تجربة الدفع الإلكتروني هل تفتح عهدا جديدا للصحافة المصرية

إجراء الدفع الإلكتروني يتطلب وسط الآلاف من المنصات الإلكترونية المجانية أن يكون هناك محتوى يجبر القارئ على الاشتراك فيه.
الخميس 2018/10/11
المصري اليوم تبدأ تجربة فريدة في مصر

قررت صحيفة المصري اليوم أن تكون أولى الصحف المصرية التي تتحول إلى المحتوى الرقمي المدفوع، معتمدة على فرض اشتراك رمزي وإنتاج محتوى متميز لضمان نجاح التجربة، رغم الشكوك في أن الظروف السياسية الحالية لن تساعد التجربة.

القاهرة - دفعت الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها المؤسسات الإعلامية، صحيفة “المصري اليوم” الخاصة إلى التحول تدريجيا نحو بيع المحتوى الإلكتروني الخاص بها، وقدمت لقرائها مع بداية الشهر الجاري، نسخة إلكترونية لصحيفتها المطبوعة مقابل اشتراك رمزي، وسمحت لمتابعيها بالاشتراك مجانا لمدة شهر ترويجا للتجربة.

وتعد هذه الخطوة الأولى من نوعها بين الصحف الإخبارية اليومية في مصر، وسبقتها صحيفة “المقال” الأسبوعية المهتمة بالرأي، غير أنها توجهت للجمهور المصري والعربي وحددت قيمة اشتراكها بالدولار قبل أن تتوقف عن تقديم الخدمة منذ ستة أشهر.

وحددت “المصري اليوم” اشتراكا يوميا لنسختها الإلكترونية تمثل قيمته 10 بالمئة من ثمن الصحيفة المطبوعة، بالإضافة إلى اشتراك شهري يوازي ثمن الصحيفة اليومية، واشتراك سنوي تبلغ قيمته نحو 85 سنتا.

وقال عبداللطيف المناوي، رئيس تحرير الصحيفة، “إن النسخة الإلكترونية المدفوعة تختلف عن نظيرتها المطبوعة، وتصل عدد الصفحات إلكترونيا إلى 24 صفحة مقابل 14 صفحة للصحيفة الورقية، ما يتيح التوسع في الاهتمام بالجوانب الجاذبة للجمهور، والتركيز على الموضوعات التحليلية وزيادة عدد الصفحات المتخصصة، على أن تقدم جميعها بالألوان لجذب القارئ”.

وأضاف في تصريحات لـ“العرب” أن الصحيفة “أجرت العديد من الدراسات التي أكدت أن هناك قبولا نحو تحول الجمهور إلى الدفع الإلكتروني، حال وجود محتوى متميز يستطيع استقطابه إليها، وبدأنا في تدريب المحررين وتحسين جودة إنتاجهم، غير أن الصحيفة تنتظر نتائج تطبيق التجربة على أرض الواقع لتقييمها”. وأوضح أن الاشتراكات الرمزية التي حددتها الصحيفة سوف تستمر بنفس قيمتها لفترات طويلة، وأن وجود عدد مشتركين على الخدمة الإلكترونية سيكون مفيدا من الناحية الاقتصادية للصحيفة، في ظل ارتفاع تكاليف الطباعة وانخفاض معدلات التوزيع التي تشهدها الصحف المصرية بشكل عام، لكن ذلك لا يعني أن هناك توجها نحو تقليص أعداد النسخ المطبوعة أو توقفها، فالهدف الأساسي هو كسب قراء جدد للصحيفة عبر الوسائط التكنولوجية الحديثة.

عبداللطيف المناوي: الصحيفة تنتظر نتائج تطبيق التجربة على أرض الواقع لتقييمها
عبداللطيف المناوي: الصحيفة تنتظر نتائج تطبيق التجربة على أرض الواقع لتقييمها

وأشار المناوي، الذي أقدم على تلك الخطوة بعد شهر تقريبا من توليه رئاسة تحريرها، إلى أن تطبيق الدفع الإلكتروني يأتي استجابة لحالة التوسع الكبيرة في استخدام أجهزة التابلت والمحمول لدى فئة الشباب التي تستهدفها الصحيفة، كما أن القرار يستبق الزيادة المتوقعة في أسعار الصحف المطبوعة.

ويتطلب إجراء الدفع الإلكتروني وسط الآلاف من المنصات الإلكترونية المجانية أن يكون هناك محتوى يجبر القارئ على الاشتراك فيه، كما أن استغراق غالبية الصحف في التركيز على الجوانب المحلية يفقدها القدرة على جذب قراء من خارج البلاد، ما يتطلب التحول نحو الانفتاح على القضايا الدولية التي تعاني تهميشا في الصحافة المصرية.

ويصعب الحديث عن نجاح أي تجربة من دون أن تكون هناك كفاءة مهنية للعاملين، تساعد على تقديم محتوى مختلف عما تقدمه الوسائط المجانية الأخرى، وتوافر الحريات العامة التي تسمح بالإبداع والتنوع.

وأكد هشام قاسم، الناشر الصحافي أن نجاح تجربة “المصري اليوم” لا ترتبط بكم المحتوى المعروض من خلال النسخة المدفوعة، إذ اعتمدت غالبية التجارب الناجحة سابقا على تخفيض المحتوى في مقابل زيادة جودته، غير أن المناخ السياسي العام في مصر لا يساعد على نجاح التجربة بهذا الشكل، وقد تكون زيادة حجم المحتوى الذي لجأت إليه الصحيفة تعويضا عن الجودة المطلوبة.

وأشار لـ“العرب” إلى أن تجربة الدفع الإلكتروني قد تؤدي في بداية الأمر إلى تقليص عدد الزائرين، غير أنها تجذب نوعا من الجمهور لديه الرغبة في التفاعل بشكل يومي مع الصحيفة، وتغيير تلك الثقافة لدى القائمين على الصحف المصرية التحدي الأكبر للتجربة والتوسع فيها، وهو أمر يسهل تحقيقه تماشيا مع إقدام الجمهور العادي على السداد الرقمي.

ولفت قاسم، الذي عمل سابقا مستشارا لتطوير صحيفة المصري اليوم، وكان أحد مؤسسيها، إلى أنه عرض تطبيق التجربة الحالية للتعامل مع الأزمات الاقتصادية التي واجهتها الصحيفة من قبل، غير أن اقتراحه لم يكن محل ترحيب من القائمين عليها، مشددا على أن التحول الحالي لا بد أن تصاحبه إعادة هيكلة للمؤسسة الصحافية.

وتسعى الصحيفة المصرية المستقلة إلى الاقتداء بتجربة “النهار” اللبنانية الإلكترونية، التي تتيح بعض المحتوى مجانا في مقابل دفع اشتراك للمحتويات المتميزة التي تقدمها، لكن البعض من الصحافيين المصريين يرون أن “المصري اليوم” ستواجه صعوبات أكبر لنجاح تجربتها بسبب التضييق على حرية الصحافة، مقارنة بالحالة اللبنانية التي تتمتع بقدر كبير من الحرية وتدعم إنتاج محتويات متميزة.

ويشكل فشل استمرار تجربة “المقال” التي انتهت قبل أن تكمل عامها الأول هاجسا بالنسبة للقائمين على إدارة “المصري اليوم”، الأمر الذي انعكس على ترويج الصحيفة للاشتراكات المدفوعة من خلال نسخها المطبوعة، ودفعها إلى الاستمرار في نشر المحتوى الالكتروني المجاني، ونشر العدد اليومي المطبوع إلكترونيا، فيما أدخلت تطويرات فقط على النسخة المدفوعة لضمان عدم فقدانها جمهورها الأساسي.

وذكر شادي عيسى، رئيس تحرير صحيفة المقال، أن التعقيدات الإدارية والرقابة الصارمة على الأموال المحولة للصحيفة من الخارج ساهما في فشل التجربة، وإجبارها على التعامل مع بنك حكومي وحيد وعدم قدرة الصحيفة على إنهاء المشكلات الإدارية، كما أن وقف الخدمة أكثر من مرة من البنك أدى إلى تراجع الجمهور عن الاشتراك في الخدمة.

وأضاف لـ”العرب” أن صحيفته هدفت إلى الاستفادة من وجود ثقافة الدفع الإلكتروني لدى المصريين بالخارج، والذين لم تتوفر لديهم فرصة الحصول على نسخة مطبوعة، وبالتالي فإن تفاعلها مع الجمهور الداخلي ركز بشكل أساسي على النسخة المطبوعة، لكن فشل التجربة دفع إلى تأسيس موقع إلكتروني كخطوة أولى قبل العودة مرة أخرى إلى الدفع الإلكتروني من خلاله.

18