تجربة الإخوان المسلمين في الحكم كشفت كذبة ديمقراطية الإسلام السياسي

الأربعاء 2014/08/13
كشفت تجربة السلطة فاشية الإخوان المسلمين وقدرتهم على تضليل الجماهير بتقنيات خطابية تقوم على شيطنة الآخر المخالف

القاهرة ـ مثل حدث صعود الإسلام السياسي إلى السلطة في أقطار عربية بعد أكثر من ثمانين سنة من العمل السري والعلني، دعوة جدية إلى عدد من الباحثين والأكاديميين لدراسة أبعاد هذا الصعود والبحث في تاريخ تطور هذا النوع من السياسيين (الدينيين). فبقطع النظر عن سر “بقائهم على قيد الحياة إيديولوجيا وجماهيريا”، والدال على وجود قوى دولية تقف وراءهم، فإن ديناميكية عمل هذه الحركات تاريخيا وتعاطيها التكتيكي مع الأنظمة والجماهير وسر انتشارها قبل ما يسمى “الربيع العربي” وبعده، طرح جملة من الأسئلة الجدية وجب البحث عن إجابات لها. وهو ما حاول شادي حميد، الباحث في مركز بريكنجز للدراسات الإسلامية والعلاقات الأميركية مع العالم الإسلامي أن يجيب عنها في كتابه “إغراءات السلطة”.

بداية من تسعينات القرن الماضي وحتى انطلاق موجة الربيع العربي، حاول شادي حميد أن يبحث في التغيرات التكتيكية التي تبناها الإسلام السياسي بمختلف أشكاله في التعاطي مع الواقع السياسي العربي وخاصة الإخوان المسلمين، ويرى أنها استطاعت التكيف مع معطيات هذه الفترة من خلال تبديل التكتيك المستخدم دون التنازل عن المعتقدات الأساسية بشكل نهائي، وهو ما تأكد في أعقاب موجة الربيع العربي، وعودة الإسلاميين للتمسك بهذه المعتقدات والأفكار بشكل متشدد (أي عودة الإخوان إلى طبيعتهم المتشددة).


تكتيكات ما قبل «الربيع»


يؤكد الباحث شادي حميد أن الإسلاميين بأنواعهم وخاصة جماعة الإخوان المسلمين قد بدأوا فعلا في الصعود التدريجي في مستوى الانتخابات البرلمانية والبلدية الضيقة المباشرة للمواطن، وهذا ما دعا الأنظمة التي كانت تحكم في تلك الفترة إلى تحسس خطر “المد الهادئ” للإسلام السياسي على المجتمع من الداخل وعلى المستوى الخارجي، فتغير تكتيك الإسلاميين بسرعة للتحول نحو النشاط الدعوي والجمعياتي الخيري الذي لم تتمكن الأنظمة الحاكمة من منعه نظرا إلى أنه “دعوة للدين” في ظاهرها ولم يتفطن إلى “تسييس للدين”.

كما أن شبكة المساعدات الاجتماعية التي أسسها الإسلاميون خلقت لهم قاعدة اجتماعية كبيرة في مختلف المدن والقرى، وهو ما عزز مواقعهم السياسية، وجعلها أكثر نضجا.

وهذا ما افرز لقوى الإسلام السياسي معارضة قوية ومنظمة، قادرة على الاستفادة في أي لحظة من سقوط الأنظمة الحاكمة والمتسمة آنذاك بسلطوية عامة على القوى اليسارية والإسلامية وحتى الليبرالية، ولكن الفارق أن قوى الإسلام السياسي وخاصة الإخوان المسلمين استطاعت “أن تستثمر مظلوميتها أن تورط الجماهير في الانتصار لها”.

عودة الإخوان إلى تطرفهم بعد الربيع العربي تكشف زيف خطابهم وقصورا في العائلات الحزبية الأخرى

ويمضي حميد بشكل أكثر عمقا في قراءة الظروف التي دفعت القوى الإسلامية في المنطقة العربية إلى إبداء مزيد من الاعتدال، متبعين بذلك تكتيكا جديدا يلائم معطيات المرحلة. حيث يشير حميد إلى مجموعة النكسات التي مر بها الإسلاميون في عقد التسعينات من القرن الماضي، بداية بتجربة الإسلاميين في الجزائر، وتدخل الجيش للحيلولة دون وصول جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى الحكم بعد أن اكتشف الجزائريون مدى تشدد تلك التنظيمات وتطرفها (العشرية السوداء)، مرورا بفشل الإسلاميين في التعاطي مع الديمقراطية الأردنية التي كانت مرتبكة بدورها، ووصولا إلى تشديد الخناق على جماعة الإخوان المسلمين في مصر. وهو الأمر الذي أثّر بشدة على القوى الإسلامية العربية، ودفعها إلى مراجعة ديناميكية عملها وذلك عبر “دهاء سياسي” في تغيير تام للخطاب السياسي الموجه للناس والذي أصبح يقر الديمقراطية والتعددية وحقوق النساء وأيضا اختيار تحالفات تبعد الشبهة المتطرفة عن الإسلام السياسي مثل تجربة 18 أكتوبر في تونس مع أحزاب يسارية. وقد أدت هذه الخطواتُ في مجملها إلى تعزيز قوة الإسلاميين على الساحة السياسية.

وفي سبيل حرصهم على عدم فقدان تلك القوة، كانوا حذرين في تعاملهم مع الأنظمة السياسية القائمة. ففي حين كانوا قادرين على خوض غمار المنافسة في الانتخابات وبقوة، كانوا حريصين على عدم إظهار قوتهم السياسية الحقيقية، وعدم تأكيد قدرتهم على السيطرة على المشهد الانتخابي، وكل ما كانوا يهدفون إليه هو التأكد من أنهم سيحلون محل الأنظمة السياسية القائمة إذا ما انهارت يوما ما.


ما بعد الربيع والعودة إلى الأصول

بعد التعريج على بعض مظاهر التكتيكات التي سلكها الإسلاميون وعلى رأسهم الإخوان المسلمون في تربص الفرص للانقضاض على السلطة، يذهب الباحث في الجماعات الإسلامية شادي حميد إلى أن المرحلة التي أعقبت موجة الربيع العربي هي المرحلة الثانية لتاريخ الحركات الإسلامية، والتي أطلق عليها مرحلة “الانفتاح الديمقراطي”. ويشير حميد إلى أن الجماعات الإسلامية في هذه المرحلة تخلت عن تكتيكها السابق، وعادت إلى التمسك بسابق معتقداتها، أي أنها أصبحت راديكالية أو بالأحرى عادت إلى طبيعتها.

ففي مواجهة الانفتاح الديمقراطي، بدا الإسلاميون أكثر تمسكا بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية، وهو الأمر الذي قوض الأطروحات الحديثة التي مفادها أنه كلما تم السماح للجماعات الإسلامية بالانخراط في العملية الديمقراطية، كلما مالت معتقداتهم وممارساتهم لتصبح أكثر ليبرالية. وهو ما ثبت خطؤه تماما. ولعل دليل ذلك هو تخلي الجماعات الإسلامية (أساسا الإخوان) عن تحالفاتها ما قبل الربيع العربي والتبرؤ منها والهرع سريعا إلى مجالها الإيديولوجي والحزبي الذي يماثلها (إسلاميا).

تحول نشاط الإسلاميين إلى الدعوة والعمل الخيري لاستمالة مشاعر الناس وتوظيفهم لمظلومية موهومة

ويذهب حميد إلى رؤية تحول السلوك السياسي للجماعات الإسلامية من الداخل، ليصل إلى نتيجة تنقسم إلى جزأين في عرضه لأسباب هذا التحول.

فأولا، يعتقد شادي حميد أنه في المجتمعات المحافظة، مثل مصر والأردن، تدعم المشاعر الشعبية تطبيق أنظمة قانونية أكثر تقليدية.

فعلى سبيل المثال، في عام 2011 أشار استطلاع أجراه معهد “جالوب”، إلى أن 65 ٪ من المصريين يعتقدون أن القيادات الدينية يجب أن تلعب دورا محوريا في تقديم المشورة إلى أولئك القائمين على صياغة التشريعات الوطنية. وفي مارس 2012، أظهر استطلاع رأي أجرته شركة “يوغوف” أن 18 ٪ فقط من المصريين يدعمون فكرة ترشح “امرأة” لمنصب رئيس الجمهورية. وبالتالي فمن المنطقي أن تستجيب الأحزاب السياسية -خاصة الإسلامية منها- لتلك المشاعر الشعبية المحافظة.

من جانب ثان، فإن تمسك أحزاب الإسلام السياسي بالإيديولوجيا المغلقة التي تقوم عليها (من مسلمات فقهية، وتعاط غيبي مع الواقع وخطاب يشيطن الآخر) أعطى قوة ما في التحرك الميداني وجمع الناس من حولهم بعد أن تم تخدير الجموع بمقولات دينية تتماشى والوعي البسيط للمجموعة غير المدركة لحقيقة التعاطي مع الشأن السياسي والعمومي.

وبالتالي اتضح أن الإسلام السياسي هو محيط سياسي غير قادر على البقاء حيا في الساحة السياسية العربية التي أرادت من خلال “الربيع العربي” أن تعبر عن نفسها ديمقراطيا ووطنيا للبحث عن سبل العيش المشترك في ظل الوحدة الوطنية.

وبالتالي فإن اختبار السلطة التي تعرضت له جماعة الإخوان المسلمين في مصر وتونس كشف هذا المعطى من داخل نسق الجماعات الإسلامية، وليس سقوط الإخوان في مصر إلا دليلا على أن الإخوان غير قادرين على التعبير عن حقيقة الطموح العربي.

13