تجديد الخطاب الديني تجديد للأمة الإسلامية

الجمعة 2013/09/06
كتاب نبّه إلى ضرورة تأسيس خطاب إسلامي يؤصل السلمية ونبذ العنف

يتوافق الخطاب الإسلامي الآن مع حال الأمة الإسلامية وما أصابها من ضعف أدى إلى انفراط عقدها وتحولها من دار سلام إلى دار حرب، حيث لم يحظ هذا الخطاب بتطور يكفل سبل وحدتها والحفاظ عليها من الأخطار الداخلية والخارجية، بل اندفع إلى أصولية سلفية متشددة التزمت التفسير الحرفي للقرآن الكريم والسنة، وخرجت جماعات الإسلام السياسي لتحرّض على الطائفية والمذهبية والعنف والإرهاب.

يحاول كتاب «تجديد الخطاب الإسلامي من المنبر إلى شبكة الإنترنت» الصادر عن مكتبة الدار العربية للكتاب، للباحث المتخصص في الشؤون الدينية محمد يونس طرح رؤية نقدية للخطاب الإسلامي المعاصر من خلال تحليل عدد من مقولات هذا لخطاب واستقراء القصور فيه ومدى نجاحه أو فشله في تحقيق أهدافه.

ويرصد حالة الفوضى والخلل اللتين اتسم بها هذا الخطاب، والتباين بين حاملي الخطاب الديني ومروّجيه. وتجاهل كبير لمقام وظروف متلقيه، وتتجلى هذه الحالة ليس فقط على المنابر التقليدية وإنما أيضا عبر الفضائيات والمواقع الإلكترونية. ويطرح رؤى جديدة لمعالم الخطاب الإسلامي المنشود، مطالبا بأن يتم وضع آليات تجديد الخطاب الديني في موضعه الصحيح ليكون ضمن عملية «تجديد الأمة» لا مجرد «تجديد الخطاب الديني».


ملامح الخطاب الإسلامي الراهن

يلفت الكاتب إلى أن حال الخطاب الإسلامي الآن يتأرجح بين القوة والضعف، والاعتدال والتطرف وعدم الكفاية، اعتمادا على الظروف الداخلية للمجتمعات الإسلامية من ناحية، والظروف الخارجية التي تحيط بالأمة الإسلامية من ناحية أخرى، حيث تعد البلدان الإسلامية الساحة الرئيسية التي تتحرك فيها معدات الحرب، والتي بدأت تحت شعار مواجهة الإرهاب عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، ثم توسعت في العقد الأخير لتقضي في الكثير من مجتمعات المسلمين على البشر والشجر.

يميز الباحث أربع سمات عامة توضح ملامح حالة الخطاب الإسلامي المعاصر:

أولها؛ الضعف الذي يسم معظم أنماط الخطاب الإسلامي على مستوى مضمونها، ويتلخص في الانحدار من المعرفة إلى الجهل، أو ما يشار إليه تقليديا بالأمية الدينية، كما يظهر في هشاشة المحتوى وعدم الإدراك للقضايا التي يتناولها من الزاوية الإسلامية والتي يتم عرضها على الرأي العام.

ثانيا؛ الارتجال والعفوية الناتجة عن نقص التخطيط وتجاهل للنهج العلمي في الموضوعات والقضايا والأوضاع التي يتم تناولها، والاعتماد على القدرات الفردية في معظم الحالات، وذلك على حساب التعاون والتكامل والتنسيق بين الجهود، والتنازل للعمل الجماعي فيما يتعلق بالتطورات الجديد، والحالة الناشئة التي تحتاج إلى موقف موحد.

ثالثا؛ ضيق الأفق والتركيز على القضايا الطارئة والعابرة في تجاهل تام للمستقبل سواء المتوسط أو البعيد، وهذا يفسر إلى حد كبير اقتصار أنماط عديدة من الخطاب الإسلامي على رد الفعل، وفي حين تكاد تغيب المبادرة تماما عن هذا الخطاب.

رابعا؛ انعكاس الخلافات الفكرية والمذهبية على الخطاب الإسلامي، مما يجعل الأطروحات التي يقدمها الخطاب غير مترابطة ومتناقضة، وتفتقر إلى الإنسجام والتنسيق.


تفعيل الاجتهاد


تؤثر هذه الجوانب السلبية في الخطاب على الأوضاع العامة في العام الإسلامي، فضلا عن صورة الإسلام والمسلمين في العالم، وعلى القدرة على مواجهة التحديات ودرء الحملات المغرضة التي تستهدف الأمة الإسلامية وتهدد وجودها وسيادة دولها واستقرار شعوبها.

ويرى الباحث أن الخطاب الإسلامي المنشود يحتاج إلى إعادة الاعتبار لقدرات الأمة وكفاءاتها عبر آلية جديدة للاجتهاد الجماعي، ورؤية مختلفة لتجديد الخطاب تتجه أكثر إلى الجانب البنائي وتبتعد عن الجانب الدفاعي وتستوعب مقتضيات الزمان وخصوصيات المكان وتكون على وعي بذبذبات النسيج الشبكي للواقع الاجتماعي الراهن عبر مستوياته الوطنية والإقليمية والعالمية.

ويقول «علينا أن نحدّد أجندة تجديد خطابنا الديني، وكيفية هذا التجديد، حتى لا نقع في خطأ تنفيذ أجندات الآخرين، علينا أن نمتلك زمام المبادرة لا أن يأتي حديثنا في إطار رد الفعل لما يطلبه الآخرون، فنحن أدرى بمكة وشعابها وهذا لا ينتقص من دراية الآخرين بشعاب لندن وباريس ووواشنطن، لكن خرائطهم حتى وإن تمت بتقنية «جي بي اس» لن توصلنا إلى شعابنا».

ويتضمن الكتاب أطروحات مفصلة لتجديد الخطاب الإسلامي، داعيا إلى ضرورة تتدارك النقص الذي شهده الفكر والفقه الإسلامي خلال عهود التراجع الحضاري، والذي أسفر عن تضخم في مجال العبادات وفقر في المجال الدستوري والسياسي، نتج عنه خطاب جزئي ركز على الشكليات، وأغفل العديد من القضايا الجوهرية في حياة الناس بخاصة كرامة الإنسان وحقوقه وحريته، حتى أطلق عليه البعض ساخرا «فقه الحيض والنفاس».

يدعو الباحث إلى ضرورة الانطلاق في الجانب السياسي لهذا الخطاب من وثيقة الأزهر. ويطالب بأن يركز الخطاب على إعادة بناء المسلم المعاصر ليكون إنسانا فاعلا في مجتمعه، يفهم حقيقة الإسلام ومهمته وهي عبادة الله وتعمير الأرض. ولكن هذه المهمة لا تتم بمجرد الكلام الإنشائي الجميل وإنما يجب أن تكون عملية مستمرة تعتمد على آلية واعية تستهدف نفسية المسلم المعاصر، من خلال عملية إعادة البناء النفسي للمسلم، هذا البناء يتطلب «إزالة الركام غير النافع لكي يقوم البناء الأحدث والأنفع مكانه، وهذه العملية يجب أن تتم كل يوم «يطلق عليها التخلية ثم التحلية» وذلك بالتوازي مع عمليات هدم وبناء دائمة تتم في خلايا الجسم لضمان بقائه وصحته ونموه وتطوره، حيث تموت خلايا وتحل محلها خلايا جديدة يوميا والنفس أولى بذلك من الجسم لأنها- فى حال صحتها- أكثر سعياً نحو الإحلال والتجديد والارتقاء نحو وجه الله».


خطاب إسلامي نابذ للعنف


ويوضح الباحث ضرورة التأسيس لخطاب إسلامي يؤصل فكرة السلمية والإيمان بالتداول السلمي للسلطة ونبذ العنف، ليس لأن هذا أمر طارئ على الفكر الإسلامي، وإنما لأن حجم التشويه الذي يواجه الخطاب الإسلامي يستدعي الإلحاح على فكرة السلمية ونبذ العنف التي نجح الإعلام الغربي، مدفوعا من الدوائر الصهيونية، في ترسيخها لدى الرأي العام العالمي لتبرير الهيمنة والحروب ضد الشعوب الإسلامية تحت ستار مقاومة الإرهاب.

ويلفت إلى أنه بسبب طبيعة الظروف التي نشأت فيها الحركات الإسلامية، فقد خرج كثيرون من رموزها عن الطريق الصحيح للدعوة فنصّب البعض أنفسهم قضاة يحكمون على الناس بالكفر والفسوق، وزاد بعضهم الآخر في تجاوز مهامه ليجعلوا من أنفسهم ولاة ينفذون الأحكام على من يرون أنه مخطئ، مما تطلب إعادة الأمور إلى نصابها وما حدث بالفعل بعدما قامت بعض هذه الجماعات والحركات بمراجعة لفكرها وخاصة الجماعة الإسلامية التي أصدرت عدة كتب توضح هذه المراجعات التي تخلت فيها عن العنف.

ويطالب بإنهاء حالة الفوضى في الخطاب الإسلامي الناجمة بالأساس عن كثرة المتحدثين باسم الإسلام وعدم أهلية غالبيتهم لهذه المهمة. مؤكدا أن إعادة الأمر إلى نصابه لن يتحقق بدون معالجة الأسباب التي أوجدت هذه الحالة، وفي مقدمتها ما أصاب المؤسسات الدينية الإسلامية الرسمية من ضعف نتيجة إخضاعها للسلطة السياسة وسلبها أوقافها ومصادر تمويلها مثلما حدث مع الأزهر منذ عهد محمد علي وحتى اليوم، فتراجع دوره وخطابه، مما مهد الطريق لنشأة جماعات وحركات دينية من خارج المؤسسة الدينية الرسمية غير مؤهلة لتسد الفراغ.

كما يطالب بضرورة رد الاعتبار للأزهر الشريف باعتباره منارة الفكر الإسلامي الوسطي، فهو المؤهل لقيادة خطاب إسلامي معتدل بحكم تاريخه ومناهجه، ولكن يحتاج إلى استقلالية في القرار والتمويل ومراجعة شاملة لأسلوب إدارته وهو ما بدأه بالفعل شيخه أحمد الطيب من خلال سلسلة من المبادرات، من بينها «وثيقة الأزهر» وتشكيل لجنة لتعديل قانون الأزهر ليكون شيخه بالانتخاب، فضلا عن انفتاحه على القوى الاجتماعية والسياسية والمؤسسات والجماعات الدينية الإسلامية والمسيحية. ومن هنا تأتي أهمية «اعتبار الأزهر الشريف الجهة المختصة التى يُرجع إليها فى شؤون الإسلام وعلومه واجتهاداته الفقهية والفكرية الحديثة، مع عدم مصادرة حق الجميع في إبداء الرأي متى تحققت فيه الشروط العلمية اللازمة».

13