية التي تشهدها مصر بين حين وآخر، كذلك وجود تنظيم داعش في ليبيا وبالقرب من حدودها الغربية وعدم استقرار الأوضاع الأمنية في سيناء شرقا، في اتخاذ جملة إجراءات أكثر حزما للتعامل مع الأجانب المقيمين بها.

مع بداية الشهر الجاري، شدّدت مصلحة الجوازات والهجرة (المعنية بإقامة الأجانب) في مصر إجراءات منح تأشيرات الإقامة السياحية، وألزمت الأجانب على مغادرة الأراضي المصرية والعودة لبلادهم ولو لمدة يوم واحد، ثم العودة لمصر مجددا، حتى يتمكنوا من تجديد تأشيرات الإقامة. وتستخرج تأشيرات الإقامة السياحية لمدة أقصاها سنة واحدة قابلة للتجديد، ويرخص بها للسياحة أو الزيارة أو العلاج. وقال ثروت عجمي، رئيس غرفة شركات السياحة بمحافظة الأقصر، إن المحافظة بها أكثر من خمسة آلاف سائح مقيم من إجمالي 10 آلاف مقيم على الأراضي المصرية، وقد انتاب الغضب بعضهم بعد علمهم بتفعيل القرار بداية من هذا الشهر.

إجراءات صارمة

الإجراءات الجديدة وإن واجهت اعتراضات من قبل بعض العاملين في مجال السياحة، الذي يعاني ركودا في الفترة الحالية عقب حادث تفجير الطائرة الروسية في نهاية أكتوبر الماضي، إلا أن المعنيين بالجانب الأمني اعتبروها خطوة أولى للحد من وقوع عمليات إرهابية خلال الفترة المقبلة.

السياح الذين يرغبون في الإقامة بمصر لمدة تزيد عن ستة أشهر يكون هدفهم العمل وليس السياحة

وقال مصدر أمني لـ”العرب” إن وزارة الداخلية المصرية بدأت في اتخاذ إجراءات لتجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن أصحاب الجنسيات الأجنبية المتواجدين في مصر بصورة غير شرعية. وأكد أن الإجراءات ستشمل القيام بحملات أمنية على المناطق التي تتواجد بها جنسيات أجنبية للتأكد من قانونية وجودهم، مع مراعاة أنها لن تستهدف الفارين (اللاجئين) من الأوضاع الأمنية في بلدانهم. وازداد الهاجس الأمني من تورط أجانب في عمليات إرهابية على الأراضي المصرية خلال العام الماضي بعد مبايعة تنظيم أنصار بيت المقدس بسيناء لتنظيم “داعش”.

مع تزايد العمليات الإرهابية النوعية قبل أيام من ذكرى الثورة الخامسة في شهر يناير الماضي، كثفت قوات الأمن المصرية من حملاتها على المناطق التي تتواجد بها أعداد كبيرة من الأجانب.

محمد نور الدين، مساعد وزير الداخلية المصري السابق قال لـ”العرب”، إن عدم استقرار الأوضاع الأمنية على حدود مصر الشرقية مع قطاع غزة، والغربية مع ليبيا، دفع الأمن المصري لتطبيق الإجراءات الجديدة. وأشار إلى أن مصر تواجه حربا شرسة مع عصابات تهريب العناصر الإرهابية إلى داخل البلاد، مضيفا أن إحكام تنظيم داعش سيطرته على مدينة سرت الليبية ومن قبلها مدينة درنة، ووصول معلومات تفيد بإرسال التنظيم عناصر أجنبية إلى مصر، كان من أهم دوافع القرار الجديد.

وينضم إلى تنظيم داعش مقاتلون ينتمون إلى 27 جنسية (من آسيا وأفريقيا وأوروبا) ما يصعب من مهمة قوات الأمن المصرية التي تتولي مراقبة الحدود المصرية الليبية، التي تمتد على طول 1940 كيلومترا، وبعمق يزيد على 800 كيلومتر، وتضم جبالا وصحارى وتمتد فيها الصحراء الغربية، التي طالما اعتبرت معبرا لتهريب السلاح، خصوصا بعد سقوط نظام القذافي.

وقال مراقبون إن الأوضاع على الحدود الشرقية مع قطاع غزة لا تختلف كثيرا، فرغم عمليات إغراق الأنفاق التي يقوم بها الجيش المصري منذ عام 2013، وإقامة منطقة حدودية عازلة في رفح، إلا أن هاجس تسلل الإرهابيين إلى سيناء مازال موجودا. وبالتزامن مع هذا يواجه الأمن المصري تزايد توافد الأجانب من بلدان شرق آسيا بطرق غير شرعية.

عدم استقرار المناطق الحدودية يثير مخاوف الأمن المصري

وقال اللواء محمد صادق، وكيل جهاز الأمن الوطني سابقا، إن هذا التزايد بدأ منذ عام 2013 وهي الفترة التي شهدت انفلاتا أمنيا عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، مشيرا إلى أن الداخلية المصرية حينما فحصت بيانات الوافدين وجدت أنهم حصلوا على تأشيرات سياحية، لكن بعضهم يقيم في محافظات لا علاقة لها بالسياحة.

وأضاف لـ” العرب”، أن الوافدين تتراوح أعمارهم ما بين 20 إلى 40 عاما، وأظهرت تحريات الأمن الوطني المصري أنهم يترددون على بعض المساجد الصغيرة في تلك المحافظات، والتي غالبا ما تكون خارج رقابة وزارة الأوقاف المصرية، ويلتقون ببعض شيوخ السلفية، وهو ما أثار مخاوف الجهات الأمنية، التي باتت تخشى من أن يتم استخدامهم في بعض العمليات الإرهابية.

وأوضح أن قوات الأمن المصري ضبطت خلال العامين الماضيين العشرات من الشباب الذين جاء معظمهم من ماليزيا والشيشان، وحينما تم استجوابهم أشاروا إلى أنهم أتوا إلى مصر بهدف التعليم، دون أن تكون لديهم وثائق تثبت انتماءهم إلى أي جامعة مصرية.

ويؤكد مراقبون أن الأمن المصري يتخوف من أن يكون هؤلاء الشباب خلايا نائمة قد يوظفها تنظيم داعش أو أي من التنظيمات المسلحة داخل مصر، أو أن يتم تجنيد الشباب للقيام بعمليات إرهابية خارج بلدانهم خاصة وأن هذا الأمر أصبح منتشرا بصورة كبيرة دوليا وعربيا. وقال اللواء إيهاب يوسف الخبير الأمني لـ”العرب”، إن هناك أساليب متعددة يستخدمها الخارجون عن القانون للبقاء على الأراضي المصرية بصفة رسمية، أهمها الالتحاق بالمعاهد والجماعات الدراسية، ومن ثم فإن تركيز الأمن يجب أن ينصب على الجهات التي تجلب هؤلاء الشباب إلى مصر، وأن تتم مراقبتهم بصورة محكمة من قبل جهاز الأمن الوطني.

وأشار إلى أن سياسة “الأمن المغلق” التي تتبعها مصر لتأمين الجبهة الداخلية لن تكون مجدية مع الحدود الملتهبة، مطالبا بضرورة وجود أمن قوي ومكثف في تلك المناطق يمنع تسلل الإرهابيين، مع ضرورة جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الوافدين إلى البلاد.

السياحة تترقت

على جانب آخر، يترقب العاملون في المجال السياحي عواقب هذا القرار، فالمسؤولون الحكوميون يرون أنه لن يكون له تأثير يذكر على حركة السياحة، أما أصحاب شركات السياحة فأكد بعضهم أنه سوف يؤدي إلى مغادرة عدد من السياح المقيمين في البلاد دون عودة، ويخلق انطباعات سلبية على الأوضاع الأمنية في مصر.

وقال مجدي سليم مدير العلاقات الدولية بهيئة تنشيط السياحة المصرية، إن أي دولة في العالم تشترط أن تغادر البلاد بعد انتهاء مدة التأشيرة وذلك في ما يتعلق بالإقامة السياحية المؤقتة فقط، وهذا القرار لا يمكن أن يخلف أضرارا على السياحة المصرية نظرا لأنه لا وجود لسائح تتجاوز مدة إقامته ستة أشهر، فهي غالبا ما تكون شهرا على الأكثر، حتى إن كانت للزيارة أو العلاج .

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، إن السياح الذين يرغبون في الإقامة بمصر لمدة تزيد عن ستة أشهر يكون هدفهم العمل وليس السياحة، ومن هنا يتحتم عليهم استخراج تأشيرات “إقامة مؤقتة لغير السياحة”، والتي يتمتع بها الذين يعملون سواء في القطاع الحكومي أو الخاص أو الدارسين، ويتم تجديدها كل عام.

عدم استقرار الأوضاع الأمنية على حدود مصر الشرقية مع قطاع غزة، والغربية مع ليبيا، دفع الأمن لتطبيق الإجراءات الجديدة

وكشف تقرير لمركز الأقصر للدراسات والحوار والتنمية، عن مغادرة الآلاف من السياح المقيمين والمنتمين لجنسيات متعددة لمدن “الأقصر وأسوان والبحر الأحمر وجنوب سيناء”، بسبب النظام الجديد لمنح تأشيرات الإقامة للأجانب الراغبين في الإقامة بمصر.

وحذر التقرير من عدم عودة هؤلاء السياح لمصر مرة أخرى، والسفر للإقامة السياحية بدول أخرى، مطالبا بإعادة النظر في النظام الجديد لمنح تأشيرات الإقامة السياحية، والذي بدأت أقسام الجوازات بتطبيقه، في مصر، والقاضي بإلزام السياح المقيمين بمغادرة الأراضي المصرية، والعودة لبلادهم، ولو لمدة يوم واحد، ثم العودة لمصر مجددا، حتى يتمكنوا من تجديد تأشيرات الإقامة السياحية.

وكانت وزارة الداخلية المصرية تسهل الحصول على تأشيرات الإقامة السياحية لتشجيعها على الاستثمار السياحي في مصر، لكن يبدو أن الوضع قد اختلف تماما بسبب مخاطر الإرهاب المحدق بالبلاد والذي يحتاج حسب المراقبين المزيد من التشديدات الأمنية.

وسبق أن أصدرت وزارة الخارجية المصرية قرارا بوقف منح التأشيرات السياحية الفردية بمنافذ الوصول المصرية، اعتبارا من 15 مايو 2015، وقد أثار هو الآخر استياء العاملين في قطاع السياحة الذين اعتبروه خطوة تزيد من التضييق على القطاع السياحي.

ويرى أصحاب شركات السياحة أن استمرار إقامة السائحين في مصر أمر مهم للغاية، لأنهم ينقلون صورة مغايرة عن التي يصورها الإعلام الغربي، والتي حذر من السفر إلى مصر لعدم استقرار الأوضاع الأمنية.

وحسب تقارير رسمية، فإن خسائر قطاع السياحة منذ حادث سقوط الطائرة الروسية تعد الأكبر على قطاع السياحة في مصر منذ 20 عاما، حيث بلغت 2.2 مليار جنيه مصري شهريا (283 مليون دولار).

اقرأ أيضا:
6