تجريم الإساءة إلى الأديان.. دحض لدواعي التشنج

الخميس 2014/01/16
الإساءة إلى الأديان تنتج ردود فعل عنيفة مما يسبب الكثير من حالات التوتر

القراءات المغالية للنص الديني تتمظهر حينا في عنف وتكفير وإقصاء الآخر المختلف، وتترجمُ أحيانا في الإساءة إلى لأديان الأخرى. وهذه التعبيرات المختلفة تنبع جميعها من رؤية دينية قاصرة تعزله عن مناخات الحرية التي حثت عليها كل الأديان السماوية، ومن هذا المنطلق كانت الأصوات الداعية إلى إرساء حوار هادئ بين الأديان والمذاهب والطوائف المختلفة إلى نبذ الإساءة إلى الأديان.

في هذا الإطار من محاولات تخفيف التشنجات الناتجة عن رؤى متطرفة للانتماء الديني، تعالت مؤخرا أصوات عديدة، قادمة من مصادر حضارية مختلفة، منادية بسنّ قوانين وتشريعات تحرّم وتجرّمُ الإساءة إلى الأديان، بسبب ما طرأ في السنوات الأخيرة من أحداث عنيفة وتفاعلات شعبية، مثل الأحداث التي اندلعت في أيلول 2012 في عشرات الأقطار العربية والإسلامية، ارتباطا بالفيلم المسيء إلى الرسول أو التي تعلقت قبل ذلك بالرسوم الكارتونية التي أساءت وازدرت الأديان والمعتقدات.

آخر هذه الدعوات جاءت من الإعلامي المصري محمد سلامة عبد الواحد، مدير تحرير صحيفة “المسائية” المصرية، الذي دعا مجلس الأمن الدولي إلى تجريم الإساءة إلى الأديان أسوة بالجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة التي تعتبر الإساءة إلى الأديان جريمة. وجاء ذلك في كلمة ألقاها عبد الواحد، الاثنين الماضي خلال الملتقى العالمي الثامن للتصوف الذي نظمته الزاوية القادرية البودشيشية، إحدى أكبر الزوايا الصوفية بالمغرب، ببلدة مداغ، بمحافظة بركان، شمال شرق البلاد، تحت شعار: “التصوف وبناء الإنسان: نحو إصلاح متوازن”.

حيث قال عبد الواحد إن ظاهرة الإساءة إلى الأديان “أصبحت تهدد الأمن والسلم الدوليين، ونطالب مجلس الأمن بأن يحذو حذو الجمعية العامة للأمم المتحدة التي وضعت قانونا يجرم التعرض (الإساءة) إلى الأديان، وقد آن الآوان لمجلس الأمن لينص في قوانينه، بشكل صريح، على تجريم هذه الظاهرة بعد أن استفحلت وأصبحت تهدد الأمن والسلم الدوليين”.

ورأى الإعلامي المصري أن تنامي ظاهرة الإساءة إلى الأديان خلال السنوات الأخيرة “يكمن، بالأساس، في محاولة خلق حالة من الصراع بين أتباع الديانات والحضارات بسبب سوء الفهم وانخراط قيادات بعض الأديان في تسفيه وتحقير الأديان الأخرى”.

ونوه سلامة عبد الواحد إلى وجود أسباب أخرى مثل “تنامي استخدام العنف لحل المشاكل العرقية والدينية مما يعد ابتعادا عن قيم الأديان التي تدعو إلى السلام والخير والتسامح”، إضافة إلى “التعامل مع أصحاب المعتقدات الدينية بنظرة استعلاء وتعالٍ من منطلق احتكارالحضارات، حيث يرى الغرب نفسه أكثر تحضرا وتمدنا من الشرق والجنوب”.

وتابع أن الدين الإسلامي “أصبح في السنوات الأخيرة موضوع تهكم لوسائل الإعلام الغربية على رموزه وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أثار غضب مليار مسلم في كافة أنحاء العالم وبدد إمكانية الحوار بين الأديان والحضارات والثقافات”، على حد قوله.

تجدر الإشارة إلى أن مبادرة سلامة عبد الواحد لم تكن الأولى، بل سبقتها مبادرات عديدة، حيث يذكر أن اتحاد المصريين بأوروبا دعا في شهر يونيو من عام 2012 إلى مبادرة لتعزيز السلام وحقوق الإنسان تضمنت مشروع ميثاق لاحترام الأديان والمعتقدات والمقدسات الدينية، وطالب الاتحاد وزارة الخارجية المصرية وكافة الدول والقوى السياسية والدينية والمنظمات الحقوقية إلى تفعيل المبادرة وتسويقها دوليا. ومن أهم المبادئ التي نصت عليها مبادرة اتحاد المصريين بأوروبا نذكر البند الداعي إلى “تعزيز ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ويقتضي ذلك عدم إهدار كرامة الإنسان بإهانة مقدساته ومعتقداته، أو الانتقاص والسخرية من رموزه الدينية واتخاذ تدابير فعالة لحماية حرياته في التعبد”.

في السياق ذاته نشير إلى أن مجموعة من الأساتذة والعلماء المغاربة دعوا إلى ضرورة توحيد الجهود العربية والإسلامية للدفع من أجل استصدار قرار أممي يجرّمُ الإساءة إلى الأديان ورموزها، ويعمل على احترام وتقديرها، والمطالبة بتوافق دولي يدعم السلام بين مكونات المجتمع الدولي ويعكس الحوار بين الحضارات القائم على ضرورة التسامح والتعايش، وشددت الدعوة على ضرورة التصدي للأعمال المستفزة المثيرة للفتن والنعرات الدينية للحيلولة دون تكررها.

الثابت أن تعدد هذه الدعوات يعكس وعيا كثيفا وحادا بأهمية تجريم الإساءة إلى الأديان المرتبطة بدورها بخطورة الفعل ذاته. حيث أجمعت البشرية على أن الإساءة إلى الأديان تمثل أحد وجوه وملامح التطرف الديني والمذهبي الذي يفرز سمومه بأشكال متعددة.

ولا شك في أن للقضية وجاهة دينية متصلة بقناعة جماعية إنسانية بأن الأديان جميعها تمثل مشروعا إلهيا واحدا جاء في صيغ ورسالات سماوية متعددة، والاختلاف الطفيف بين الأديان يؤدي إلى التكامل أكثر مما يحيل على الفرقة والتشنج. وللقضية أيضا وجاهة إنسانية حقوقية متعلقة بضرورة احترام حرية المعتقد وصونها.

13