تجديد الخطاب الديني منطلق لتبديد خرافات الإسلام السياسي

الاثنين 2015/01/19
صورة الإسلام وقع تشويهها بالدمج بين الجماعة السياسية والدين الإسلامي

القاهرة- تأسيس قواعد جديدة للصراع بين مختلف التيارات السياسية كان من أبرز النتائج التي أفضت إليها تحركات ما سمي بـ«الربيع العربي».

ولكن الخلل الذي انتاب هذه الدورة الجديدة من الحياة السياسية، هو أن الإسلام السياسي المناقض لدورة التطور الطبيعية داخل المجتمعات العربية أجّل دوران عجلة الدينامية السياسية الجديدة، خاصة وأن الخطاب السياسي لتلك الجماعات يتمسك وبشكل دائم برموز الماضوية والعنف وأيديولوجية «دولة الخلافة» التي تمثل سرابا مصطنعا.

استغلت الجماعات الإسلامية بشتى أصنافها نقصا واضحا في الدراسات المتعلقة بالتراث الديني وفلسفة الخطاب الإسلامي في أرجاء عديدة من الوطن العربي، خاصة المنارة الدينية في مصر وهي الأزهر ومثيلتها التونسية وهي الزيتونة وجامعات أخرى، لتبث من خلال أجهزتها الحزبية والإعلامية سموم الخطاب المتطرف والمبهم عن ضرورة ممارسة العنف من قبل “المسلمين” لتأسيس ما يسمى “الخلافة الإسلامية” التي لم تتوضّح أسسها السياسية والفقهية والقانونية في أي من المراجع الإسلامية على الإطلاق.

وتضع هذه الأزمة على عاتق علماء الدين والفقه والدعوة والتربية، مهمّة تقييم الخطاب الديني وأثره على الفكر الإنساني بشكل عام، وخاصة الأثر الذي يؤديه ذلك الخطاب في الواقع الاجتماعي والنفسي العربي، ومدى قربه أو بعده عن أهداف ومقاصد الشريعة.

استغلال الجماعات الإسلامية لفجوة الخطاب المتطرف كان واضحا في تحركاتهم السياسية، مما زاد من منسوب التطرف

وتتبع عملية التقييم تلك، القيام بعملية الإصلاح والتجديد إذا لم تأت المراجعات بالأثر المطلوب، ويحتم على المؤسسات الدينية الإسلامية المعروفة عالميا مثل المؤسسة الأزهرية اعتماد خطاب ديني متطور، يكون كفيلا بالقضاء على الأفكار المتطرفة والجهادية، من خلال التعاون والتكامل بين جميع المؤسسات المعنية، وأداء دورها وواجبها في هذا الشأن، خاصة أن مهمة تجديد الخطاب الديني ليس شأنا أزهريا خالصا وإنما يخص كل المعنيين والمؤسسات المختصة، شريطة أن تكون البداية من الأزهر الشريف، مع التأكيد على أن التجديد يبتعد تماما عن معاني التحريف والتغيير كما يدعي البعض.

ومن جانبه، يوضح محمد الشحات الجندي عضو مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، أن الأمر يتطلب تجديدا حقيقيا للخطاب الديني، وتعديلا لسلوك ومعرفة المسلمين، بما يتماشَى مع جوهر الدين الإسلامي، ليظهر ذلك مترجما في مفاهيم لا تخرج عن إطار المقاصد الشرعية المؤسسة للفكر الإسلامي المستنير، والذي لا يهدف إلى التكفير أو الإقصاء بل إلى احتواء الجميع، والحد من الأفكار الجهادية التي زرعتها بعض الجماعات التي ملأت الساحة الإسلامية العربية مؤخراً، مروّجة لأفكار نهى الإسلام عنها، وعن العمليات التي تنفّذها بدعوى نشر الدين وفرضه على الجميع.

ويؤكد الخبراء أن هذا الأمر يستوجب ضرورة تجديد الخطاب الديني، بما يضمن تنظيماً لشؤون المسلمين وتصحيحا لسلوكهم، لاسيما أن الدين جاء إنصافا للبشرية وفقا لما ذكر في الشريعة، وقال الجندي في هذا السياق “إن الشريعة جاءت لتضيف إلى الإنسان الارتقاء بحالته الفكرية، بعكس ما تشهده الأمة من تخلف في العديد من المجالات، وبشرط تأهل من يقوم بعملية التجديد، واستبعاد كل من ساهم في اتساع دائرة الخلل والتطرف الديني من جماعات غير قادرة على إيصال معاني الدين الصحيح، في إطار يضمن حق الإسلام على علمائه”.

ويفسر الجندي أن هذه الحركات الإسلامية من شأنها العمل على تدهور أوضاع الأمة، وتصدير صورة مشوهة عن الإسلام إلى العالم، فضلاً عن اتباع بعض التقاليد التي تمثل سدا حقيقيا بينها وبين الإسلام، فهي بعيدة عما تريده مقاصد الشريعة الإسلامية.

ويؤكد علماء ومختصون في المجال الإسلامي، أن الخطاب الديني الذي يقوم بتوجيهه الدعاة والأئمة في حاجة إلى التجديد بكل حرص ودقة، حتى يتم القضاء على تكفير الآخرين دون أدلة وثوابت شرعية، وذلك يُعد اتباعا لسُنة الرسول محمد، بأن “المسلم من نطق الشهادتين”.

محمد الشحات الجندي: الجماعات التكفيرية تروج أفكارا نهى الإسلام عنها

وتؤكد الكتابات والنصوص الصادرة عن الأزهر أنه من غير المعقول تكفير مسلم لآخر، ولذلك فمن الضروري اتخاذ خطوة إلى الأمام في ما يتعلق بالخطاب “بقلوب وعقول مدركة لجوهر الإسلام الحقيقي، لتكون بدايته بإتباع منهج مُيسّر، بعيدا عن التشكيك في التزام الآخرين بقواعد ومقاصد الشريعة، وتأصيلا لدور الأزهر الشريف في الدعوة إلى انتهاج الأخلاق في السلوكيات، فضلا عن دوره في القضاء على الفكر الجهادي، الذي يُعد وسيلة لضرب وسطية الإسلام بطريقة غير مباشرة، وتقليص دور الأزهر بصورة مُباشرة”، حسب تعليق محمد رأفت عثمان، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، الذي أكد أن الإعلام له دور كبير في اتساع الفجوة بين الناس والدين، من خلال الدفع ببعض الشخصيات المنتهجة لآراء وأفكار تنال من الدين وعلمائه، ولذلك كان لابد من إغلاق كل السبل التي من شأنها الترويج لمثل هذه الأفكار والآراء، لإفساح المجال أمام أهل الدين المتمثلين في علماء الأزهر الشريف، لتوضيح وسطية الإسلام والدعوة إلى انتهاج الإسلام في السلوكيات، ويرى أن ذلك سينتج عنه رواج في مجالات عدة واستقرار في أوضاع الأمة.

وتضيف آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، أن هناك مؤسسات دينية عديدة في الدولة قادرة على المساهمة بل والبدء بقضية تجديد الخطاب الديني، لوجود تحديات كبرى تحول دون ترسيخ قواعد الإسلام عند غير المسلمين، ناتجة عن سيطرة بعض الأفكار المتطرفة على الجماعات التي ظهرت مؤخرا في الساحة الإسلامية، والتي تتبنى الفكر الشاذ والبعيد تماما عن وسطية الدين.

وللإشارة فإن هذه المؤسسات وفي مقدمتها الأزهر والأوقاف، كفيلة بإنهاء كل هذه “الخرافات” التي تُروى من قبل شخصيات لا تريد سوى إقصاء للدين، و”لذلك فإن الأمة الإسلامية في حاجة ماسة إلى فكر علمي ديني”، حسب تعبير آمنة نصير. وقد حمّلت أستاذة العقيدة، المؤسسة الأزهرية وغيرها من المؤسسات المؤهلة، المسؤولية عن التراجع الملموس في الخطاب الديني، فضلا عن مسؤوليتها عمّا يُقال وينفّذ نتيجة حالة الغفلة التي تعيشها هذه المؤسسات منذ سنوات.

فقد سعت الدولة الحديثة بعد الاستقلال من المستعمر إلى الاهتمام بالنشأة الدستورية والسياسية للدولة وتركيز الأسس الاقتصادية والهوية الاجتماعية لها دون التركيز على دور الدين والخطاب الديني داخل البنية العامة للدولة لأن تناقضات العالم في فترة الخمسينات والستينات لم تكن على أساس ديني.

13