تجديد الخطاب الديني أولى سبل علاج ورم التطرف

الثلاثاء 2015/01/06
تنامي خطر الإرهاب والتطرف حتم تكثيف الجهود من أجل التوصل إلى سبل علاجه والتوقي من أخطاره

الإسكندرية (مصر) – مكافحة الإرهاب في المنطقة العربية لم تعد مسؤولية الحكومات فقط، بل انتقلت همومها ومشاغلها إلى النخبة المثقفة لتضع يدها على مكمن الداء، حيث أكدت دراسات متعددة أن مقاومة هذا الغول الذي أصبح يجتاح دولا عربية عدة، يحتاج إلى رؤى أكثر شمولا تتجاوز الحل الأمني، حتى يتسنى اجتثاثه من منابعه التي سمحت له بأن ينمو وينتشر بصورة مخيفة تهدد مجتمعات كبيرة.

مؤسسات رسمية، وغير رسمية، أخذت على عاتقها مهمة مناقشة المشكلة من جذورها وجوانبها المختلفة، أملا في التوصل إلى وصفة توقف زحف الإرهاب، وعقدت جهات عربية متباينة، في القاهرة والمنامة والكويت، مؤتمرات واجتماعات، وكان مؤتمر الأزهر الذي عقد أوائل شهر ديسمبر الماضي، قد سلم بأهمية اقتلاع الأفكار التي تغذي الإرهاب أولا، وتحسين ظروف البيئة التي ينشأ ويترعرع فيها، لأن الاكتفاء بالتعامل الأمني قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

في هذا السياق، أخذت مكتبة الإسكندرية على عاتقها تنظيم مؤتمر كبير، تحت عنوان: “نحو استراتيجية عربية شاملة لمواجهة الإرهاب”، السبت الماضي، دعت إليه نخبة كبيرة من المثقفين المهمومين بهذه الظاهرة، من دول عربية مختلفة، التزاما بالدعوة التي وجهها الرئيس المصري السابق (المؤقت) عدلي منصور في القمة العربية التي عقدت بالكويت، العام الماضي، حيث دعا إلى ضرورة صياغة بحث شامل لظاهر الإرهاب، ومحاولة التوصل إلى حلول وتوصيات، تمكن الحكومات من القضاء عليه، ونجحت المكتبة في عقد مؤتمر كبير مشيرة في صدر اللافتة التي تصدرته إلى أنه تحت رعاية الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي المهموم بعملية مكافحة الإرهاب.


تعددت الأسباب والإرهاب واحد


نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية، تحدث أمام المؤتمر عن التحديات التي يواجهها الأمن القومي العربي، والدور الصعب الذي تقوم به الجامعة، لحشد الجهود ومواجهة مخاطر الإرهاب بكل صوره، ومحاولات اجتثاثه، والمشاركة في الفعاليات والمؤتمرات العلمية التي عقدت في القاهرة والمنامة والكويت، مؤكدا أن الجامعة أعدت دراسة شارك فيها مثقفون عرب من دول مختلفة رصدت التحولات النوعية لهدم هياكل الدولة الحديثة، موضحا أن الأيام المقبلة ستشهد مناقشة لها بمشاركة مفكرين أوفدتهم دول عدة للنظر في نتائجها، وسوف تعرض على الاجتماع الوزاري للجامعة العربية.

كما أكد العربي أن نتائج مؤتمر مكتبة الإسكندرية سوف تؤخذ في الحسبان من قبل الجامعة العربية، التي تواصل مشاوراتها للتوصل إلى أفضل السبل قصد إنهاء التطرف.

فاطمة الزهراء عثمان، مساعد وزير الخارجية المصري، والتي ألقت كلمة نيابة عنه، أكدت أن الوزارة كانت شريكة في الإعداد لهذا المؤتمر، مشيرة إلى أن الإرهاب العابر الحدود يمثل خطرا كبيرا على المجتمعات العربية، ورغم أوجه التباين الظاهر بين الحركات المتطرفة، إلا أن تنظيماته أصبحت شبكة واحدة، تربط بينها معالم متقاربة، وإذا كانت هناك جهود أمنية ودينية لمقاومته، فمن الواجب أن تكون هناك جهود فكرية تتحرك لمعالجة المسألة، ووضع دراسات تنويرية جديدة، والإعلاء من قيمة التسامح، وتنقيح التراث واستخلاص منه كل ما يتناسب مع العصر ومقتضياته، وعدم الوقوف عند النصوص الجامدة، حتى ينطلق العالم العربي في المعترك الدولي المعاصر.

المرأة والأطفال والأقليات العرقية وغير المسلمين في مقدمة الفئات التي تعاني من التطرف والإرهاب

عبدالوهاب بدرخان، الكاتب اللبناني، وضع يده على الداء، حيث أشار إلى أن الفساد أحد الأسباب الرئيسية لتفريخ الإرهاب، وكانت هناك أمراض كثيرة واضحة تم التعامل معها بسلاح الإهمال، مطالبا بإجراءات إصلاحية واضحة لقطع الطريق على واحد من المداخل المحورية لانتشاره، مؤكدا في الوقت نفسه أن بين كل السيناريوهات التي تم تدارسها حول هذه الظاهرة، لم يتوقع أحد كل الفظائع التي ارتكبها تنظيم “داعش”، معترفا بوجود أخطاء بالجملة في تشخيص طبيعة التصورات التي يتبناها المتشددون، ومعتبرا أن صعود الإسلام السياسي مثل فرصة لخروج التنظيمات المتطرفة من جحورها والتعرف على كثير من معالم خريطتها.

بدرخان شكك في الدور الذي يقوم به من يدعون أنهم شركاء وحلفاء دوليون في مجال مكافحة الإرهاب، حيث يوظفون ما يحدث في المنطقة لأغراضهم، مشيدا بالنظرة الشمولية لمصر، وأهمية التعامل بصورة متكاملة، لقطع دابر هذه الظاهرة، التي باتت تقلق مجتمعات كثيرة، موضحا أن التعامل الدولي الراهن يفتقر إلى الإستراتيجية الشاملة، مشيرا إلى أن إيران تتقاسم الأدوار والوظائف مع الولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب.

وفي ختام أعماله توصل مؤتمر مكتبة الاسكندرية إلى إصدار بيان ختامي عُدّ بمثابة وثيقة أساسية لتدبّر سبل مكافحة الإرهاب، وأشار البيان الختامي إلى أن انعقاد المؤتمر جاء “في ظل مرحلة فارقة تمر بها المنطقة العربية، التي باتت تشهد تحديات جمة أبرزها حالة السيولة وإعادة تشكل النظم السياسية إثر الثورات الشعبية في بعض الدول، وظهور تنظيم “داعش” الذي يرتكب أبشع الممارسات في حق الإنسانية تحت شعار الإسلام، وتصاعد خطاب التطرف والكراهية دينيا ومذهبيا وسياسيا، وما يقترن بذلك من ممارسة العنف بكافة أشكاله، وانجراف شعوب بعض الدول إلى حروب أهلية، أو في نزاعات قبلية وجهوية قديمة يجري إحياؤها من مرقدها، واستشراء مظاهر الاستقطاب في عدد من المجتمعات العربية على أسس مذهبية ودينية وعرقية بما يحمل في ذاته نُذر التقسيم الجغرافي وتهديد الهوية الوطنية الجامعة لكل المواطنين على اختلافهم وتنوعهم”.

خلص المشاركون بعد حوارات مستفيضة على مدار ثلاثة أيام إلى أن التطرف ظاهرة سلبية تجثم على صدر المجتمعات الإنسانية قديما وحديثا، ويبرز من بين مظاهرها المختلفة “التطرف الديني” الذي يقترن بالغلو والتشدد في الخطاب، وما يرتبط بذلك من لجوء إلى العنف ورفض المختلف إلى حد قد يصل إلى تكفيره، بل ومحاولة إقصائه بشكل كلي.

بَيْدَ أن التطرف لا يقتصر على النطاق الديني، بل يمتد أيضا إلى المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يسودها الاستقطاب، والأحادية في التفكير، والشعور بالاستعلاء والسمو الزائف، وتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، والانزلاق إلى الثنائيات وحرب الأضداد التي تقلص من المساحات المشتركة بين المواطنين، والقوى السياسية، والتيارات الفكرية.

وأسفرت النقاشات التي دارت خلال المؤتمر عن التوصل إلى توصيات تدور حول المحاور الرئيسية التي يمكن من خلالها مكافحة التطرف وذلك على النحو التالي:

فعالية بدعوة من الرئيس المصري تترجم إنشغالا بارتفاع منسوب التطرف


تجديد الخطاب الديني


1 - تصدي المؤسسات الدينية للمفاهيم التي تروج في المجتمع خاصةً بين الشباب، وفي مقدمتها التفسيرات المشوهة لمفهوم الجهاد والردة ووضع المرأة، وكذلك الدعوة إلى تغيير الأوضاع القائمة بالعنف والخروج عن دولة القانون والمؤسسات.

2 - فتح أبواب الاجتهاد والمعرفة الأصيلة بمقاصد الشريعة والاعتراف بالمنظور التاريخي للتشريع وتطويره للتلاؤم مع مقتضيات العصر وإحياء جهود المجددين من أعلام الإسلام والتوافق مع مواثيق حقوق الإنسان.


في المستوى الثقافي


1 - مراجعة القوانين واللوائح والممارسات الإدارية على النحو الذي يعزز الانطلاق الحر للفكر والإبداع في المجتمع، ويزيل العقبات التي تحول دون حرية الرأي، والتصدي لمحاولات فرض الوصاية الفكرية أو الرقابة الدينية.

2 - التوسع في إصدار الكتب والمؤلفات التي تدعم العقلانية والاستنارة، وتنشر الفكر النهضوي، وتحارب الخرافة والتطرف وتفتح الأبواب للتفاعل الخلاق مع منجزات الثقافة الإنسانية في العلوم الطبيعية والإنسانية.

3 - تشجيع الأعمال الفنية الراقية التي تهدف إلى النهوض بثقافة النشء وتنمية المواهب وصقلها في المؤسسات التعليمية والثقافية بشكل منهجي منظم، وتشجيع نشر الفنون واكتشاف المواهب الخلاقة.

4 - تيسير الوصول إلى المنتج الثقافي من خلال التوسع في إنشاء المكتبات والمراكز الثقافية والأندية الأدبية، وكذلك مراكز الفنون التعبيرية والتشكيلية والموسيقية، وتطوير المتاحف التي تجمع التراث الثقافي المشترك للشعوب.

5 - الإفادة من النشر الإلكتروني، وتدشين مواقع التواصل الاجتماعي بين الشباب تهدف إلى محاصرة التطرف، وثقافة العنف، وتدعيم حرية الفكر ونشر الفنون الجميلة بكل الوسائل.

6 - تدشين “مرصد لمجابهة التطرف” بمكتبة الإسكندرية على غرار مرصد الإصلاح العربي لمواجهة فكر التطرف، وتجميع المبادرات الثقافية الرامية لمواجهته.


البعد التعليمي


1 - الدعوة إلى توحيد نظم التعليم ومنع الازدواجية بين تعليم مدني وآخر ديني أو أجنبي لضمان تشكيل العقل العربي دون تشرذم أو اضطراب، والاعتماد على التوازن المعرفي بين العلوم الطبيعية والإنسانية، وتربية وجدان النشء على تكوين المهارات الإبداعية والفنية، وأخيرا ترسيخ ثقافة الديمقراطية.

تحديث النظم التعليمية بغية تعزيز التعددية والتعايش، وتوفير المعارف الخاصة بتاريخ الحضارات والأديان

2 - تحديث النظم التعليمية بغية تعزيز قيم التعددية والتعايش الإنساني، وتوفير المعارف الأساسية الخاصة بتاريخ الحضارات والأديان، والارتقاء بمستوى الوعى بمخاطر التطرف والانغلاق الفكري، وإبراز مساهمته كل العرب من مختلف الأديان والمذاهب والأعراق في بناء الحضارة العربية والاحتكام للعقل وتنمية المدارك.

3 - التأكيد على أهمية “التربية المدنية” في برامج التعليم، خاصة قبل الجامعي، لما لها من تأثير على تشجيع قيم المشاركة، والتطوع، والعمل المشترك، وحقوق الإنسان والإيمان بأهمية التنوع في إدارة العمل؛ مما يعزز التنوع، والتعددية، بدلا من الأحادية والانغلاق.

4 - وضع برامج لتطوير القدرات الإبداعية في التعليم (الموسيقى والتصوير والشعر والمسرح والأدب وغيرها) لبناء جيل مبدع يسهم في تعزيز البناء الثقافي للمجتمع.

5 - وضع برامج لتطوير المكتبات المدرسية، وتجهيزها بأحدث المتطلبات للارتقاء بدورها في تشجيع القراءة والاطلاع الرامي إلى تنمية التفكير الحر الناقد والمبتكر.

6 - وضع برامج بحثية بالشراكة بين المؤسسات العربية، تنصب على ظاهرة التطرف، بمشتملاتها المتعددة، والعمل على إصدار وثائق مرجعية -على الصعيد العربي- تتناول القضايا ذات الصلة.

7 - تنقية برامج التعليم الديني من الأفكار التي تشجع التطرف، والعنف، أو تستند إلى فهم خاطئ للنصوص الدينية.


الجهد الإعلامي


1 - حث المؤسسات الإعلامية على الالتزام بالمواثيق المهنية والأخلاقية، والتي تتضمن الابتعاد عن الخطابات المتعصبة، أو ترويج آراء من شأنها بث الفرقة والانقسام، أو إثارة السجالات الدينية أو المذهبية، أو التنابذ السياسي، أو القبلي أو العرقي.

2 - إطلاق مبادرة عربية لمراجعة المعايير المهنية والأخلاقية وسنّ التشريعات التي تجرّم نشر المواد الإعلامية التي تبث الكراهية وتحرِّض على العنف.

3 - تدشين برامج إعلامية مشتركة بين وسائل الإعلام العربي تفند فكر التطرف، وتهتم بقضايا العلم والتنوير، وتكشف الممارسات اللاإنسانية المنافية للدين والأخلاق والقيم التي تمارسها التنظيمات المتطرفة ضد المواطن العربي.

وإلى جانب المجالات الأربع المشار إليها، فإن المشاركين تدارسوا قضايا أخرى مثل: تدعيم التعددية الدينية، ونشر مساهمة المسيحيين العرب في بناء أوطانهم، وتعزيز المواطنة، والحفاظ على كيان الدولة الوطنية القانونية الدستورية الحديثة، ومواجهة كافة مظاهر العنف والتمييز التي تتعرض لها المرأة على الصعيدين القانوني والعملي،.

آخذين في الاعتبار أن المرأة والأطفال والأقليات العرقية وغير المسلمين في مقدمة الفئات التي تعاني من التطرف والإرهاب في المنطقة العربية.

13