تجربة فريدة في واشنطن

الثلاثاء 2013/12/03

ما أجمل الفرح حين يمتد ويتسع، وما أبهى الوطن حين يكبر في نفوس أبنائه، وما أعظم الإمارات حين يسري عشقها في شرايين المحبة، ويجتاز كل القارات والمحيطات، ليصل إلى أبنائها في كل مكان، فيشتد عودهم وتقوى عزيمتهم، فيعيشون مع الدولة فرحتها، ويدركون أنهم أصحاب رسالة، وأن في رقبتهم ديناً لهذا الوطن العظيم الذي مدّهم بكل أسباب النجاح والرفعة.

كان هذا ما شعرت به وأنا أشارك في الندوة التي دعتني إليها سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في واشنطن مع مجموعة من الأكاديميين والإعلاميين يوم 29 نوفمبر احتفالاً باليوم الوطني الثاني والأربعين للدولة.

كان كل شيء جميلاً ومفرحاً، غير أن أكثر ما أسعدني وأثلج قلبي هي تلك الابتسامة الجميلة التي ارتسمت على وجوه الجميع، ابتسامة ما كانت لتظهر لولا أنها نابعة من قلوب هؤلاء الشباب الإماراتيين الذين تزداد علاقتهم بوطنهم كل يوم قوة ومناعة.

ولا أكتمكم أني كنت أفكر خلال رحلة الطائرة التي استمرت نحو أربع عشرة ساعة فيما سأتحدث به في الندوة، ولاسيما أنني قررت أن أحدثهم عن الولاء والانتماء، ولقد وضعت في مخيلتي بعض الأفكار دون أن أدون شيئاً منها، غير أني حين دخلت القاعة ورأيت تلك الوجوه، نسيت الرهبة التي تصيب أي متحدث في مستهل كلامه، وتخليت عما جال في ذهني من أفكار في الطائرة، وشعرت أن ما منحني إياه الحاضرون من طاقة إيجابية قادرٌ على إنطاق الصخر فكيف بقلب المحب والعاشق لبلده؟

لم تكن الندوة مجرد شخص يتحدث وآخرين ينصتون إليه بآذانهم، بل كان فيها من حديث الروح والعيون ما هو أشد تأثيراً ووقعاً في النفوس، فإذا بي أجد عند من ذهبت إليهم لأحدثهم عن الولاء والانتماء معاني جديدة للولاء وصوراً أخرى للانتماء، فلم يكن أمامي بدّ من التفاعل معهم، أقبس من عيونهم نظرات الحنين والشوق إلى الإمارات، وأحدثهم عما تعدّه لهم قيادتنا الحكيمة من خطط طموح حتى يكونوا خير من يتابع مسيرة الآباء والأجداد.

كان المشاركون في الندوة، وهم أكثر من 1300 طالب ودارس من أبناء الإمارات، يتابعون كل ما يقال باهتمام كبير، ولا أبالغ إذا قلت لكم إني شعرت بأن تعلق الإماراتيين بدولتهم وقادتهم بات في السنتين الأخيرتين أضعافاً مضاعفة، بعد أن أدركوا جميعاً أن هناك من يحاول تكدير صفو أبناء الإمارات والنيل من النجاح الذي حققته الدولة في جميع مجالات الحياة مسجلة تقدماً مذهلاً في سلم التنمية البشرية.

وقد خصصت جزءاً من حديثي للعلاقة بين الأمن من جهة، والتقدم والرخاء من جهة أخرى، مبيناً أنه لا يمكن لأي عمل أن ينجح في غياب الأمن والاستقرار.

ولقد لمست من مداخلات هؤلاء الشباب حرصاً كبيراً على أمن دولة الإمارات، واستعدادهم لبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك، وتأكيدهم أن وطناً يسهر على راحتهم ويبتعثهم إلى أفضل الكليات والجامعات لينهلوا منها العلم لا يمكن أن نبادله إلا حباً بحب وعطاء بعطاء.

كان كل من في الندوة، محاضراً أو مستمعاً، يؤكد أن دولتنا الحبيبة وقيادتنا الرشيدة قامت بعمل مذهل طول السنوات الماضية ورسمت صورة مشرقة لدولة الإمارات العربية المتحدة في جميع المحافل الدولية رسمياً وشعبياً، حتى بتنا جميعاً نجيب بفخر حين يسألنا أحد: من أين أنتم؟ فنجيبه بأننا أبناء زايد. وإن الواجب ليقتضي منا أن نعمل دونما كلل أو ملل حتى تظل الأجيال التي تأتي من بعدنا تفاخر بانتمائها وانتسابها، إلى إمارات الخير والعطاء. حضرت من قبل احتفالات كثيرة باليوم الوطني للدولة، وشاركت في ندوات عنها كذلك، غير أن الندوة التي أقيمت منذ يومين في واشنطن كان لها طعم جديد ونكهة مختلفة، وكأن المحن فعلاً كما يقولون تشد البنيان وتقوي العزيمة، وكأن أبناء الإمارات أرادوا أن تكون رسالتهم في هذه الاحتفالية قوية: إذا كانت قيادتنا الرشيدة بفضل حنكتها وسهرها الدائم على أمن دولتنا قد استطاعت تجنيب البلاد كيد الكائدين وتآمرهم ومكرهم، فإنه علينا أن نكون عوناً لها، كلٌّ من موقعه، فلا نترك بذرة من بذور الفتنة والمؤامرة إلا ونرمي بها بعيداً، ولا نجد نافذة تهب منها رياح الشر إلا ونغلقها؛ فنحن بلد محبة وسلام، وتطور ونماء، وليس بيننا مكان للفتنة والهدم والتخريب.

لا يمكن أن أختم حديثي عن هذه الزيارة الجميلة دون أن أحدثكم عما قالته لي الأخت فاطمة السري، وهي إحدى نساء الوطن التي تتلقى العلاج في الخارج. لقد كادت فاطمة تبكيني عندما حرصت على لقائي بعد الندوة لتقول لي: ربما لم تُتح لي الفرصة لأطلع على ما اطلعت عليه أنت، وربما لست قادرة على أن أصوغ الأفكار وأترجمها كما فعلت أنت، وربما كان هذا حال الكثيرين ممن حضروا الندوة، ولكننا جميعاً نقول لك: إننا واثقون بكل ما قلته، وواثقون بكل ما فعلته دولتنا الحبيبة وقيادتنا الرشيدة للحفاظ على أمن الوطن، ونعلم علم اليقين أننا جميعاً في أيدٍ أمينة، ونحن جميعاً فداء للوطن وربّانه.

نعيش جميعاً هذه الأيام فرحة الوطن بالعيد الثاني والأربعين، وحين جاءتني الدعوة للندوة خفت أن يفسد علي السفر حضور الأفراح التي تعم الدولة في هذه المناسبة، غير أن ما وجدته في ندوة واحتفال الطلاب الإماراتيين في واشنطن يجعلني أقول لكم: من أراد أن يرى الفرح والتعبير عن الولاء والانتماء بأسمى معانيه فليذهب للقاء أبنائنا في الخارج وهم يحتفلون باليوم الوطني، فهناك سيرى كيف تختلط الدمعة بالابتسامة على محيّا الإماراتيين وهم يعبرون عن محبته لوطنهم وولائهم لقائدهم منشدين: «نفديك بالأرواح يا وطن».

كاتب من الإمارات

9