تجديد الخطاب الديني بنقد التراث أم هدمه

من وقت إلى آخر تعلو في أنحاء مصر صلصلة المبارزات الفكرية بين حماة القديم الذين يضفون على الموروث الديني قداسة لم يمنحها له القرآن ولا السنة ودعاة تجديد الخطاب الديني ونقد التراث، بداية من طه حسين مرورا بنصر حامد أبو زيد وفرج فودة وجمال البنا وسيد القمني وخليل عبدالكريم وغيرهم، والذين يدعون إلى ضرورة إعمال العقل في كل الروايات المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإزالة العصمة عن رواة الأحاديث.
الجمعة 2015/05/08
عندما تعي المؤسسات الدينية أهمية تجديد الموروث ستتهافت طروحات الإسلام السياسي

القاهرة - تصاعدت حدة المعارك الفكرية، التي استمدت زخمها من انتشار المنابر الممثلة في الفضائيات المختلفة في الوقت الراهن، فضلا عن دعوة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في أكثر من مناسبة إلى تجديد الخطاب الديني، ما اعتبره دعاة التجديد درعا واقيا لهم في مواجهة طعنات حماة التراث.

لكن اللافت أن الرئيس المصري عندما طالب أئمة العالم الإسلامي بتبني مفهوم عصري حول الخطاب الديني السائد خلال كلمته في احتفال وزارة الأوقاف بالمولد النبوي الشريف، اقتصرت دعوته على المؤسسات الدينية الرسمية في مصر المتمثلة في الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء.

“العرب” في محاولة منها لرصد المسموح والممنوع في مسألة تجديد الخطاب الديني ونقد التراث الإسلامي بعيدا عن الصخب، استطلعت آراء عدد من العلماء والمفكرين، فكانت البداية مع سالم عبدالجليل وكيل وزارة الأوقاف الأسبق الذي اعتبر أن إعادة قراءة التراث الإسلامي أمر طبيعي وضروري، في ظل تغير الظروف التي كتب فيها.

وأعرب عبدالجليل في تصريحات خاصة لـ”العرب” عن تأييده لإعادة قراءة التراث والاجتهاد في حل مسائله في حدود القواعد والأصول الإسلامية، مشيرا إلى أن هناك العديد من المصطلحات الواردة بالتراث الإسلامي لا تصلح للواقع الحالي، مثل ملك اليمين وجهاد الطلب ودار الحرب، ويجب إعادة النظر فيها وعرضها بشكل يتواءم مع فهم الناس.

العقل العربي الذي يفضل دائما أن يكون خاضعا لسلطة ما، هو النتاج المباشر لما ساد التراث الإسلامي من طريقة في التفكير، هذا العقل هو المنتج للتقليد في الدين والاتباع في المعرفة والإذعان في السياسة، والأبوية في الاجتماع، والتبعية في الاقتصاد. هكذا لخص علي مبروك أستاذ الفلسفة الإسلامية أزمة تجديد الخطاب الديني. وأضاف لـ”العرب” أن النظام العقلي حجر الأساس في بناء الأزمة العربية، لافتا إلى أنه غنيٌّ عن البيان أن “التراث” الخاص بأيّ جماعة أو أمة، هو بمثابة الإطار الذي يتبلور داخله العقل.

أزمة تجديد الخطاب الديني تنبع من أن العقل العربي هو المنتج للتقليد في الدين والاتباع في المعرفة والإذعان في السياسة

وأشار مبروك إلى أنه إذا كان الخلاص من الأزمة العربية الراهنة مشروطٌ بنقد عقل العرب وتفكيكه على النحو الذي يفتح الباب أمام انبثاق عقل جديد، فإن التراث هو الساحة الرئيسية التي يتحقق فوقها هذا العمل النقدي.

وأكد أن العرب يواجهون منذ مطلع القرن التاسع عشر أزمة ذات طبيعة عقلية، مشيرا إلى أن الارتباك الحاصل في المشهد منذ اندلاع ثورات الربيع العربي يؤكد الطبيعة العقلية للأزمة العربية، فقد كان العرب يتصورون أن أزماتهم في النظام السياسي، وبالتالي سوف يترتب على إسقاطه خروجهم من الأزمة، لكنهم فوجئوا بعد سقوطه أن الأزمة باقية دون تغيير.

ولفت إلى أن التجديد الحقيقي ينطلق من الوعي العميق بجوهر الأزمة التي يعيشها العرب أولا، فمن دون هذا الوعي ستظل كل محاولات التجديد ثرثرة فارغة من المعنى.

وشدد مبروك على أن توضيح حدود المسموح والممنوع في نقد التراث الإسلامي بدقة وموضوعية، سوف يفتح الباب أمام عقل عربي قادر على التفكير دون وصاية.

أيد عاصم حنفي أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر والمستشار الأكاديمي بجامعة ماربورج بألمانيا، فكرة عدم التقيد بحدود المسموح والممنوع في نقد التراث، طالما أن النقد مبني على أسس معرفية علمية ومنطقية، ولا يمس العقيدة والإيمان، لأنهما مرتبطان بالوحي المتسامي وهي قضية إيمانية لا تخضع لقواعد البحث العلمي، مؤكدا أن العرب والمسلمين بحاجة ماسة إلى نقد التراث الإسلامي وليس نقضه.

الخلل ليس في ابن تيمية ولا في تلاميذه، لكن في من يقرأهم قراءة غير تاريخية تسقط مقولاتهم على أي ظرف تاريخي

وأشار حنفي في تصريحات لـ”العرب” إلى ضرورة أن ينصبّ النقد على التراث الإسلامي بوصفه منتجا بشريا ينشأ نتيجة تعاطي العقل مع النصوص المقدسة، بهدف محاولة فهمها في إطار ما يتاح له من معارف ونظريات تمكّنه من إسقاط النص الثابت على الواقع المتغير الذي يستلزم دوام التعاطي والتجديد.وقال إن سمات التجديد الحقيقي للتراث تكمن في فهمه موضوعيا وإدراك ظروف نشأته والعوامل السياسية والاجتماعية والدينية، التي أثّرت في تشكله، بالتزامن مع نزع القداسة عنه فعلا لا قولا، واعتبار رموز التراث بشرا لهم أفق وحدود معرفية بما يعني أنهم لا يستطيعون تجاوز سقف زمانهم المعرفي.

وعن مدى تطابق الدعاوى الحالية مع هذه السمات، أوضح حنفي أنه لا يرى في المؤسسات المعنية بالأمر، ما عدا محاولات فردية، دعوة جادة مبنية على وعي معرفي بمشاكل التراث وسبل تفاديها وخلق إطار إبداعي جديد، وحتى الأزهر الذي طالبه رئيس الدولة المصرية بتجديد الخطاب الديني لم يقدم حتى الآن تصورا أو رؤية معرفية للتجديد، ما يوحي بعدم إدراك مفهوم الخطاب الذي يقصره البعض على طرق الخطابة، في حين أنه يعني إدراك البناء الفكري العميق وطرائق التفكير ومبادئ الاستنباط والعمل على تجديدها بما يلائم روح العصر، وهو ما يترتب عليه إخراج منتج معرفي جديد ومتجدد، وكل هذا لا يمتّ بصلة إلى تقليص المناهج بالحذف، ناهيك عن حرق الكتب المختلفة معه، فهذا تشويه للتراث ينشئ جيلا ناقصة معرفته لا يقوى على محاججة التيارات التي تحفظ هذا المحذوف وتعتبره عين التراث واجب الاتباع، أي أن الحل ليس في الحذف بل في التعامل المعرفي مع ما يراد حذفه وغيره.

وفي الوقت الذي كال فيه كثيرون الاتهامات للشيخ ابن تيمية وتحميله مسؤولية الكثير من مظاهر التطرف التي ظهرت تجلياتها في تصرفات غالبية الجماعات الإسلامية، رفض حنفي اتهام ابن تيمية بأنه الأب الروحي للفكر الإرهابي، مؤكدا أن هذا لا يصنعه شيخ بمفرده، بل تصنعه ظروف اجتماعية وسياسية وتخلف معرفي وعلمي وتعليمي، تتضافر لتخلق جيلا مشتتا لا يرى طريقا للخلاص إلا بالتشبث بالقديم، دون مراعاة ظروف نشأته ومدى تطابقها مع واقعه، ما يؤدي إلى تحويل الدين إلى حركة سياسية، وقيمه إلى مصالح.

13