تجربة تونس تقدّم دروسا للجزائر والسودان

حالة تونس أظهرت أن أي انتقال، حتى لو اعتبر ناجحا، سيظل محفوفا بالمخاطر ما لم يرافقه انتعاش اقتصادي يخلق فرص عمل ويدفع نحو النمو، وهذا أمر لا يسهل القيام به.
الأحد 2019/04/21
نفد الصبر

إن كانت الاضطرابات قد دفعت الرئيسين اللذين حكما لفترة طويلة في الجزائر والسودان إلى التخلي عن كرسييهما، في ترسل رسالة إلى الجيل السياسي الجديد بأن يستخلص دروسا من التحولات الأخرى التي شهدتها المنطقة العربية منذ اندلاع الربيع العربي سنة 2011.

يقول الدرس الأول إنه على الرغم من التداعيات الإقليمية للاضطرابات والاحتجاجات في البلدان العربية، فإنه لا يمكن تجاهل العوامل والأسباب الداخلية لها.

قد تبدو نظرية الدومينو أكثر إثارة وجاذبية عند دراسة طبيعة العوامل التي أدت إلى سقوط رئيسي الجزائر والسودان. لكن، يحمل واقع كل دولة دوافع أكبر تبرر الاحتجاجات وتجعلها العامل الحاسم الذي دفع عمر حسن البشير وعبدالعزيز بوتفليقة خارج دائرة السلطة، أكثر من كونها ارتدادات موجة خارجية.

خرج المحتجون في الجزائر والسودان إلى الشارع مدفوعين بالعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بلديهم، مثلما كان الأمر قبل سنوات في تونس وليبيا ومصر التي اختارت مجتمعاتها الوقوف أمام الأنظمة السلطوية.

لا يمكن إنكار فكرة حصول الجماهير الشابة على الإلهام والتشجيع من مشاهد المتظاهرين في البلدان العربية الأخرى. ولا تحتاج الصورة إلى محلل لمعرفة أن بعض الجهات الفاعلة الإقليمية التي تسعى إلى الحصول على نفوذ أوسع يمكن أن تجد في الاحتجاجات فرصة لتسوية الحسابات مع القادة الذين لا تحبهم. كما يمكن أن تروق فكرة تغيير النظام (في بلدان معينة أكثر من غيرها) لبعض القوى العالمية ذات الأجندات التدخّلية.

مع ذلك، تبقى عوامل الاضطرابات الأساسية داخلية. يمكن للسكان أن يتحملوا الرؤساء الذين تجاوزوا فترات ولاياتهم بأشواط، ولكن صبرهم ينفد في النهاية في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

في السنوات الأخيرة، وصلت العديد من المجتمعات العربية إلى نقطة لم تقدر عندها على مواصلة تحمل الأوضاع. أفاض المستبدون الذين تشبثوا بالسلطة لمدة عقدين أو ثلاثة عقود (إن لم يكن أكثر) الكأس في نهاية المطاف، ولم يعد مرحبا بهم.

فجأة، لم يعد السكان الذين بدوا على استعداد للعيش مع رئيس لا نهاية لفترة حكمه، راغبين في الانتظار لفترة أطول. لقد وصلوا إلى هذه النقطة بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الداخلية المتردية. هذا هو الدرس الثاني الذي  يجب أن يتذكره الحكام الجدد.

في الجزائر والسودان، تضرر الاقتصاد قبل أن يتوصل المتظاهرون إلى نتيجة مفادها أن على الحكام الرحيل.

هناك بالطبع مسرعات للاحتجاجات، مثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ومستوى القمع الذي تعرض له المتظاهرون وقدرة الحكام على قراءة شعارات المتظاهرين.

قد لا تمثل السياسات مشكلة. لكن، تنطلق ديناميكيات التغيير السياسي بسرعة بمجرد أن يرى الشباب في استمرار النظم السياسية التي عفى عليها الزمن عقبة بينهم وبين مستقبل أفضل.

زودت المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأنظمة القائمة بإشارات إنذار مبكرة كان ينبغي أن تدفعها إلى تصحيح مسار سياساتها. لكن، تميل الأنظمة المعرضة لـ”خطر الانقراض” إلى المماطلة، وتحاول شراء الوقت.

جعلت الدولة البيروقراطية الجزائرية، إلى جانب المصالح العشائرية، النظام غير مستجيب للإرادات. وغرس ذلك يأسا لا يطاق في فئة الشباب. لم يستطع اقتصاد البلاد غير المتنوع التكيف مع انخفاض أسعار النفط من 100 دولار للبرميل في عام 2014 إلى 66 دولارا في الأشهر الأخيرة.

انخفض احتياطي النقد الأجنبي بمقدار النصف وتراجع نمو الناتج القومي الإجمالي إلى أقل من 1 بالمئة. لذلك لم تستطع الحكومة تمويل برامجها الاجتماعية.

نظرا إلى أن معدل بطالة الشباب بلغ حوالي 30 بالمئة، وأن نصف عدد السكان يقل أعمارهم عن 25 عاما، من غير المفاجئ أن الشباب كانوا أول من اعترض على محاولة الطبقة الحاكمة تمديد حكم بوتفليقة إلى ولاية خامسة.

كان السودان يعاني مع معدل تضخم يبلغ حوالي 70 بالمئة ومستوى ديون أجنبية تبلغ حوالي 50 مليار دولار واحتياطي عملة صعبة يكفي سبعة أسابيع من الواردات فقط.

لا يتجاوز نصف السكان في السودان سن الـ19 عاما، وتجاوزت نسبة البطالة في صفوف الشباب 27 بالمئة. كانت الأوضاع بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت، إذ لم يكن حزب المؤتمر الحاكم على نفس صفحة مطالب السكان، ولم يعد حكمه الإسلامي يضمن سيطرة النظام على السلطة.

يجب على الأطراف الرئيسية، خاصة تلك التي تحاول التمسك بالسلطة، أن تنظر في دروس الانتفاضات العربية، وعليها أن تعي بأنه مع التحولات الديمقراطية من المرجح أن تعود الاقتصاديات لتطاردها في وقت أقرب مما تتوقعه.

أظهرت حالة تونس أن أي انتقال، حتى لو اعتبر ناجحا، سيظل محفوفا بالمخاطر ما لم يرافقه انتعاش اقتصادي يخلق فرص عمل ويدفع نحو النمو، وهذا أمر لا يسهل القيام به. في ظل المطالب التي لا نهاية لها والتوقعات الجامحة التي تأتي مع الحماس الثوري، ستكون سياسات الإنفاق الكبيرة أكبر من صرامة الميزانية. ولا يمكن الدفاع عن مثل هذه السياسات.

قد يركز الحكام المؤقتون في الجزائر والسودان على الاهتمامات العاجلة الآن. لكن، تنتشر مطالب بمحاكمة رجال الأعمال الفاسدين والتحقيق في مزاعم سوء الإدارة في شركة النفط الوطنية في الجزائر.

يلمّح الحكام السودانيون إلى أنهم يرون أن الصعوبات الاقتصادية ملحة، وشملت تعبيرات الدعم السعودي والإماراتي للخرطوم تعهدات بالإسراع بالمساعدة الاقتصادية للبلد شبه المفلس.

يجب على المؤسسة العسكرية والأمنية أن تضع في اعتبارها المخاطر الأمنية المنجرة عن الفراغات في السلطة مع الحدود غير الآمنة. ويجب ألا ترتكب أخطاء الحكام التونسيين الذين تركوا المتطرفين الإسلاميين يخربون بلدهم بعد الثورة. أدى ذلك إلى وقوع حوادث إرهابية كبرى قبل أن تدرك الطبقة السياسية الجديدة أهمية الحفاظ على الأمن القومي في ظل الديمقراطية.

في المقابل، يجب أن يسمح المجتمع للمؤسستين العسكرية والأمنية في السودان والجزائر بمواصلة أداء مهمتهما في مواجهة تحديات الأمن القومي، في حين ينبغي أن تتاح الفرصة أمام الجيل الجديد من السياسيين لتوجيه بلدانهم نحو الديمقراطية وإعادة البناء الاقتصادي. وهذا هو أهم درس يمكن استخلاصه في النهاية.

5