تجربة تونسية تثبت أن الصحافة الورقية لا تموت

"جريدة المدينة" مبادرة صحافية تعتمد على المتطوعين الشباب من القراء والهواة، نجحت من خلال حرصها على تمييز المحتوى الذي تقدمه باللهجة العامية “الدارجة” التونسية، وكسبت ثقة القراء رغم المعوقات المالية.
الخميس 2016/09/15
الفكرة باقية ولا تموت طالما هناك أشخاص يؤمنون بها حقا

تونس – تجربة صحافية جديدة وفريدة في تونس، بدأت بالحماس من قبل أحد عشاق المدينة العتيقة في العاصمة، حين وقع تحت سحر المدينة.

فقد راودت راؤول سيريل هامبرت فكرة إصدار جريدة تجعل الجميع يتشارك في عشق ذلك المكان، وبدأ المغامرة حين كان يعمل مع جمعية صيانة مدينة تونس٬ منذ مايو عام 2015. استقرت المشاورات على إطلاق جريدة يكتب فيها العديد من المتطوعين٬ يتشاركون في توفير الدعم المالي.

ويرى هامبرت أن عامل القرب من المتلقي -عبر استخدام اللهجة العامية "الدارجة"التونسية- هو السبب الرئيسي في نجاح مبادرة الجريدة، ذلك بالإضافة إلى الطرائف التي لا تغيب عن كل عدد يصدر. ويقول هامبرت “لا نقبل بأن تخضع الجريدة للنمطية٬ نريد الارتقاء بالمحتوى وجعله يواكب العصر الحديث. لقد عمدنا إلى اختيار الأسود والأبيض في الصور لإضافة جمالية ونوستالجية على المواضيع المكتوبة لإغراء القارئ".

وصدر أول عدد في نوفمبر 2015 تحت عنوان “جو المدينة”. ويعتبر هامبرت “أن طابع الجريدة جعل أصحاب المشاريع هناك يساندوننا في التوزيع. نحظى الآن بأكثر من نقطة توزيع دائمة. كذلك بالنسبة للكتّاب المتطوعين، فقد أصبح سكان المدينة يأتون إلينا بمساهماتهم لننشرها وهي عبارة عن مقالات٬ ذكريات وصور وغيرها”، بحسب ما كتبت آمنة ميزوني لموقع شبكة الصحافيين الدوليين.

وأشارت زينب مديوني، رئيسة التحرير إلى أن البعض من أصحاب المحلات الذين لا يفقهون لا القراءة ولا الكتابة، يستعينون بأولادهم وأحفادهم ليتمكنوا من الظهور في جريدتهم المجتمعية.

وتهدف الجريدة المجانية ذات المنهج المجتمعي إلى تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية والحضرية الغنية في مدينة تونس وتُبرز أهميتها كمركز تاريخي. ويحاول فريق العمل إصدارها شهريا باللهجة العامية التونسية مع بعض النصوص المترجمة إلى الفرنسية والإنكليزية بهدف الوصول إلى جمهور أوسع.

وتؤكد مديوني أنهم يحاولون الابتعاد عن صور البطاقات البريدية المحمّلة “بكليشيهات” قديمة أو التسويق السيء للمدينة على أنّها مكان خطر ومهدّم. وتتابع “نتجنب أيضا انتهاج منهج علمي صرف أو نخبوي بحت. ويمكن لسكان المدينة تقديم المواد الشخصية للمساعدة في إثراء محتوى الجريدة، ونستخدم مساهماتهم في شكلها الأصلي لإعطاء الجريدة طابعا يشبه اليوميات”.

ويعتبر المثقفون التونسيون أنه “ليس من السهل التعامل مع متطوعين خاصة لو كانوا طلبة”، لكن هناك من خالف هذه القاعدة، وهم مجموعة من الأشخاص معظمهم من المتطوعين.

وتم انتخاب يسر حيزم مؤخرا من قبل المجموعة لتشغل منصب المسؤولة عن القسم المجتمعي، وهي من المحررين النشيطين في الجريدة، ومن رواد مقهى العنبة، النسخة الحديثة لمقهى تحت السور، الذين يمثلون عماد هذه الوسيلة الإعلامية.

راؤول سيريل هامبرت: عامل القرب من المتلقي عبر استخدام الدارجة التونسية، هو السبب الرئيسي في نجاحنا

ويؤكدون على أن هذه الجريدة كغيرها من المبادرات الإعلامية الشابة مستقبلها يكمن في فهم القارئ واعتباره جزءا من المحتوى وليس مجرد متلق بالمعنى السلبي. المتلقي الإيجابي نهم جدا ووعيه يدفعه إلى انتقاد الوسيلة الإعلامية التي أمامه، إن لم تتماش مع ذوقه وتطلعاته.

وتؤكد مديوني أن مشاركة الفريق في القضايا والمقالات كانت الدافع إلى استقطاب القراء والمنضمين، وتقول “رغم أننا بدأنا من دون أي خلفية صحافية، إلا أن المحتوى الذي نصدره كان ولا يزال هو العامل الرئيسي لنجاحنا”. وتجاوز معظم المحررين المتطوعين مرحلة التطوع وأصبحوا يرون فيها (الجريدة) فسحة أملهم وتمثل العائلة التي تضمّهم.

وتتحدث حيزم، الطالبة بالمعهد العالي للتراث، عن تجربتها مع جريدة المدينة، حيث أنها كانت في البداية مولعة بالكتابة باللغة العامية التونسية ووجدت نفسها محاطة بأصدقاء يشاركون عبر اقتراحاتهم ونصوصهم وصورهم في مولود المدينة الجديد. وخاضت التجربة ونشرت حكايات وأساطير ممزوجة بالتاريخ. فأصبح لديها جمهور من القراء يتابعونها ويراسلونها عبر صندوق الاقتراحات الموجود في “قهوة العنبة”. وتقول حيزم “بغض النظر عن الفريق القائم على العمل٬ ديمومة الجريدة في بقاء قرائها ومن يشاركوننا نصوصهم وآراءهم في كل عدد. الفكرة باقية ومستمرة ما دام هناك أشخاص يؤمنون بها حقا”.

ولا تملك جريدة المدينة هيكلا قانونيا خاصا بها ولها ممثّل يتكفّل بالصرف المالي. ويظل المعهد الألماني للعلاقات الثقافية الخارجية هو المموّل الرسمي٬ أما المتصرّف المالي فهو الشركة المجتمعية التي تحمل اسم السمكة الزرقاء، وهي مؤسسة اجتماعية تعمل على تصميم وتنفيذ مشاريع بهدف المحافظة على الحرف التقليدية والأماكن التاريخية، وهذا ما جعل أهداف جريدة المدينة تتماشى مع ما تطمح هذه الشركة إلى تحقيقه.

وإذا كانت ديمومة الجريدة مضمونة عبر المحتوى الجيد الذي تقدمه، إلا أن الجانب المالي يبقى العائق الأساسي. فقد كان من السهل على فريق العمل أن يكسب ثقة القراء، إلا أن المانحين والممولين يصعب إقناعهم. وبالنسبة إلى جريدة المدينة، فبعض القراء طلقاء الأيدي ويساهمون كلّ بطريقته من أجل الحفاظ على ديمومة هذا المنبر الثقافي. فالشراكات التي أبرموها، ولو ضمنيا، مع ناشطين آخرين في المجتمع المدني، تمثل عامل نجاح قد يساعد في تطوير الجريدة.

وتتحدث بهية نار٬ مستشارة في وسائل الاتصال المجتمعي٬ عن كيفية تطوير هذه المبادرة الإعلامية، وتقول “فريق التحرير يسعى إلى إثراء وتوزيع إنتاج الجريدة عبر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، مما ساعده في بناء جسر بينه وبين متابعيه. وكبداية لو طور هذا الفريق تطبيقا محمولا وخاصا به، فذلك ربما سيفتح له آفاقا جديدة”.

وحمّل المعجبون بجريدة المدينة صحيفتهم أينما ذهبوا وتمّ توزيع الجريدة في جامعة هارفرد٬ وعدة مدن أوروبية أخرى وذلك بمساهمة القراء طبعا.

18