تجريف الأوطان من الجمال

أرادوا تجريف الأوطان من الرقي والجمال، وإخراس صوت النساء حتى لا يناصرن مظاهرات شعبية طالت الجميع، ولا يخرجن وسط متابعيهن بالملايين يفضحون شيوخا غير أجلاء، حرّكتهم شهوات مريضة نحو الجمال.
الاثنين 2018/10/08
رصاصات استقرت في الجسد المتمرد، لكنها لم تترك الشارع العراقي يستقر مطلقا

هاج الشارع العراقي وماج لفترة طويلة جراء حوادث قتل واغتيالات لافتة ومثيرة للتساؤلات على أرض البلد الذي عانى لسنوات موجات متتالية من الحروب والصراعات ومشاهد العنف الدامية، جعلت من مشاهد القتل وأخباره مادة عادية غير مثيرة لتوقف الحياة.

لكن ما حدث ولسنوات كانت سلسلة اغتيالات خسيسة لساسة ورجال أمن ومتصارعين على سلطة لم تعد تحمل ألقابها ومناصبها غواية تسيل لعاب أحد.

رفيف الياسري المعروفة بكنية “باربي العراق” ورشا الحسن، خبيرتا التجميل المعروفتان في الشارع العراقي على نطاق واسع، إضافة إلى الناشطة الحقوقية سعاد العلي وتارة فارس ملكة جمال سابقة، أربع نساء وحّدهن حب العراق وجمعتهن في سطور متقاربة حوادث القتل.

وما جمع النساء أيضا هو عملهن المدني والإنساني وتعزيز دور ومشاركة المرأة العراقية في كافة النشاطات اليومية والمشاركة المجتمعية الفاعلة لرؤية عراق أفضل، أو محاولة استعادة مشهد قديم لبلد عربي قوي، لم يكن يتوقع أحد يوما ما أن يقع فريسة للمتشددين.

عراق يحمل عراقة نادرة، هو وطن مفتوح باتساع الكون على جميع الأفكار والتيارات، وطن يحنو على أبنائه باختلاف رؤاهم ووجهات نظرهم، فيه السني يجلس إلى جوار الشيعي في الحافلة أو يتزوج شيعية وينجبان أطفالا يقولون ربنا الله.

في العراق ترى الأهوار والسهول والطبيعة الخلابة تحتضن الجميع بلا تفرقة ولا تمييز عنصريا على أي أساس أيا ما كان، فلا تمييز على خلفية دينية أو عرقية أو طائفية، الجميع عراقي النزعة والهوى والهوية.

بعض العراقيات اللاتي يحسبن على البلد خرجن عن قواعد اللياقة والتقاليد والأعراف، فمارسن فعل الحياة بطريقة تثير المحافظين الذين أحكموا قبضتهم على البلاد!

يا لهول الموقف!

هكذا حلل البعض ما تواتر إلينا من أخبار عن العراق ومقتل أربع نساء فيه بطرق متفاوتة، وعلى دفعات زمنية بفارق زمني عشوائي، إلا أن قاسما مشتركا يجمع الكل وهو إصرارهن على الخروج إلى الشارع وممارسة الحياة بشكل طبيعي، قوتهن الجبارة في الصمود طيلة فترة عملهن في بلد يعاني من سطوة المتشددين.

كانت حالتا الوفاة لرفيف ورشا تثيران الشك والريبة، غير أنهما توفيتا دون أسلحة، ولكن ما حدث لسعاد العلي وتارة فارس لم يكن متوقعا، خاصة مع بروز قاتل مأجور فجأة في الشارع وتفريغ ثلاث رصاصات قاتلة للفتاة أردتها تتضرج في دمائها في الحال.

رصاصات استقرت في الجسد المتمرد، لكنها لم تترك الشارع العراقي يستقر مطلقا، حركات مياه لم تركد أبدا، لكنها كالموج الهادر لا تهدأ بتاتا.

المثير في الأمر هو تصريح بعض العراقيات في الداخل بأن مظهر الفارس المتحرر من كافة القيود هو الدافع الرئيسي لقتلها، وقول إحداهن لمحرر جريدة الغارديان “من أرادت التحرر في مظهرها الخارجي فعليها الذهاب إلى لبنان وارتداء ما تراه مناسبا”.

بقولها نصا، يمكننا الذهاب إلى لبنان وارتداء ما نريد، حتى أن الرجال العراقيين هناك لا يهتمون، ولكن فعل الشيء ذاته في العراق يعد أمرا مخجلا في بلد محافظ، ورغم اعتراف المرأة بازدواجية فعلها إلا أنها تؤكد أن هذا ما تفرضه الظروف الحالية في البلاد.

وهي نفس الازدواجية التي تعامل بها موظف حكومي في الإعلام العراقي المملوك للدولة، والذي يستضيف هؤلاء النسوة في برامجه التلفزيونية، ووصف الموظف ملكة الجمال السابقة بـ“العاهرة!”

لا أرى للمتشددين هدفا ولا غاية من ارتكاب المزيد من أعمال القتل والعنف والحماقات السخيفة بحق الجميع وعلى أوسع نطاق، ولا محرك لهم من عمليات اغتيال النساء، غير أنهم جبناء أخافهم حراك مجتمعي يزلزل كيانهم الهش.

أرادوا تجريف الأوطان من الرقي والجمال، وإخراس صوت النساء حتى لا يناصرن مظاهرات شعبية طالت الجميع، ولا يخرجن وسط متابعيهن بالملايين يفضحون شيوخا غير أجلاء، حرّكتهم شهوات مريضة نحو الجمال، فأراد أحدهم تذوّق عسل إحداهن ففضحت أمره بذكر زواج المتعة على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي.

حين فضحت تارة فارس أحد رجال دين طلب الزواج بها للمتعة، رجل أراد التمتع بجسدها أو تمزيقه وإفنائه، وأيّ عار يحمله رجل تحمّل ضميره عبء تصفية امرأة لمجرد رفضها له.

21