"تجديد الخطاب الديني" يضيع في متاهة الصدام بين المثقف ورجل الدين

لم تستطع الدعوات المطالبة بتجديد الخطاب الديني وتحديثه بما يتناسب مع متغيرات العصر وتطوّراته، تجاوز حدود التأييد “المعنوي”، ولم تخرج استعمالات هذا المصطلح عن السياقات الإعلامية والسياسية، بسبب غياب المؤسسات والأطر الجريئة القادرة على وضع خطوطه العريضة والخروج به من سوق المزايدات والخلافات؛ فمن جهة المؤسسات الثقافية إما سايرت موجة التابو والمقدس الاجتماعي الديني أو قطعت صلتها الثقافية مع المنظومة الدينية، ومن جهة أخرى كرست المؤسسة الدينية الاستفادة من هذا التابو والمقدس الديني، وانغلقت على نفسها وانشغلت بالعلوم القديمة والتقليدية وقطعت جسور التواصل مع حاضرها؛ وعندما استوجب الأمر تلاقي هاتين المؤسستين في نقطة مشتركة كان الصدام هو المسيطر.
الأحد 2016/09/04
"تجديد الخطاب الديني" مهمة سياسية أمنية نظرا لغياب أولي الأمر

القاهرة – في قمة التصعيد الإرهابي في المنطقة والعالم، تعالت الأصوات منادية بتجديد الخطاب الديني، كحل رئيسي لوقف نزيف التحاق الشباب بالجماعات الجهادية. ولقيت هذه الأفكار تأييدا واسعا من مختلف التيارات السياسية والثقافية التي لم تتوقف عند ما يحمله مصطلح “تجديد الخطاب الديني” من غموض وعمومية في المعنى جعلته مصطلحا فضفاضا، وتناقلته في كل مناسبة أو مؤتمر أو برنامج تلفزيوني أو مقال يكتب بعد كل هجوم إرهابي.

وإذا كان “الخطاب السياسي يمضي على نسق الخطاب الديني في العالم العربي”، كما قال المفكر المصري الراحل نصر حامد أبوزيد، والمؤسسات الدينية المؤثرة في عموم العالم الإسلامي مرتبطة بالدولة، فيكف سيتم تجديد هذا الخطاب؟ ومن سيقوم به هل هي المؤسسات الثقافية والفكرية أم المؤسسات والجامعات الدينية؟

قد تكون الإجابة هي أن يتشارك الطرفان، الثقافي والديني، وبحياد عن الطرف السياسي، في محاولة إلقاء نظرة طويلة وفاحصة وموضوعية على تراثنا الديني، بعيدا عن الأحكام المسبقة ونوستالجيا المقدس، لكن ورغم أن هذه الإجابة هي الأقرب والأصح، فإنها تبدو بعيدة عن التحقق في ظل التباعد بين المؤسسات الثقافية والدينية في العالم العربي، ولنا في الخلافات المتجدّدة بين الأزهر ووزارة الثقافة في مصر خير مثال على ذلك، فيما تسود القطيعة وغياب الحوار العلاقة بين هذه الطرفين في الكثير من البلاد العربية والإسلامية.

كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من الأصوات المبادرة بالدعوة إلى تجديد الخطاب الديني لمواجهة المد الإسلامي المتشدّد وتصاعد الخطر الإرهابي في مصر. وتقف مهمة السياسي عند هذا الحدّ من الدعوة، لتبدأ مهمة المثقفين ورجال الدين، لكن ما حصل هو أن الدعوة وقفت عند الحدّ الأول ولم تنتقل إلى مرحلتها الثانية والرئيسية بسبب عجز المؤسسات الدينية والثقافية على التنسيق في ما بينها للخروج بأطروحة أو رؤية جديدة لطرح تجديد الخطاب الديني.

وعكست التصريحات الأخيرة التي نسبت إلى حلمي النمنم، وزير الثقافة حول دور التعليم الأزهري، في إفساد الفكر وانتشار العنف الديني، حجم الأزمة داخل المؤسسات المنوط بها المشاركة بفاعلية في المحاربة الناعمة للعنف والمساهمة في اقتلاع أفكار التنظيمات الإرهابية من جذورها وحواضنها المختلفة. وقبل أن ينفي وزير الثقافة أو يتراجع أو يعتذر عن التصريح المنسوب إليه، شنّ بعض مشايخ الأزهر هجوما شرسا على النمنم، واتهموه بالتقاعس عن القيام بدوره الثقافي والتنويري.

وفجّر التراشق الذي بدا مثل “كرة ثلج” تكبر مع الأيام، حنقا مكبوتا لدى الطرفين، اعتبره مراقبون “أكبر خدمة تقدمها مؤسسات رسمية لجماعات العنف والتطرف التي تقف الأدوات العسكرية بمفردها عاجزة عن اجتثاث أفكارها”. ولم يكن التصريح الذي نسب إلى النمنم جديدا على الشارع المصري، فقد أضحى الصدام بين الأزهر ووزارة الثقافة أمرا معتادا، ومعظم من جلسوا على كرسي وزير الثقافة في مصر دخلوا في صدام مباشر أو غير مباشر مع الأزهر، كمؤسسة أو أفراد، تتحمل وزر جانب كبير مما وصل إليه حال المجتمع المصري الثقافي، وتغلغل الجماعات المتشددة.

مراقبون يعتبرون التراشق بين الأزهر ووزارة الثقافة أكبر خدمة تقدمها مؤسسات رسمية لجماعات العنف والتطرف التي تقف الأدوات العسكرية بمفردها عاجزة عن اجتثاث أفكارها

جاء الكلام الذي قيل إن النمنم قاله في حق الأزهر في مؤتمر نظمته الهيئة الإنجيلية مؤخرا، واتهم صراحة التعليم الأزهري بالمسؤولية عن انتشار العنف والتطرف، ما أعاد للأذهان سجالات سابقة كثيرة، جرى احتواء بعضها لأسباب سياسية، وترك البعض الآخر روافد لا تزال تداعياتها مستمرة. وردّ أزهريون عن كلام النمنم (قبل أن يتراجع عنه) بأن انتشار التطرف هو نتاج غياب دور وزارة الثقافة التي يتولى أمورها، والتخلي عن دورها الحقيقي في مواجهة الفكر المتطرف، والتفرغ للصدام مع المؤسسة الدينية.

بين المنح والمنع

يشكو مثقفون من تغوّل الأزهر في كثير من مفاصل الحياة العامة وامتلاكه حق المنح والمنع لكثير من الإبداعات الثقافية، فضلا عن مقاضاة بعض المحسوبين عليه للعديد من المثقفين بصورة جعلت عددا منهم نزيلا في السجون. ويقضي الباحث إسلام البحيري حكما بالسجن لمدة ثلاث سنوات بعد رفض الطعون في قضية اتهامه بازدراء الأديان، كما غادرت الكاتبة فاطمة ناعوت البلاد إلى كندا، عقب صدور حكم بحبسها بالتهمة ذاتها.

وأحال النائب العام المصري منذ أيام إلى نيابة أمن الدولة العليا بلاغا يتهم المفكر سيد القمني بتهمة ازدراء الأديان أيضا، على خلفية مشاركته في ندوة نظمتها منظمة أدهوك البلجيكية في بروكسل، قيل إنه تطاول فيها على الدين الإسلامي، وفقا للبلاغ المقدم ضده. وقضت محكمة جنح مستأنف بولاق أبو العلا بوسط القاهرة، السبت الماضي، برفض الاستشكال الثاني المقدم من الأديب أحمد ناجي لوقف تنفيذ حكم حبسه عامين بتهمة خدش الحياء العام، لنشره فصلا من رواية أدبية في صحيفة “أخبار الأدب” انطوت على عبارات حملت إيحاءات متباينة.

ودخلت العلاقة بين الأزهر والمبدعين نفقا مسدودا منذ فترة، وأصبحت التجاذبات موجودة بصورة مستمرة، بصرف النظر عن اسم شيخ الأزهر، كما كانت وزارة الثقافة تدخل طرفا، بإرادتها أو دونها، ودرج الكثير من الوزراء المتعاقبين على الخلاف مع الأزهر.

كان جابر عصفور وزير الثقافة السابق واحدا من أشهر الرموز التي اعتادت توجيه انتقادات لاذعة للأزهر، وتحميله مسؤولية الانسداد في الفكر الديني، لكن الضغوط والمواءمات السياسية كانت تجبره أحيانا على التراجع عن كثير ممّا يردده ضد الأزهر، وفي النهاية تبدو العلاقة بين الأزهر والثقافة وقطاع معتبر من المثقفين، كأنها حرب أو معركة صفرية، لا بد أن يكون فيها منتصر واحد، ويسعى كل طرف أن يربحها بالضربة القاضية.

ورفض عبدالمنعم فؤاد، عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، وصف العلاقة بالعداء أو الحرب، وأوضح لـ“العرب” أن وزير الثقافة الحالي حلمي النمنم أخف وطأة على الأزهر من سابقيه.

وحول الاتهامات الموجهة للأزهر بممارسة سلطة كهنوتية والتسبب في صدور أحكام قضائية بحبس العديد من المثقفين، زعم أن الأزهر “ليس جهة قضاء، ولا يكفّر أحدا وعلماؤه ليسوا خلفاء الله في الأرض، وكل إنسان يتحمل جرمه والأحكام الصادرة بحق المثقفين تأتي تنفيذا للقانون الذي يجب أن يحترمه الجميع”.

وبرأي المفكر المصري مراد وهبة، مؤسس جمعية “ابن رشد للتنوير”، أن المثقفين يجب أن يعبّروا عن تيار فكري علماني يستطيع مواجهة مؤسسة الأزهر المهيمنة.

واعتبر في تصريحات لـ”العرب” أن الأزهر مطالب بتحديد موقفه من العديد من القضايا، أهمها فكرة الإيمان بالخلافة الإسلامية، والتاريخ يذكر أن الشيخ على عبدالرازق، أحد علماء الأزهر، تم تكفيره ومنع كتابه “الإسلام وأصول الحكم” بعد رفضه للخلافة الإسلامية ودعوته لمدنية الدولة.

توالي الأزمات بين الأزهر والمثقفين خرج من رحم جانبين، الأول تحميل كل طرف مسؤولية انتشار الأفكار المتشددة للطرف الآخر، ومحاولة التنصل من التهمة التي تتردد دوما أن الطرفين متقاعسين عن أداء الدور المنوط بهما القيام به

وأشار وهبة إلى أن الأزهر كمؤسسة لا زال على نهجه الرافض لكتاب علي عبدالرازق، وبالتالي فهي تدعم الخلافة التي ينتهجها تنظيم مثل داعش، وناشد الأزهر إعادة النظر في هذه الأفكار، وإعلان موقفه منها، قبل الحديث عن أيّ قضايا أخرى.

تقاعس متبادل

توالي الأزمات بين الأزهر والمثقفين خرج من رحم جانبين، الأول تحميل كل طرف مسؤولية انتشار الأفكار المتشددة للطرف الآخر، ومحاولة التنصل من التهمة التي تتردد دوما أن الطرفين متقاعسين عن أداء الدور المنوط بهما القيام به.

والجانب الثاني أن هناك دورا تنويرا ومهام معينة يجب أن يقوم بها كل طرف لمساعدة الأجهزة الأمنية في الدور العسكري الذي تقوم به والذي يحتاج بالتوازي له دورا فكريا يقطع الطريق على احتمال تجديد دماء الخلايا الإرهابية التي تتعرض لضربات قاسية، وحيال الفشل التنويري، يسعى كل من الأزهر ووزارة الثقافة إلى رمي الكرة في ملعب الآخر.

تتطلب الحرب على الإرهاب في تقدير منير أديب، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، وجود رؤى مشتركة في المواجهة الفكرية، وتتمثل في خطاب ديني وثقافي جديد، ما يعني ضرورة التنسيق وليس التلاسن وتبادل الاتهامات بين المؤسسة الدينية والثقافة والمثقفين.

ودعا أديب، في تصريحات لـ“العرب”، إلى إعادة النظر في القائمين على هاتين المؤسستين، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الحرجة وتحدياتها الجمّة، ﻷنهما غير قادرتين على مواجهة الإرهاب، ولا توجد لديهما خطط أو استراتيجيات أو حتى أفكار مشتركة للمواجهة.

وأشار أديب إلى أن أكثر من 70 بالمئة من عملية القضاء على الإرهاب تعتمد على المواجهة الفكرية، التي من المفترض أن تقوم بها المؤسسات الدينية والثقافية، والنسبة الباقية (30 بالمئة) تقع على عاتق المواجهة اﻷمنية؛ فإذا كانت المؤسسة المتداول على أنها معتدلة تبدو قريبة من بعض أفكار المتطرفين، والوزارة المنوط بها نشر التنوير، غارقتان في الخلافات، فمن الذي سيحارب ضد التشدّد ويجدّد الخطاب؟

4