تجريم السلاح النووي أكذوبة القوى الكبرى

الأربعاء 2014/04/30
ازدواجية المعايير استراتيجية واضحة لدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن

لندن- في ظل تعاظم التهديدات الناتجة عن استمرار وجود الأسلحة النووية والتي يجسد انتشارها وامتلاكها أو حتى التهديد باستخدامها خطرا يتهدد العالم بأسره، لا تزال ازدواجية المعايير التي تنتهجها القوى الكبرى حاجزا يؤخر المساعي الجادة لتخليص العالم من خطر الأسلحة النووية.

تتسابق الجهود الدولية للحد من خطر انتشار الأسلحة النووية في العالم، بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة لقرار مجلس الأمن 1540، والذي يقضي على الحكومات منع الجهات الفاعلة من غير الدول أو الإرهابيين من حيازة وانتشار واستخدام أسلحة نووية وبيولوجية و كيميائية.

يأتي ذلك في الوقت الذي يتأهب فيه المجتمع الدولي للجولة المقبلة للمؤتمر الاستعراضي لمعاهدة عدم الانتشار النووي المزمع عقدها في عام 2015، والذي ينتظر منه إيجاد صيغ تعكس جدية في المساعي المبذولة للتخلص من الأسلحة النووية في العالم.

وفي سياق المبادرات المتواصلة لذلك، لم ينجح مؤتمر هيروشيما، الذي عقد خلال الشهر الجاري في اليابان، لمجموعة مبادرة منع الانتشار النووي ونزع الأسلحة، رغم ما خرج به من مبادرات في تجريم امتلاك الأسلحة النووية بشكل صريح.

تلك الأسلحة التي كان استعمالها أشد فتكا بالبشرية، وهو ما مرت به هيروشيما المدينة المحتضنة للمؤتمر الثامن، التي عانت من القنبلة الذرية التي سوَّتها بالأرض في نهاية الحرب العالمية الثانية.


إعلان هيروشيما


وجه وزراء خارجية اثنتي عشرة دولة لا تمتلك أسلحة نووية نداء إلى الدول النووية كي تفعل المزيد من المبادرات من أجل نزع السلاح، ودعا إعلان هيروشيما إلى عقد مؤتمر لنزع السلاح النووي الذي يجمع بين الولايات المتحدة وروسيا، والدول الأخرى ذات الأسلحة النووية كذلك.

من جهة أخرى يهدد تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا جراء أزمة أوكرانيا، بإفشال واحدة من مبادرات السلام الرئيسية التي تبذلها الأمم المتحدة من أجل نزع السلاح النووي، حيث تواصل القوتان النوويتان الأكبر في العالم، تبادل الاتهامات وتكثيف مناخ المشاحنات بينهما، مما سيلقي بظلاله على سير معاهدة انتشار الأسلحة النووية في عام 2015 ويفشلها، فضلا عن تهديد مستقبل معاهدة حظر الانتشار النووي ذاتها.

تحول السلاح النووي إلى اصطلاح سياسي يؤثر في صياغة العلاقات الدولية، وقوة معنوية للدول التي تمتلكه

في هذا الصدد تقول أليس سلاتر الخبيرة بمؤسسة السلام في العصر النووي “إن تدهور العلاقات الأميركية الروسية ينذر بالسوء في مسار التقدم في عملية معاهدة حظر الانتشار النووي المشلولة، والتي فشلت في تنفيذ وعود كثيرة لنزع السلاح النووي منذ عام 1970، حتى قبل أحدث تفجر للعداءات”.

ومن المقرر أن تجتمع اللجنة التحضيرية الثالثة للمؤتمر الاستعراضي القادم لمعاهدة حظر الانتشار النووي لعام 2015 ، في 28 أبريل الجاري وحتى 9 مايو، في الأمم المتحدة.

وتهدف مبادرة “حظر انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح”، التي خرجت إلى حيز الوجود في عام 2010 لقيادة الجهود الدولية في مجال نزع السلاح النووي، وتتألف المبادرة من أستــراليا، وكندا، وتشيلي، وألمــانيا، واليابان، والمكسيك، وهولندا، ونيجيريا، والفلبين، وبولندا، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة. واعتــادت من خلال اجتمــاعاتها والــبيانات التي تصــدرها، إلــى التركيز علــى ســبل تســـريع عملية نزع الســلاح النووي.


سياسة عدم الانتشار


أوضحت دراسة أحمد عَلّو وهو عميد متقاعد في الجيش اللبناني أن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي السابق خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أثبتت أن السلاح النووي يشكل رادعا معقولاً لكلا الطرفين عن الانخراط في حرب نووية، وسقفا لا يمكن تجاوزه في صراعاتهما حول العالم دفاعا عن مصالحهما، ذلك أنه وكما قال الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغن “إن حربا نووية لا يمكن ربحها، ويجب عدم خوضها”.

كذلك فقد خيضت كل الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، بأسلحة تقليدية، وتحول السلاح النووي إلى اصطلاح سياسي يؤثر في صياغة العلاقات الدولية، وإضفاء قوة معنوية رادعة للدول التي تمتلكه، يعزز مكانتها الإقليمية والدولية، ويحمي مصالحها وأهدافها الجيوستراتيجية.

وسعت الدول الكبرى التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية إلى منع انتشار هذا السلاح من خلال معاهدة عدم الانتشار (NPT)، ومن خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) وذلك عبر تدابير الوقاية والحماية ومراقبة البرامج النووية للدول التي تسعى إلى استخدام الطاقة النووية لأهداف سلمية، وبشكل صارم.

إلا أن بعض الدول خرقت معاهدة عدم الانتشار، وتمكنت من حيازة أسلحة نووية، كالهند والباكستان وكوريا الشمالية، وإسرائيل، وخضعت ردة الفعل الدولية على ذلك لاعتبارات سياسية تتعلق بمصالح الدول الكبرى، فغضّت الطرف عن بعضها، ووقفت بوجه بعضها الآخر، مما أكد وجهة النظر المزدوجة للدول الكبرى ومجلس الأمن حيال هذه القضايا.

ويقول المراقبون إن عدم موضوعية تطبيق المعاهدة بمنع الانتشار، هو الذي حفّز إيران على تطوير برنامجها النووي لأهداف سلمية كما كانت تدعي، قبل أن تمارس الولايات المتحدة عليها ضغوطات لترضخ مؤخرا للاتفاق مع الغرب يقضي بمراقبة نشاطاتها والتقليص منها.

الاختلاف في المعايير بين الدعوة إلى تخليص العالم من خطر الأسلحة النووية من دول لا زالت تملكها و تغض الطرف عن حلفائها، هو ما كان محل انتقاد للمساعي التي بذلها مؤتمر هيروشيما الذي أدان ، بشدة البرامج النووية والصواريخ الباليستية لكوريا الشمالية باعتبارها “تقوض معاهدة عدم الانتشار والنظام العالمي لعدم الانتشار، وتشكل تهديدا كبيرا للسلام والاستقرار الإقليمي والعالمي”.

في هذا الصدد أعربت “الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية” وهي ائتلاف من المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني المدافعة عن إلغاء الأسلحة النووية عن خيبة أمــلها تجاه نتــائج اجتماع هــيروشيما.

وأشارت الحملة إلى أن “وزراء الخارجية لم يتمكنوا من الاتفاق على أن العالم يحتاج إلى سد الثغرات القانونية بشأن أسلحة الدمار الشامل، وعلى تحريم الأسلحة النووية”.

فالحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية معروفة بدعمها القوي لضرورة البدء في عملية تفاوض تؤدي إلى الحظر القانوني للأسلحة النووية، وتعتبر أن عدم وجود أي حظر ملزم لن يحقق أية نتائج ملموسة.

ويقترح هذا الائتلاف الدولي المناهض للأسلحة النووية أن فرض حظر قانوني من شأنه “الوفاء بمعاهدة حظر الانتشار النووي وتعزيزها، وتهيئة الظروف لنزع السلاح من خلال الوقوف ضد حيازة الأسلحة النووية، والطعن في التأكيدات القائلة بأن الأسلحة النووية توفر الأمن، وتوفير الحوافز المعنوية القوية للدول الحائزة على الأسلحة النووية للتخلص من ترساناتها، وتعزيز جهود عدم الانتشار في جميع أنحاء العالم”.

يشير الخبراء إلى أن التضارب الحاصل في المواقف بشأن القضايا النووية خاصة من جانب الدول الإثني عشر الأعضاء في “مبادرة عدم انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح” التي اجتمعت في هيروشيما، يجب معالجته من طريق تنقيح استراتيجياتها الأمنية لجعلها تتماشى مع موقف “مبادرة عدم انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح” المعلن بشأن الأسلحة النووية.

ويذكر أن سبعا من اثنتي عشرة من حكومات المبادرة تعتمد على الأسلحة النووية في استراتيجياتها الأمنية، وهو ما يشكك في نواياها الرامية إلى إزالة الخطر الذي تشكله الأسلحة النووية والذي يهدد العالم، حيث تتخذ اليابان وأستراليا، وهما البلدان الرائدان في هذه المبادرة، عددا من الخطوات التي تتعارض مع بيانات السياسة التي يطالبون بها.

فيبدو أن اليابان تتطلع الآن إلى مواصلة عملية من شأنها أن تؤدي إلى تراكم كميات كبيرة من البلوتونيوم، في حين تبيع أستراليا اليورانيوم والمواد الخام اللازمة للأسلحة النووية، إلى جميع دول معاهدة عدم الانتشار النووي، وهي معطيات بينت أن جميع المواثيق والمعاهدات التي وقعت عليها تلك الدول، لمنع الانتشار النووي بقيت حبرا على ورق.

6