"تجريم التطبيع" إحراج متبادل بين تونس وأوروبا

اليوم لا تمثل ورقة تجريم التطبيع إحراجا للائتلاف الحكومي في تونس فقط ولكنه يمثل أيضا إنذارا لعدد من دول الاتحاد الأوروبي.
الخميس 2018/03/01
صمت رسمي إزاء الحملات الحزبية والشعبية المؤيدة لمشروع القانون

يمثل كتاب “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية” للمفكر الفرنسي روجي جارودي إحدى العلامات الحية للمحاكمات الأوروبية لأي فكر ناقد للدولة العبرية، فالكتاب الذي أدين أمام القضاء الفرنسي بتهمة إنكار المحرقة، يلقي ضمنيا الضوء على المحاذير والخطوط الحمراء التي طالما حصّنت بها أوروبا علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل.
كثيرا ما وضعت هذه العلاقة موضع اختبار عندما تكون إسرائيل مصدر تقاطع في علاقة أوروبا بالعالم العربي. كان هذا التقاطع أحد أسباب الفشل الذريع للاتحاد من أجل المتوسط، الفضاء الأورومتوسطي الذي أطلقته باريس عام 2008 ليكون آلية شراكة بين دول المنطقة، لكنه ولد ميتا بسبب الخلافات العربية الإسرائيلية من جهة والعربية- العربية من جهة ثانية.
اليوم، تواجه تلك العلاقة اختبارا جديدا لدى شريك مميز للاتحاد الأوروبي في جنوب المتوسط، تونس، الديمقراطية الناشئة التي تشهد تجاذبا سياسيا علنيا ومستمرا منذ 2011 بشأن مشروع قانون يجرّم التطبيع مع إسرائيل، وهو تجاذب تمدّد ليطال قطاعات أخرى ثقافية وفنية وحتى سياحية، كلما كانت إسرائيل طرفا في ذلك.
كان مشروع القانون قد أودع رسميا لدى البرلمان منذ يناير 2017 في محاولة لاقتناص الغضب الشعبي والدولي إزاء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، لكن لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية في البرلمان قررت تأجيل النظر فيه على الرغم من أنه لقي تأييدا من نحو مئة نائب من إجمالي 217.
في الواقع، يفترض ألّا يغيّر مشروع القانون، الذي دفعت به أساسا القوى اليسارية والعروبية، من طبيعة العلاقات الحالية بين تونس وإسرائيل، وهي علاقات لم توجد أصلا في العرف الديبلوماسي، بخلاف مكتبي اتصال فتحا في البلدين في منتصف تسعينات القرن الماضي، قبل أن تبادر السلطات التونسية بغلق مكتبها ردا على الانتهاكات الإسرائيلية في انتفاضة الأقصى عام 2000.
لكن من الناحية السياسية فإن مشروع القانون الذي مازال حبيس الأدراج في البرلمان، يكتسب رمزية كبيرة لمناصري القضية الفلسطينية في تونس، بغض النظر عن مدى توظيفه من قبل المعارضة في النقاشات المرتبطة بالسيادة واستقلالية القرار الوطني والعلاقات المشروطة مع الشريك الأوروبي.
تاريخيا، هناك الكثير من المبررات التي تفسر الزخم الفلسطيني المتجذر في تونس، بدءا بقرار الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة استقبال المقاومة الفلسطينية في تونس عام 1982 بعد انسحاب منظمة التحرير من بيروت، بناء على اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
ولكن هناك أيضا ذكرى عزيزة أخرى سالت فيها دماء مختلطة بين الفلسطينيين والتونسيين تحت القصف الإسرائيلي عام 1985 لمنطقة حمام الشط بتونس، مقر القيادة العامة لمنظمة التحرير، وهي الحادثة الوحيدة حتى اليوم التي حظيت بقرار إدانة صريح من مجلس الأمن الدولي من دون أن تعيقه واشنطن بـ”فيتو” العادة، بعد تهديدات بالمقاطعة لوّح بها الزعيم الحبيب بورقيبة.
اليوم لا تمثل ورقة تجريم التطبيع إحراجا للائتلاف الحكومي في تونس فقط ولكنه يمثل أيضا إنذارا لعدد من دول الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها ألمانيا، المثقلة بسجل الانتهاكات النازية والراعية الرسمية للدولة العبرية. ما فتئت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تذكر بمناسبة أو من دونها، بالتشدد ضد أي شعارات أو سلوكيات معادية للسامية في ألمانيا، مع أن تذكيرها لم يستثن مؤخرا الأطروحات المتطرفة لحزب البديل اليميني أو لأقصى اليسار.
ولكن هذا التلويح المتكرر من قلب أوروبا لا يمكن أن يصمّ آذانه عن الحراك القادم من الشريك المميز جنوب المتوسط، والذي يرتبط مع الاتحاد الأوروبي ببرامج تعاون واسعة مرافقة للانتقال السياسي.
ففي تونس، بينما يخيّر الائتلاف الحكومي التزام الصمت الرسمي إزاء الحملات الحزبية والشعبية المؤيدة لمشروع القانون، فإن جانبا من التفسيرات المتداولة في الإعلام المحلي يذهب إلى حدّ اتهام التصنيفات الأوروبية الأخيرة والمتتالية لتونس وإدراجها في القائمات السوداء والرمادية للملاذات الضريبية وخطر تمويل الإرهاب، بالتسييس وبتوظيف المؤسسات الأوروبية لمعاقبة الحراك السياسي في الديمقراطية الناشئة.
التصنيفات الأوروبية، ولا سيما التصنيف المرتبط بغسيل الأموال ومخاطر تمويل الإرهاب، وإن كان قد تم الجهر به بعد فحصه تقنيا من قبل لجنة الشؤون الاقتصادية الأوروبية وباعتماد تقييم مجموعة العمل المالي الدولي (غافي)، فإن الدفع به إلى البرلمان الأوروبي إلى التصويت يجعله خاضعا عمليا إلى اتجاهات التصويت للنواب ما يجعل الباب مفتوحا للتسييس، وقد عكست نتيجة التصويت بالفعل حالة الانقسام الواضحة إزاء الحالة التونسية (376 ضد التصنيف و283 مؤيدين).
بالنسبة إلى النخبة السياسية في تونس، هناك اعتراف غير رسمي من داخل الائتلاف الحكومي بأن تمرير القانون يشكل مقامرة سياسية خطيرة وغير محسوبة العواقب على علاقات تونس الخارجية، في إشارة أولا إلى الشريك الأوروبي الذي يستأثر بأكثر من 75 بالمئة من معاملات تونس الاقتصادية والتجارية مع الخارج.
لكن على الجهة المقابلة فإن مشروع القانون لا يقل إحراجا للمجموعة الأوروبية، فهو لا يضع مصداقية شراكته مع تونس موضع تشكيك فقط، وإنما يختبر كذلك مدى احترامه للانتقال الديمقراطي لدى شريكه بما في ذلك حرية الرأي والتعبير ويجعله بالضرورة موضع اتهام بازدواجية المعايير.

7