تجريد فني يلامس الفراغ بشفافية مشبعة بالألوان

الفنانة الفلسطينية سامية حلبي تحاذي الصدى لتفتح ألوان أبوابه.
الجمعة 2018/12/14
تناغم صوفي حدسي

"شفافية وكثافة"، هو عنوان المعرض الذي قدمته الفنانة التشكيلية الفلسطينية سامية حلبي في صالة “أيام” في العاصمة اللبنانية بيروت بعد مرور أكثر من خمسة عقود من ممارسة الفن التشكيلي واختبار تقنياته ومضامينه، ويشهد هذا المعرض الجديد الذي يضم 11 لوحة بأحجام كبيرة ومتوسطة انتقالها إلى مرحلة متقدمة من رؤية العالم إلى رؤية الحياة.

بيروت – لا يراد من هذا المقال اختصار مسيرة الفنانة التشكيلية سامية حلبي لصعوبة الإمساك بالخيوط الخفية والظاهرة التي نسجت كيانها كناشطة فلسطينية عبر الفن والسياسة، ويصعب عليه ذلك أيضا لأنه سيقع في فخ أن يكون اختصارا يتبجح بقدرته على إقامة سرد تاريخي/ ميتافيزيقي/ بصري عادل لنمو وتحول العالم الذي نعيش فيه من خلال قدرتها المُتعاظمة على استكشاف طبقات عدة من الواقع والوعي به على حد السواء.

والمتجول في صالة “أيام” البيروتية التي تعرض للفنانة الآن 11 لوحة من الحجم الكبير والمتوسط جاءت تحت عنوان “شفافية وكثافة”، سيجد أنها قد انتقلت إلى مرحلة متقدمة جدا كنتيجة حتمية لشخصيتها الشغوفة والمقرونة ببحثها الواعي واللاواعي/ الحدسي في أمور إعادة تظهير الطبيعة بعناصرها وقواها المباشرة من ناحية، وتظهير الواقع بشكل عام من ناحية أخرى من خلال تجلياته الحركية والتوسعية والاندثارية ومن ضمنها حركة الجموع والأفراد البشرية.

أصبح نص سامية حلبي الفني ومن خلال ما يمكن استشفافه من معرض “شفافية وكثافة” أبلغ تجريديا، إذ حدث تناغم جديد بين الغوص والمُلامسة و”تأهيل” للفراغ بفراغ مشحون بطاقة اللون المُشبع.

تناغم يُمكن وصفه بالصوفي/ الحدسي المُتجدد بين معظم خلفيات اللوحات والعناصر الإنشائية التي تتقدمها، إلى جانب ذلك ما زالت “تجريديتها” تتناول أجزاء من العالم لتؤلف بها إيقاعا بصريا يشي بنظرة تفاؤلية ملونة على الرغم من كل الجراح، وربما على أساس كل هذه الجراح، التي عايشتها وهي يافعة فلسطينية وتلك التي تبنتها تبنيا كاملا لاحقا وإلى الآن.

ربما يستحيل قراءة أعمال سامية حلبي القديمة والجديدة من دون معرفة أنها لا تعتبر نفسها إلاّ فلسطينية وأن القدس مدينتها ولا وطن لها إلاّ فلسطين، بالرغم من عيشها في نيويورك منذ أوائل الخمسينات من القرن الفائت، وقد عقدت عزمها على أن تجعل من فلسطين قضية عالمية فنيا وسياسيا.

وولدت الفنانة في القدس سنة 1936، ثم انتقلت إلى يافا لتصبح منفية كسائر الكثير من الفلسطينيين، وهي تتذكر منزل جدتها في هذه الكلمات “منزل جدتي في القدس، في البقعة، خارج المدينة، في الأحياء الحديثة آنذاك، لا يزال المنزل هناك، أزوره كثيرا.. إنه منقسم إلى ثلاث شقق وتعيش فيه عائلات إسرائيلية، لقد صودرت أملاك جدتي ووالدي وكسائر الفلسطينيين كنت أعتقد بأننا سنغيب لأسبوعين على الأكثر وبأننا سنعود عندما تهدأ الأمور، أتذكر يوم غادرنا، جاء الأمر فجأة… لقد تعين علينا المغادرة سريعا، وكنت راغبة في التعاون لذلك لم آخذ معي شيئا، لم نقدر على العودة أبدا، فقد منعت الدولة الإسرائيلية كافة المحاولات للعودة وسرقت بيوتنا وممتلكاتنا”.

تجريدية حلبي ما زالت تتناول أجزاء من العالم لتؤلف بها إيقاعا بصريا يشي بنظرة تفاؤلية ملونة، رغم كل الجراح

ربما من تلك الذكريات التي دمغت روح سامية الصغيرة نستطيع أن نقرأ البعض من “مفاتيح” لوحاتها السابقة والحاضرة، لوحات أصبحت الآن تمثل الوطن التجريدي الذي يزخر بالألوان المُضاعفة.

وانغمست حلبي في التجريد الذي وصلت إليه الآن بعد سلسلة من التجارب والدراسات والقراءات حتى بات “الفلسطيني” داخلها يتمظهر في لوحاتها هيئات عناصر ضوئية/ لونية تخرج من جوهر الطبيعة التي انغمست في تصوير عناصرها المباشرة طويلا في الماضي، ومن قلب الهندسة المدنية العربية العزيزة على قلبها ومن منبع التجريد المصقول بتفجرات حينا وأشكال مستطيلات أو تعرجات وشطحات لونية حينا آخر، وذلك حسب المرحلة الزمنية التي مرت بها الفنانة بدءا بالستينات من القرن الفائت وصولا إلى اليوم.

وإذا كان لا بد من الاختصار فيمكن القول إن الفنانة في لوحاتها الأخيرة “تتحدث” عن الكثافة والشفافية، كما يشير عنوان معرضها الحالي، غير أن الشفافية تلك التي تطفو على سطح الكثافات في معظم لوحاتها، هي أصداء لتلك الكثافات التي راكمتها الفنانة كأطياف للأشكال والهيئات الكثيفة التي احتلت فضاء لوحاتها ووجدانها أكثر منها شفافيات ترينا ما خلفها.

إنها أصوات الأشياء والناس الذين سكنوا رحاب ذاكرتها وقد استحالت أصداء تتداخل حينا وتنفصل حينا آخر عن مصدرها وترتج إلى خارج الأشكال أفقيا في أحيان أخرى لتظل متصلة بها على الدوام.

غنائية/ لونية/ احتفالية بتجدد الحياة واستمراريتها في عين الحقيقة وإن أغمضت أجفانها المعاصرة حسرة إلى أجل غير مسمى، تفاؤلية هي لوحاتها لأنها مؤمنة بأنها تحمل مسؤولية “أن أكون عالمية، فالتاريخ ينبغي أن يحفظ شيئا ذا قيمة.. لذلك عندي ثقة في أن المستقبل معنا وليس معهم”.

وتعد الفنانة الفلسطينية سامية حلبي من الرموز الرائدة عالميا في الفن التجريدي، وكانت لها تجارب رائدة في تحويل أعمال موسيقية إلى لوحات فنية، وأبرز ما يميز فنها أنها تدافع من خلال لوحاتها عن القضية الفلسطينية وحق العودة.

وانتشرت أعمالها في أوروبا والولايات المتحدة والدول العربية، واقتنت لوحاتها كبرى المتاحف والمؤسسات، نذكر منها متحف سولومن وجوجنهايم ومعرض جامعة ييل والمتحف الوطني الأميركي للفنون في واشنطن، ومعهد شيكاغو للفنون، ومتحف كليفلاند للفنون ومعهد العالم العربي في باريس والمتحف البريطاني.

17