تجربة رائد المفاهيمية في الفن العربي بين دفتي كتاب

"فنان العمل الواحد" إصدار إماراتي يعكس ممارسة الفنان الراحل حسن شريف الفنية، ناسجا سردياته الشخصية من الزوايا المختلفة في حياته المهنية.
الخميس 2020/10/29
الراحل استخدم المهمل وحوله إلى عمل فني

عبر تجربته الممتدة من بداية سبعينات القرن الماضي حتى وفاته عام 2016 مثّل فن الإماراتي حسن شريف انعكاسا للتغيرات التي طرأت على المجتمع الإماراتي والمنطقة العربية ككل، وفرضت تجربته نفسها كرافد جديد ومختلف عن الفكرة السائدة، عصرئذ، حول مفهوم العمل الفني في صورته الكلاسيكية. وتقديرا لتجربة هذا الفنان الرائد أصدرت مؤسسة الشارقة للفنون كتابا جديدا يتناول تجربة الفنان الإماراتي الراحل؛ حرّرت الكتاب وقدّمت له الشيخة حور بنت سلطان القاسمي رئيس المؤسسة.

أبوظبي – يعدّ الفنان التشكيلي الإماراتي الراحل حسن شريف (1951 – 2016) من الجيل الأول الذي أسّس للحركة التشكيلية الحديثة في الإمارات بل وفي العالم العربي بشكل عام، حيث حقّق مكانة مهمة في الفن من خلال توجهه إلى المفاهيمية المطلقة.

ولأن مسيرة الفنان الراحل تعدّ استثنائية بكل المقاييس الجمالية المحدثة في الفن العربي المعاصر أصدرت مؤسسة الشارقة للفنون كتابا استقصائيا جديدا يتناول تجربة الفنان الإماراتي الراحل حسن شريف، رائد المفاهيمية الذي خطّ مسارا جديدا ومغايرا في حركة التشكيل الإماراتية، منتجا رؤى جمالية وفلسفية تتجاوز البنى والأطر التقليدية نحو آفاق أرحب في التعاطي مع مفهوم الفن وآليات إنتاجه وعرضه وتلقيه.

ويأتي الإصدار الجديد في سياق برنامج النشر في مؤسسة الشارقة للفنون، وضمن سعيها للتعريف بأهم التجارب الإبداعية الريادية التي شكلت إضافة نوعية للمشهد الفني المحلي والدولي.

عن التكرار وأبعاده

حسن شريف كان يقرّ بأن أعماله متكرّرة في المواد والأشكال وغير متكرّرة في الوقت عينه، وهو تكرار صحي لا ينقص من اشتغال الفنان
حسن شريف كان يقرّ بأن أعماله متكرّرة في المواد والأشكال وغير متكرّرة في الوقت عينه، وهو تكرار صحي لا ينقص من اشتغال الفنان

يحمل الكتاب عنوان “حسن شريف: فنان العمل الواحد”، وهو من إصدار مؤسسة الشارقة للفنون ودار كوينغ بوكس في لندن، حرّرته وقدّمت له الشيخة حور بنت سلطان القاسمي رئيس المؤسسة، التي عملت على تقييم أكبر معرض استعادي لأعماله أقيم في الشارقة عام 2017، والذي يواصل عرضه هذا العام في عدد من المدن الأوروبية ضمن جولة تنظمها المؤسسة بالتعاون مع معهد كي دبليو للفن المعاصر في برلين، وغاليري مالمو كونستهال في السويد.

وعبر ما يقارب 350 صفحة من القطع الكبير، يسبر الكتاب ممارسات حسن شريف الفنية متعددة التخصّصات، ويشمل أعمالا مفقودة، وترجمات إنجليزية لكتاباته الصحافية والتجريبية، إلى جانب مواد أرشيفية من معارض وأحداث، وكذلك حوارات ووجهات نظر معاصري شريف في الإمارات.

ويطالع القارئ في مطلع الكتاب مقالة “أنا فنان العمل الواحد” التي كتبها شريف سنة 1989، ومنها استُمد عنوان الكتاب، وفيها يناقش شريف ما يؤخذ على أعماله من أنها تحمل سمة التكرار، وهو القائل “يعتقد بعض المهتمين بأعمالي الفنية أنني أقوم بتكرار المواد التي أستخدمها وبتكرار الأشكال التي أنتجها. لتوضيح ذلك أحب أن أقول: إن أعمالي متكرّرة في المواد والأشكال وغير متكرّرة في الوقت عينه”.

لقد شكّل التكرار جزءا أساسيا من أعمال شريف، فهو يرى أنه حتى وإن تكرّرت المواد نفسها في أكثر من عمل فإنها من المستحيل أن تتشابه في طريقة وزمن تشكيلها، وأن التكرار مسألة صحية لا تنقص من اشتغال الفنان، حيث كتب موضحا “أنا أحب التكرار، فأن يقوم الفنان بتكرار إنتاج عمل واحد على مدى الحياة فتلك مسألة صحية، إذًا ليس ثمة في الفن قانون يمنع الفنان من الجلوس في ركنه”.

وواصل “الفنان يجلس في زاويته الخاصة وقد نسميها ‘زاوية الفن’ ويقوم بتكرار وإنتاج عمل واحد طوال حياته. ليس هناك من عملين فنيين لفنان واحد.. هذا مستحيل. جميع أعمال الفنان سواء كانت لوحة مرسومة بالحبر الأسود، أو لوحة زيتية، أو قطعة نحت، أو أي شيء مصنوع أو مركب.. جميعها عمل واحد.. دع الفنان يجلس في زاويته الخاصة ويلف خيط ‘سوتلي’ على قطع من قماش الخيش.. تراه يغرق في التكرار، والتكرار ليس ممنوعا”.

الكتاب يسبر ممارسات حسن شريف الفنية متعددة التخصّصات، ويشمل أعمالا مفقودة، وترجمات إنجليزية لكتاباته الصحافية والتجريبية
الكتاب يسبر ممارسات حسن شريف الفنية متعددة التخصّصات، ويشمل أعمالا مفقودة، وترجمات إنجليزية لكتاباته الصحافية والتجريبية

وفي القسم الأخير من الكتاب يجد القارئ أيضا نسخة بخط اليد لكتاب “مفهوم الفن” الذي أصدرته دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام 1997، وتضمن قراءة ثلاثة فنانين إماراتيين، هم: حسن شريف ومحمد أحمد إبراهيم ومحمد كاظم في بعض الأعمال الفنية البصرية التي عرضت ضمن بينالي الشارقة الثاني، وهي محاولة لإضافة ثقافة جديدة ومختلفة عن الفنون البصرية إلى ساحة الإمارات وتزويدها بقراءة معمّقة عن الأعمال الفنية ونقدها وتحليلها، بالإضافة إلى مناقشة العديد من المفاهيم مثل “طبيعة الفن” و”وظيفة الفن”، وكذلك دور الفنان والمؤسسات الثقافية في خلق الثقافة البصرية عند المشاهد وتطوير حسّه النقدي حتى لا يبقى أسير فهم واحد للفن.

ولا يسعى هذا الكتاب إلى تسجيل أعمال شريف الفنية ضمن إطار زمني أو عرضها في شكل كاتالوغ نموذجي، بل هو عمل تجريبي يعكس ممارسته، وينسج سردياته الشخصية من الزوايا المختلفة في حياته المهنية، مقدّما مصدرا حيويا للدراسة العلمية والتقييمية في ممارسة الفن المعاصر، ومرجعا لكيفية انتقال الأفكار الثقافية، وكيف يتم تحويلها خلال عملية الانتقال هذه.

وهو أيضا لمحة عن أعماله المشحونة والمفعمة بالحيوية باعتبارها نقدا واحتجاجا على الواقع أو كما كان يصفها شريف “وسيلة للفرار من أنفسنا، لأننا لم نستطع وضع الواقع الحالي في موضعه الصحيح والملائم”.

ويتوفّر كتاب “حسن شريف: فنان العمل الواحد” في أمازون، وعدد من المراكز الفنية والثقافية والمكتبات في الإمارات، بالإضافة إلى متاجر مؤسسة الشارقة للفنون في ساحة المريجة ومبنى الطبق الطائر.

كما تتولى كوينغ بوكس الطلبات الدولية للكتاب من خلال متاجرها وموقعها على الإنترنت. ويتم توزيعه في الأميركيّتين من خلال ديستربيوتد آرت ببليشيرز، نيويورك.

والشيخة حور بنت سلطان القاسمي، محرّرة الكتاب، قيّمة وفنانة، عملت على تقييم العديد من المعارض الفردية لعدد من الفنانين، أبرزهم: طارق عطوي (2020)، زارينا بهيمجي (2020)، أمل قناوي (2018)، حسن شريف (2017)، يايوي كوساما (2016)، روبرت برير (2016)، فريدة لاشاي (2016)، رشيد أرائين (2014)، سوزان حفونة (2014).

كما شاركت القاسمي في تقييم معرض “جوانا حاجي توما وخليل جريج: شمسان في المغيب (2016)”، إلى جانب عدد من المعارض الاستقصائية الكبرى من ضمنها “حين يصبح الفن حرية: السرياليون المصريون (1938 – 1965)” في عام 2016، و”مدرسة الخرطوم: حركة الفن الحديث في السودان (1945 – الحاضر)” والذي امتد ما بين عامي 2016 و2017.

فيلم توثيقي

منظومة من الوسائط غير التقليدية
منظومة من الوسائط غير التقليدية

سبق أن أعدّت المخرجة الإماراتية نجوم الغانم فيلما تسجيليا عن حياة الفنان تحت عنوان “آلات حادة” تم إنتاجه سنة قبل رحيل حسن شريف.

واستطاعت الغانم من خلال مواهبها السينمائية والتشكيلية والشعرية إنتاج فيلم من تأليفها وإخراجها، ينبض بالروح ويرسم بالألوان ويعزف بالموسيقى مسيرة واحد من مؤسسي الفن التشكيلي في الإمارات.

وبدأت معرفة نجوم الغانم بحسن شريف في عام 1982 تقريبا في مرسم المريجة بإمارة الشارقة. وكان التقارب في أفكارهما عن الفن الحديث والشعر الحديث والفكر الحديث سببا في سعيها لإنجاز هذا الفيلم.

وقالت المخرجة الإماراتية عن التجربة “كنت أريد صنع هذا الفيلم قبل ثلاث سنوات أو ربما أربع لكنه كان متردّدا، اتفقت معه على أن نبدأ على الأقل في المقابلات الصوتية، وبدأنا، وفي أثناء التسجيل بدأ يتحمّس للأمر. لكن عندما خضنا في التفاصيل وشرحت له كيف نريد أن نتناول الفيلم، شعر ببعض التردّد، وبعد مرور بعض الوقت وجدته يتصل بي ويدعوني إلى استكمال الفيلم”.

وأضافت “أعتقد أنه عندما علم أنه مريض أراد الانتهاء من الفيلم الذي بدأناه قبل فترة، وقال: دعينا نبدأ”.

ويُظهر الفيلم شريف وهو يتحدّث عن طفولته وأمه ومراحل تعليمه وبعثته إلى بريطانيا لتعلم الفنون، ثم عودته إلى الإمارات، كما يظهره وهو يتحدث عن مشوار صعب خاضه من بداية الثمانينات حتى وفاته لنشر أفكاره وأعماله التي شكّلت نقلة كبيرة في مفهوم الفن التشكيلي بالخليج.

واستلهمت الغانم عنوان الفيلم “آلات حادة” من أدوات شريف في تطويع مواد مثل الأخشاب والمعادن والأسلاك والحبال لإنجاز أعماله التشكيلية.

ولم تترك نجوم الغانم أداة من أدوات الفن التي استخدمها حسن شريف إلاّ وسخرتها في الفيلم بداية من صوره الفوتوغرافية مرورا بأستوديو أعماله ولوحاته ومجسماته التشكيلية، وانتهاء بموسيقاه المفضلة التي وضعتها كموسيقى تصويرية.

ونجوم الغانم مخرجة إماراتية من مواليد مدينة دبي عام 1962، وهي أديبة وشاعرة، شغلت منصب مدير الإعلام الجديد في مؤسسة الإمارات للإعلام، وعضو مجلس إدارة في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.

تجربة فنية فارقة
تجربة فنية فارقة
تركيب تراكمي لمواد مستعملة قبل زوالها
تركيب تراكمي لمواد مستعملة قبل زوالها
تشكيلات بسيطة لكنها معبّرة
تشكيلات بسيطة لكنها معبّرة

 

16