تجديد الصياغة اللغوية بين التصنّع والعفوية

الأدباء والشعراء مدعوون إلى تطوير اللغة وتجديدها بما تمليه عليهم ذائقتهم وحساسيّتهم الفنية ورغبتهم في مسايرة مستجدّات عصرهم وأجوائه ومستحدثاته.
الخميس 2019/08/22
اللغة تتجدد خارج الإطار (لوحة للفنان نجا المهداوي)

التجديد في الإبداع الأدبي مطمح كلّ كاتب، ولكنه لا يمكن أن يتمّ عبر تدمير اللغة وقواعدها وضوابطها، فليس ثمة ما يحطّ من مكانة الكاتب قدر تصنّعه ابتكار تشكيلات جديدة للمقاطع والكلمات، ليقول في النهاية ما يقوله كلّ الناس.

من القضايا التي تثار باستمرار في الأوساط الأدبية والأكاديمية قضية اللغة، فهي وسيلة لفهم العالم، وصياغة تجلياته في كلمات مسبوكة، مثلما هي وسيلة للتفكير، وأداة للخلق والتعبير. تزدهر حين يحسن الناطقون بها استعمالها، ويَسْمون بها في نصوص مبتكرة، ويتوسّلون بمفرداتها وصيغها لبلوغ الجمال الفنّيّ، ثم تزداد رقيّا حينما يستعملونها في صياغة المفاهيم العلمية الدقيقة، والمعادلات الرياضية المعقّدة، والمقولات الفلسفية المجرّدة، فتغدو مرآة تعكس درجة الوعي الحضاري والتقدّم العلمي والاِجتماعي لهذه الأمة أو تلك، تتطوّر بتطوّر أهلها، وتتأخّر بتأخّرهم.

وبما أن اللغة كائن حيّ، فإنها في نموّ مستمر، تلفظ ما تقادم وتحضن ما يجدّ، والمعلوم أن كل لغة حيّة تتطور نتيجة عاملين أساسيين: أولهما أن كل جيل يبتكر لنفسه ألفاظا وتعابير، بعضها عارض يزول بزوال زمنه، وبعضها الآخر يثبت ويستمرّ، ثم يستقرّ في بطون المعاجم. وثانيها أن التطور الذي يشمل شتى مظاهر الحياة يفرض نحت عبارات تناسبه، واشتقاق مصطلحات للمبتكرات والأفكار المستجدة.

لما كان الأدب صناعة لغوية، فإن تطوير هذه الصناعة موكولٌ إلى الأدباء والشعراء، ليس بقرار مُلزِم يُرغمهم على تخيّر قاموس معيّن، وصيغ دون أخرى، بل بما تمليه عليهم ذائقتهم وحساسيّتهم الفنية ورغبتهم في مسايرة مستجدّات عصرهم وأجوائه ومستحدثاته، فالتجديد ينبع من رغبة ذاتية، ومن قدرة على تلبية متطلبات تلك الرغبة، فما كلّ داعٍ إلى التجديد بـ”آتٍ بما لم تَستطِعْهُ الأوائل” بعبارة المعرّي، لأن امتلاك اللغة وحدها لا يكفي، ولا بدّ أن يرفده تملّك للأدوات الفنية، وتمرّس بشروط الكتابة، واطلاع على المنجز الموروث محلّيّا وعالميا، إلى جانب رؤية مخصوصة تميز صاحبها عمّن سبقوه، فضلا عن الموهبة. يقول جان كوكتو “الأسلوب في نظر الكثيرين طريقة معقّدة لقول أشياء بسيطة. وفي نظرنا نحن، هو كيفية بسيطة جدّا لقول أشياء معقّدة”.

العربية الفصحى لا نعثر في قواميسها على ما شاع استعماله بين الناس، بعكس الكلام العادي الذي يتطور باستمرار

كلُّ ذلك من البدَهِيّات التي لا يتجادل فيها عاقلان، ولكن الجدير حقّا بالنقاش هو سبل تطوير الكتابةِ الأدبية نفسِها، من جهة قواعدها وضوابطها، ومن جهة لغتها، بصرف النظر عن الأساليب والأدوات الفنية المتوخاة، لكونها تكاد تكون ذاتية وإن تَوزّع بعضُ سماتها على أكثر من كاتب وأكثر من نص، وفي نصوص الكاتب الواحد أحيانا. فقد قرأنا رأيًا للصديق الأديب المغربي الحبيب الدايم ربّي يدعو فيه إلى عدم النظر إلى اللغة نظرة تقديس، لأن الخوف منها يقيّد القريحة والخلق، مثلما يدعو إلى التمرّد على ضوابطها بإقرار ضوابط “أكثر جرأةً وأبعد شأوًا في القبض على المنفلت من الأحاسيس والمعاني”، لأن تملّك اللغة واستعمالها في مستواها المعياري المدرسي لا يضمنان للنص أدبيته، ولا يحققان له التوهّج والحضور، بل يبقيانه في مستوى التحرير الإنشائي.

قد نتفق مع الأستاذ الدايم ربّي في عدم إضفاء القداسة على اللغة، وضرورة ابتكار صيغ من التعبير جديدة تراعي إيقاع العصر، ولكن ذلك ليس متاحا لأي كان، والذين جرّبوا وأفلحوا ولو بمقدار ضئيل هم من القلة النادرة، ولم يحدث ذلك إلا في البلدان التي تكاد تستوي فيها اللغة الملفوظة باللغة المكتوبة، ففي فرنسا مثلا تستقبل المعاجم كلَّ عام ألفاظا جديدة فرضها الاستعمال، آخرها faichlesse من العامية المغاربية “فَشْلة” بمعنى خمول، بينما اللغة عندنا تدبّ دبيبا بطيئا، فلا نكاد نعثر في قواميسها على ما شاع استعماله بين الناس، بعكس الكلام العادي الذي يتطور باستمرار وينهل من اللغات الأجنبية واللهجات، ولكنّ من غرف منه بغية “تجديد اللغة”، ظل نصُّه حبيس بيئته لا يُفهم خارجها.

ولا نوافقه على إقرار شروط للصياغة الأدبية، لأن الإبداع خلق على غير مثال، لا يمكن أن يخضع إلا لما تمليه ضوابط اللغة التي يستعملها مُنشئه. وهذه الضوابط هي الأسّ الذي تقوم عليه اللغة، فلا أدب بغير احترام قواعد النحو والصرف والإملاء والبيان، ولا لغة بغير مرجعية قاموسية، حتى يتبين الكاتب الصواب من الخطأ، وإلا عمّت الفوضى، خصوصا في هذا الظرف الذي انتقلنا فيه من جيل من الكتّاب كان يتحدّث كما يكتب، إلى جيل يكتب كما يتحدّث.

تطوير الكتابة الأدبية وليد الموهبة أكثر من الجهد (لوحة للفنان بسيم الريس)
تطوير الكتابة الأدبية وليد الموهبة أكثر من الجهد (لوحة للفنان بسيم الريس)

وهذا دارج حتى في الأمم المتقدمة التي تحترم لغتها، وما زلنا نذكر كيف أشادت جريدة لوموند علنًا بأحد قرائها، وهو أستاذ لغة متقاعد، كان يتعقّب طيلة أعوام ما يقع فيه صحافيّوها من هنات برغم جهود مصحّحيها ومدقّقيها اللغويين، فالخطأ عندهم لا يغتفر في وسائل الإعلام فما بالك بالمؤلفات الأدبية والفكرية. أما الحديث عن الانزياح لابتداع صيغ غير مطروقة، فذلك يصحّ في الشعر، لكونه يقوم على الصور والاستعارة والتشبيه والكناية، حيث لا يتطابق الدال والمدلول دائما، ولكنه لا يستقيم في الرواية التي تسرد أحداثا متنامية، تسمّى فيها الأشياء بأسمائها، ويصوّر فيها الواقع بتفاصيله، ولو أخضعناها للانزياح لصارت حجاء لا يفهم.

هنا نفهم قوله “وليس من المفارقة في شيء أن ننصح الناشئة بالحرص على الاستعمال السليم للغة، وفي الآن ذاته نعيب على بعض الكتّاب، المتمرّسين، تمسّكهم بحَرفية الضوابط اللغوية”، فما أراد في اعتقادنا إلا دعوة الكتّاب من ذوي التجربة إلى تَرْك الأساليب القديمة، وطَرْق سبل جديدة، تبتكر لها لغتها الخاصة، المشبعة بالشّعر ربّما، ولكن دون إذعان تامّ للقواميس، وهذا ما نلمسه في محاولات بعض المجدّدين، أما النّحو والصّرف والرّسم الإملائي، فلا سبيل إلى تجاوزها في رأينا ما لم تقرّر المجامع تبسيطها أو مراجعتها.

وصفوة القول إن تطوير الكتابة الأدبية ولغتها لا يخضع لقواعد، وإنما هو وليد الموهبة، ويخطئ من يتصور أن بذل الجهد وحده كفيل بخلق لوحات فنية رائعة، وأن رغبة التجديد سوف تتحقق بمجرد التمرد على اللغة وقواعدها، فليس أفضل من السّجيّة المشفوعة بالدربة والمراس، وهو ما نبّه له بوفون (1707-1888) حين قال “لا شيء يعارض الجمال الطبيعي كالجهد الذي نبذله للتعبير عن أشياء عادية أو مألوفة بكيفية مفخّمة، متصنّعة. فليس ثمة ما يحطّ من قدر الكاتب مثل ذلك. ونحن نُشفق عليه بدل أن نُعجَب به، نظرا إلى الوقت الذي قضّاه في ابتكار تشكيلات جديدة للمقاطع والكلمات، ليقول في النهاية ما يقوله كلّ الناس”.

15